أكذوبة “الثورة” …

Hits: 9

الكاتب عدنان الساحلي …

فشلت لعبة سعد الحريري بقيادة ما سمي “الثورة ضد الفساد”، للوصول إلى التفرد بالسلطة وتشكيل حكومة مستشارين، يختارهم له صندوق النقد الدولي والسفارة الأميركية. حكومة تلبي المطالب الأميركية و”الإسرائيلية” من لبنان. وتحقق حلم الحريرية السياسية بعهديها، بجعل لبنان “إمارة” على شاكلة المدن السعودية، يحكمها الحريري وتلحق بمملكة القمع والتخلف الوهابية المتصهينة.

اكتشف الحريري أنه بكل إمتداداته الخارجية والداخلية، السياسية والمالية، لا يملك قرار اللبنانيين، خصوصاً بوجود المقاومة التي تمنع اليد “الإسرائيلية” من المس بلبنان؛ وبوجود “جبل بعبدا”، الرئيس ميشال عون، الذي تصدى لمحاولات فرض المشيئة الأميركية على القرار اللبناني، مما اضطر الحريري للإحجام عن التقدم للاستشارات النيابية، لتكليفه بتشكيل حكومة تخلف الحكومة التي “استقالها” منذ أقل من شهرين. فرياح الاكثرية النيابية عاكست أشرعته، لترسو سفينة التكليف على الوزير السابق حسان دياب، محدثة صدمة لدى الذين خططوا لإشعال “ثورة ضد الفساد”، بواسطة القرار المشبوه الذي روج له وزير سعد الحريري محمد شقير، بفرض ضريبة تطال جميع اللبنانيين، على المكالمات الخلوية عبر تطبيق “الواتس آب”، متوقعين إندفاع الشارع الحانق من سياسة الحريري الإقتصادية للنزول إلى الشارع، فيركب حلفاء 14 آذار الموجة ويقودون الجمهور الغاضب ضد أخصامهم السياسيين، في سعي لتغيير نتائج الإنتخابات النيابية الأخيرة، واعادة عقارب الساعة إلى توقيت الأكثرية الموالية للاميركيين، مراهنين على دفع حزب الله وحركة “أمل” إلى التصادم إبتداء من ساحة الجنوب، التي افتعلت فيها تحركات غوغائية خربت ممتلكات وشتمت أعراض وحرضت على الفتنة. لكن وعي المعنيين وجمهورهم أفشل خطة المبعوثين الأميركيين وأدواتهم في الداخل، فارتبك “الحراك” وتاه بين شتّام هنا وقاطع طريق هناك؛ ومدعي ثورة ضد إقطاعي هنالك، أو داع للهجوم واحتلال مؤسسات الدولة في واقع متخيل. فيما رؤوس الفساد وبعض رموز الإقطاع السياسي والحزبي والطائفي، كانت تتقدم صفوف “الثوار” المنادين بالتغيير والقفز فوق الطائفية والعصبويات.

تكفلت صدمة الفشل ومفاجأة التكليف، بكشف حقيقة “الثورة” و”الثوار” الذين عطلوا حياة اللبنانيين لشهرين فائتين. وأكدت ما حذرت منه الأصوات والأقلام المعادية للمشروع الأميركي-الصهيوني في لبنان واالمنطقة، من كذب الذين قطعوا الطرقات وأشبعوا الناس دعوات إلى الثورة والتغيير ونبذ الطائفية وكل ما يخطر على البال من شعارات، تستهوي كل ساع وحالم بتغيير أوضاع لبنان، من الفساد الغارق فيه إلى رحاب المدنية وحكم القانون وسيادة الدستور وموازين العدالة. فشعاراتهم ما هي إلا أكاذيب تخفي شياطين تريد إحداث انقلاب سياسي لا علاقة له بأوجاع الناس ومطالبها؛ ولا بمحاربة الفساد واستعادة مال الشعب المسروق، بل هي خطة جهنمية لوضع اليد على البلد وتسليمه إلى الأميركي وأذياله، لفرض الارادة الأميركية و”الاسرائيلية” بالسيطرة على الثروة البترولية اللبنانية، القابعة في المياه الاقليمية؛ واجبار اللبنانيين على القبول بترسيم “اسرائيلي” للحدود الدولية مع فلسطين المحتلة، المرسمة منذ عقود والمطلوب تأكيد ترسيمها وليس إعادة هذا الترسيم. اضافة الى توطين اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين.

وهكذا، لم يتحمل القائمون على “الثورة” المزعومة، سوى مرور شهرين على بدئها، بالتمام والكمال، ليكشفوا أقنعهتم، فاذا بكل الشعارات والادعاءات والهوبرات تسقط مخلية شاشات الفضائيات لسعار طائفي أسود مقيت، وفحيح أفاع لا علاقة لها بالمدنية أو الوطنية ولا بالعلمنة والمواطنة. وشاشات الفضائيات تلك، هي ذاتها التي حرضت وشجعت وقادت أحيانا “الثورة” و”الثوار”، فاذ بها منبر للتحريض الطائفي والمذهبي. واذ الأصوات ذاتها التي كانت تنادي “كلن كلن”، تصرخ مستنكرة استبعاد سعد الحريري عن رئاسة الحكومة. وتحولت حواجز قطاع الطرق ذاتها، التي كانت تعترض سبيل المواطنين لدفعهم “للانضمام إلى الثورة”، تحولت إلى حواجز تحرق الاطارات رفضاً لتكليف دياب ومطالبة بعودة الحريري.

هي فضيحة بحق “الثورة” و”الثوار” تكذب كل ادعاءاتهم، فهم، باسثناء قلة صادقة لكنها غير مؤثرة، لم تستطع منع تحويل ساحات الاعتصام في بيروت إلى مراقص ومواخير وجوقات تحشيش. كما لم تستطع منع “باص” القوات من دخول ساحة الاعتصام في صيدا، في حين أن باقي “الثوار” هم بين مرشح فاشل في الانتخابات، يريد الثورة فرصة لتحقيق أمنيته بالنمرة الزرقاء؛ أو احزاب تراجعت أدوارها وسقطت رهاناتها وتحولت من تحالف أكثرية إلى أقلية متناحرة، لآن تراجع التمويل الخارجي يسبب النقار بينها؛ وكذلك جمعيات وتجمعات مختلفة التسميات والأهداف، يجمع بينها التمويل والتوجيه الأميركي؛ إضافة إلى بعض أجنحة “اليسار” التي تأمركت منذ ما سمي “ثورة الأرز” التي نظمها وأشرف عليها السفير الأميركي السابق جيفري فيلتمان واعترف أنها كلفته أكثر من خمسمائة مليون دولار.

هي “ثورة” سيتعلم اللبنانيون منها أن التغيير لا يمكن أن يتم على أيدي تجار السياسة، أو أتباع المستعمر وقوى الهيمنة، أو متسلقي المناسبات، وأن أصحاب العقليات الإلغائية لا يمكن أن يحملوا فكراً وطنياً، كما أن الفاسد لا يمكن له مهما كذب وادعى أن يحارب الفساد.