حوار صحفي مع الإمام موسى الصدر ـ حول الدفاع عن لبنان ووحدته ودوره في القضية الفلسطينية وصيانة عروبته.

Hits: 13

كتب انطوان شكر الله حيدر – مجلة الحوادث البيروتية 1976/12/24

المكان والتاريخ: مقر المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى – الحازمية .


الساعة الثامنة مساء، استقبلنا الامام. والساعة الحادية عشرة والنصف ودعنا العائد من الحج ومن جولة سياسية قبل الحج، وكان بكامل نشاطه واستعداده للمزيد. وبين الساعة الثامنة والساعة الحادية عشرة والنصف اجاب الامام عن كل علامات الاستفهام التي طرحناها امامه بدءا من السلام الآتي والذي يعتبره “نهائيا “مرورا بالحرب التي مرت انتهاء بالوطن البديل هنا في لبنان وهناك في فلسطين.
من مكتبه في الطبقة الاولى بمبنى المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى في الحازمية، الذي لم تزال عنه بعد آثار حرب السبعمئة يوم، فتح موسى الصدر صدره ولم يجد حرجا من الكلام عن كل شيء حتى ولو كان اتهاما مساقا ضده. فالرجل الذي قال مرة في بحر من المحرومين: “السلاح زينة الرجال “والذي عاد بعد شهور ليدعو الى نزع السلاح الذي دعا الى حمله، يملك عن كل سؤال جوابا “مقنعا “ويترك لك الخيار بأن تقتنع او لا تقتنع. لكن طلاقة حديثه وعمقه لا يتركان لك الا خيار الاستماع طويلا، فمع الامام انت مستمع معظم الوقت ومحاور في كل الاوقات.
ونبدأ مع الامام من الامن والسلام الموعود

النصّ .

س- من شهرين كان سماحة الامام اول المبشرين بالسلام في لبنان، على ماذا كنت ترتكز؟ وهل تعتقد ان السلام اصبح حقيقة دائمة ام “انتراكت “ستعقبه جولات اخرى؟
ج- ويجيب الامام:
“ اعتقد ان السلام حقيقة، وبعض الصعوبات التي حصلت او التي ستحصل ان هي الا صعوبات الانتقال من الجو المتوتر المتفجر الى جو السلام والامان، ومن الطبيعي ان هذا الانتقال يمر على مراحل مختلفة والامن والسلام يولدان وينموان بالتدريج. لكنني مقتنع ان السلام قائم ونهائي.
ونسأل الامام تفصيلاً اكثر فيعود بالاحداث الى بداياتها:
“ المؤامرة بدأت بعوامل لبنانية ثم كبرت حتى خرجت عن قدرة اللبنانيين، بل وعن قدرة الفلسطينيين معا. كبرت المؤامرة ولكنها في مرحلة المعالجة كانت لا تزال اصغر من قدرة العرب بينما لو لم تعالج كان عجز العرب عن انهائها، والشرط الوحيد كان توحيد الارادة العربية، باختصار انهاء الخلاف بين مصر وسوريا، لانهما اذا كانتا مختلفتين لا يمكن بتصوري توحيد الموقف العربي، ذلك ان اكثر الدول العربية ليست مستعدة للوقوف مع هذه ضد تلك او العكس، بينما هي مستعدة لتقف معهما متفقتين. وفي ذلك الوقت كنت اعرف من خلال مؤتمر الرياض ان مصر وسوريا اتفقتا نهائيا وان السعودية والكويت شاركتا في خلق هذا الاتفاق وهذا التلاحم “.

س- تحدث سماحة الامام عن وجود مؤامرة، كذلك كل الزعماء اللبنانيين والفلسطينيين والعرب وحتى زعماء الاطراف المتقاتلة، تحدثوا عن هذه المؤامرة فهل بالامكان معرفة اطرافها واهدافها من سماحتكم؟
ج- ويجيب الامام العائد من السعودية:
“بتصوري ان المؤامرة كانت مؤامرة دولية استفادت من الثغرات اللبنانية ومن الوضع العربي المفكك واخذت طريقها الى التنفيذ. والغايات الدولية كانت في الدرجة الاولى غايات اسرائيلية. فاسرائيل بعد حرب تشرين 1973 وبعد الانتصارات الدبلوماسية للقضية الفلسطينية، التي كان اولها دخول منظمة التحرير الامم المتحدة وتبعتها قرارات عديدة منها القرار الذي اعتبر اسرائيل دولة عنصرية، اعتبرت ذلك خطوة عالمية بالتخلي عن دعم فلسفة وجود اسرائيل مما يشكل بالنسبة لها بداية الزوال.
بالاضافة الى الانتصار العسكري ثم السياسي ثم بدايات الانتصار الفكري، جعل سلاح النفط الذي استعمله العرب وسلاح المال الذي لوحوا به ولم يستعملوه، وضع اسرائيل اكثر سوءا فكان لا بد ان ترد. وجاء ردها فلسفيا، ايديولوجيا رغم انها كانت قادرة على الرد العسكري وقد أرادت بردها الفلسفي ان تثبت للعالم ان منطقة الشرق الاوسط ليست منطقة اوطان بل منطقة قبائل. فنفضت الغبار عن فكرة الدويلات الطائفية التي طرحت في العشرينات ورفضها العرب والعالم وبدأت عبر الاعلام والسموم التي كانت تبثها تشجع على خلق دولة طائفية في المنطقة الشرقية في لبنان “.
ويرتاح الامام ليأخذ نفسا من “اركيلته “ونفسا عميقا لنفسه و… يكمل:
من الطبيعي ان نشوء مثل هذه الدويلة كان سيجر الى نشوء دويلة مقابلة ذات طابع شيوعي في قسم من جنوب لبنان وقسم من جبل لبنان تكون قاعدة للمعسكر الاشتراكي وهو حلم قديم يراوده. وقيام هاتين الدويلتين او الاكثر ينقل العدوى الى باقي الدول العربية فتتشكل في كل منها دويلات متشابهة.
وكان الشريط الحدودي الذي سمته اسرائيل الخط الاحمر، ( ما وراء الليطاني )، مرشحا لكي يصبح حزام امن لها وسوق استهلاك لبضائعها وحقل مخابرات واعلام وتجسس وافساد اسرائيلي ومركز تفاعل بين العرب واليهود فتقضي على المقاطعة الاقتصادية العربية لها وتترسخ وهذا الخطر ما يزال قائما لان وضع الجنوب ما زال غير سليم… “

س- فتصل الى الصلح التعاملي…
ج- تماما. اذن اسرائيل كانت ستستفيد من وجود دولة او اكثر من دولة طائفية عنصرية في لبنان، فلسفيا واقتصاديا. والغرب سيستفيد بوجود قاعدة اخرى غير قبرص وهذه القاعدة حتمية لان ما كان مقررا ان يكون دولة منفصلة في المنطقة الشرقية لم يكن لديه امكانات الاكتفاء الذاتي. وهنا التقت مصلحة اسرائيل بمصلحة الغرب وجاءت مصلحة المعسكر الاشتراكي لتؤلف ثالثة الاثافي في المؤامرة الدولية على المنطقة “.
مرة اخرى يرتاح الامام، يغير “الجمرة “يطلب لنا الشاي و… يكمل:
يبقى الشق الآخر من المؤامرة وهو المتعلق بالفلسطينيين والذي كان هدفه ترويض المقاومة التي وصلت الى اقوى مراحلها السياسية بالاضافة الى ترويض سوريا الرافضة لسياسة الخطوة خطوة ثم ضرب الفريقين الواحد بالآخر، تمهيدا لتحقيق السلام الاميركي.
هذا ما قلنا انه الإصطدام بين سوريا والمقاومة.

س- الى اي حد تعتقد ان قصور الدولة في الجنوب قد اسهم في تفجير الوضع في بيروت وسائر المناطق، فلو ان الدولة عالجت مشكلة الجنوب بحكمة أكثر ودراية لما اصبحت العاصمة بيروت محاطة بحزام الفقر؟
ج- ويجيب موسى الصدر:
“عندما بدأت القضية الفلسطينية تنمو وتنتعش عام 1967 سمحت قيادة الجيش بصورة شخصية، بدون موافقة السلطة السياسية، وبدون ان تجعل هذه الموافقة ضمن اتفاقية لبنانية عربية او لبنانية فلسطينية، بدخول 300 فدائي الى الجنوب وهذا كان يعني تسخين الجبهة هناك، وكان من المطلوب ان تحصل الحكومة اللبنانية على التزامات عربية للدفاع عن الجنوب والمقاومة بعد هذا الاجراء، لكن الدولة المقصرة اصلا في الجنوب قبلت دون اي اجراء وقائي.
لمذا قبلت؟ لاسباب شخصية ولوعود ولمطامع ولمكاسب عربية معينة. بعد ذلك اخذت السلطة تطلب من الجنوبيين التصدي للمقاومة الفلسطينية في الوقت الذي لم تطلب اليه ولم تدافع عنه عندما كان يتعرض لهجمات الكومندوس الاسرائيلي عندما كان يدخل ويتصرف كما يريد في قرى الحدود.
ولم يكن معقولا ان يقف الجنوبي المحروم اجتماعيا وعمرانيا ودفاعيا ضد المقاومة الفلسطينية، ثم بعد اصطدامات متعددة ظهر فيها رفض الجنوبيين للتحريض على الاصطدام بالمقاومة هناك، انسحبت السيادة من الجنوب.
في هذا الوقت كان النزوح الكبير نحو بيروت من الجنوب ومن بقية المناطق المحرومة يشهد اوج كثافته.
وانسحاب السيادة من الجنوب بالاضافة الى رفض ابن الحدود التصدي للمقاومة استخدم سلاحا لتحريض الناس وبدأت عملية التسلح الجماعية حتى وصل عدد قطع السلاح في نهاية عام 1974 الى ما يقارب المليون قطعة “.

س- سماحة الامام كنت من المشجعين على حمل السلاح، وما زالت عبارة “السلاح زينة الرجال “التي قلتها في بعلبك راسخة في اذهان الناس. كنت وقتها تقف موقف هتلر. وفجأة عندما انفجر الوضع اعتمدت اسلوب غاندي في المقاومة السلمية واعلنت صيامك الشهير مثله واعلنت شعار اللاعنف، الا تعتقد ان هناك مسؤولية كانت عليك في الحالتين، عندما شجعت في الاولى ونهيت في الثانية؟
ورغم ما في السؤال من اثارة واتهام ظل الامام على هدوئه عندما اجاب:
ج- “طبعا “. بكل سرور. اما “السلاح زينة الرجال “فليست كلمة صادرة عني بل عن رسول الاسلام محمد بن عبد الله ( ص ) في تفسير الآية الكريمة “خذوا زينتكم عند كل مسجد “. [ الأعراف/31 ] قال الرسول: “ان السلاح زينة الرجال. لكن السلاح هو الآلة التي تستعمل ضد العدو وليس ضد المواطن او الصديق او الاخ. نحن كنا نشاهد ان العدو الاسرائيلي يسرح ويمرح في الجنوب ويدخل الى قرية مجدل الزون البعيدة عن الحدود 16 كيلومترا، وليس في القرية فدائي واحد، يقتل، يفجر، يأسر، ولا من يرد عليه. طالبنا طيلة سنوات بضرورة الدفاع عن الجنوب وقمنا في الاضراب الشهير في ايار ( مايو ) 1970 مطالبين بعدم اهمال الجنوب، والدفاع عنه. وعندما تخلت السلطات عن واجباتها في معركة الدفاع قلنا لماذا ننتظر ان يحتل العدو ارضنا ثم نشكل فرق المقاومة لاستعادة الارض المحتلة؟ الافضل ان نستعد ونحمل السلاح ونتصدى للعدو قبل تفاقم خطره وهذا كان قصدنا عندما قلنا في بعلبك “السلاح زينة الرجال “.
اما السلاح في وجه الاخ والمواطن فهو مرفوض وكما قلت في الاعتصام، ان كل رصاصة تطلق على القاع او دير الاحمر او شليفا انما تطلق على بيتي ومحرابي ومنبري. لست مع العنف مطلقا كما لست مع الرفق المطلق. بل مع الحق المطلق وهذا يتطلب العنف احيانا والرفق احيانا وفي ذلك اقتدي بقادتي الدينيين محمد وعلي والحسين كما اقتدي بالرسول العظيم السيد المسيح رجل السلام والمحبة عندما وجد ان المرابين والمحتكرين اتخذوا الهيكل متجرا لم يعاملهم بالرفق بل طردهم بالعنف وقال: “هذا بيت ابي مكان للعبادة وانتم جعلتموه مغارة للصوص “.

س- ونعترض: لكن العكس هو الذي حصل والسلاح الذي كان معدا ليستعمل ضد العدو استعمل ضد المواطن والاخ والصديق. فجاءت النتائج ان عدد القتلى والضحايا من الشيعة كان كثيرا جدا بالنسبة لسائر الطوائف المحمدية (الدروز والسنة)، الذين فقدوا نسبة ضئيلة جدا. فالى ما تعزو هذه النتيجة؟
ج- “اشكرك على طرح هذا السؤال رغم قسوته، لانه آن الاوان لكي يعرف اللبنانيون الجواب الصحيح عنه. كما سبق وقلت كانت في لبنان مؤامرة دولية استفادت من الصراع العربي أي من الغياب العربي ومن الثغرات في لبنان فبدأت بالتنفيذ وغايتها تشكيل دويلات طائفية تكون بمثابة 3 قواعد: واحدة للغرب وثانية للشرق والاخرى لاسرائيل. بمعنى آخر تحطيم صيغة التعايش اللبناني الذي كان مثالا حضاريا للعالم وكان مثالا وهدفا للنضال الفلسطيني وبكل فخر اقول ان الشيعة كانوا في طليعة من تصدوا لاحباط هذه المؤامرة وقدموا ضحايا كبرى لعلها اكثر من ضحايا الآخرين ولكنهم احبطوا المؤامرة بالدفاع عن احيائهم اينما كانت، ( شرقية ام غربية ) وبحماية المقاومة ومحاربة التقسيم. كل ذلك كان في ا لمرحلة الاولى من المحنة اللبنانية أي ما قبل صدور الوثيقة الدستورية.
اما بعد ذلك فانقلبت الامور وبدأ اليسار المتطرف بدوره ينفذ المؤامرة الدولية، ويساهم مع اليمين المتطرف في محاولات تقسيم وتصفية المقاومة: ولذلك دعوا الى “الادارة المحلية “، ولذلك ايضا عدد ضحايا الفلسطينيين بعد الوثيقة الدستورية اكثر مما قبلها، مما يؤكد ان اليسار المتطرف ورط المقاومة في المعركة وجعلها تستعمل كل سلاحها وكل مقاتليها. وقد حاول ايضا وبالتعاون مع اليمين المتطرف ايضا خلق الصراع الدامي بين سوريا وبين المقاومة الفلسطينية لتنفيذ النقطة الاخرى من المؤامرة “…
ويتوقف سماحة الامام قليلا، يرد على هتاف تليفوني باللغة الفارسية. يترك السماعة، يأخذ نفسا من التنباك المشتعل الذي قارب نهايته ثم يتابع:
“في هذه المرحلة كان موقف الشيعة التصدي للجبهتين، وتعرضوا لهجوم عسكري واعلامي لم يسبق له مثيل، كما تعرضت انا ورفاقي وطائفتي وحلفائي في قمة عرمون لاشرس الهجمات الاعلامية.
وبكلمة ان الشيعة دفعوا 15 الف قتيل وحوالي الف معاق وقريبا من 50 الف جريح، كما تحطمت احياؤهم: النبعة، رأس الدكوانة، الشياح، بير العبد، حي ماضي، الكرك، حوش الامراء، الليلكي، سبنيه و… غيرهم.
ان الشيعة قدموا هذه الخسائر بارادة قيادية دفاعا عن لبنان، وعن وحدة لبنان، وعن دور لبنان في قضية فلسطين المقدسة، وفي سبيل صيانة عروبة لبنان.
كل هذا لا يعني ان موقف القيادة الشيعية لم يستغل من قبل الاحزاب المتطرفة ولكن هذا امر طبيعي في المجتمعات وفي المعارك الشرسة التي تبدو اهدافها غامضة للجماهير والتي تخطط لها الادمغة العالمية.
انني الآن بقلب ملؤه الألم اشعر بهذا الحزن ولكني لا أحس بالندم ابدا، بل احس باعتزاز واعرف ان الاجيال حتى جيلنا بعد فترة وجيزة سيعتزون بهذا الواقع الذي هو نموذج معاصر عن معركة كربلاء “.
ونسأل الامام والانفعال باد على وجهه:

س – استغلال اليسار المتطرف لموقف الشيعة استطاع احداث شرخ في صفوفهم. ويقال ان معاقل الجنوب قد سقطت منكم في ايدي الاحزاب وبعض التنظيمات الأخرى؟
ويقاطع السيد موسى بحدة:
ج – “ابدا… ابدا لم تسقط القوى الشيعية في الجنوب في ايدي اليسار.
ثم ماذا تقصد باليسار؟ اذا كنت تقصد باليسار قوى التغيير فانا اتشرف ان اكون احد اركانه، اما اذا قصدت الملحدين او الرافضين لكل شيء فهم لا يملكون 5 بالمئة. وسيظهر ذلك للجميع في اول فرصة جماهيرية او انتخابية “

ونقول للامام:
س – هناك بينات صدرت تعلن عن انضمام بعض عناصر منظمة “امل “الى الحزب الشيوعي و… ومرة اخرى يستبق الامام باقي السؤال ويجيب:
ج – هذا كلام غير صحيح. فلا يوجد عند “امل “شيوعي واحد، ولا وجود لاي انشقاق او حركة تصحيحية او حتى اي تراجع اطلاقا. فمنظمة “امل “وجدت لتكون طليعة المقاومة اللبنانية وستبقى هكذا. وسنعمل على حل ميليشيا حركة المحرومين لتبقى “امل “وحدها للدفاع عن الجنوب ضد هجمات الكومندوس الاسرائيلي.
“امل “ مؤمنة بالله وبسيادة لبنان واستقلاله وبالعدالة الاجتماعية ضد الاحتكار والاستعمار وليس للشيوعيين فيها نصف انسان. أتحداهم… اتحداهم ان يأتوني بعنصر واحد كان في منظمة “امل “والتحق في صفوفهم “.

س – يفسر البعض ثورة الشيعة بانها “ثورة متأخرة “ضد الميثاق الوطني الذي تم بين الموارنة والسنة على حساب الشيعة و 14 طائفة اخرى عام 1943 فما رأي سماحتكم بهذا التفسير؟
ج – “ثورة الشيعة ليست لانفسهم، كما لم تكن ثورتهم التاريخية الا لأمتهم. نحن الآن ضد الطائفية السياسية، ولا نريد للشيعة اطلاقا ان تكون احد اعمدة النظام الطائفي. فنأخذ لانفسنا ولاناس اقل كفاية حقوق الآخرين. نحن نؤمن بالكفايات ونطالب بها. والمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى كان اول مجلس اقر الغاء الطائفية السياسية. نحن مرة اخرى ليعرف الجميع، لسنا من طلاب الامتيازات ولم نسع اليها مرة واحدة في نضالنا السياسي “.

س – الخط الأحمر الاسرائيلي في الجنوب هو خط وهمي تحدده السياسة ولا تحدده الجغرافيا. وفي قمتي الرياض والقاهرة، تجاهل الملوك والرؤساء العرب القرار السياسي حول الجنوب. فكيف تفسرون ذلك؟
ج – يجيب الامام:
“حسب معلوماتي ان المؤتمرين في الرياض والقاهرة بحثوا بدقة بالغة قضية الجنوب. واتخذوا القرار السياسي حول هذه القضية، لكنهم امتنعوا عن اعلانه، لان الظروف الدولية كانت تساعد اسرائيل على الاعتداء لسببين.
طول الازمة اللبنانية والشعور السائد في العالم بوجوب التخلص من التذابح.
تغيير الادارة الاميركية: ذهاب الجمهوريين وعدم تسلم الديمقراطيين بعد.
هذان السببان كانا يساعدان اسرائيل على الاعتداء لذلك امتنعت القمة عن اعلان اي قرار حول الجنوب. ثم ان قضية انتقال قوة الامن العربية المعززة حتمية. وتجري الآن اتصالات سياسية مكثقة بهذا الشأن وستنتقل في الوقت المناسب وسيرتاح بعدها الجنوب. وطبيعي ان تحرك قوة الامن هو من صميم سيادة لبنان. ولا يحق لإسرائيل سياسيا ودوليا منع ذلك واذا كانت الظروف خلال اسابيع غير مؤاتية فسيأتي الوقت لذلك”.

س- حتى الآن… اسرائيل تعارض. فقد جاء على لسان عدد من الزعماء الإسرائيليين ان الحكومة لا تقبل في الجنوب الا جيشا لبنانيا منظما..
ج- “نحن نؤكد انه لا يحق لاسرائيل اطلاقا منع الرئيس الياس سركيس اتخاذ اي قرار للحفاظ على سلامة الاراضي اللبنانية في الجنوب، ضمن حدود معينة تحفظ امن تلك الاراضي ولا تشكل تهديدا لإسرائيل. فاذا كانت الظروف تساعد الآن إسرائيل على الرفض، فان العرب يقومون باتصالات مكثفة بهذا الخصوص.
ولا شك ان وجود الجيش اللبناني هو افضل ولا بد من تأسيس هذه المؤسسة “.

س- في كلام للسناتور الاميركي ماك غافرن “ان الازمة اللبنانية مرتبطة بالازمة الفلسطينية “. كذلك في تصريحات بعض الزعماء العرب حول مؤتمر جنيف وقرارات الامم المتحدة التي حددت عقد مؤتمر جنيف. فهل كان للازمة اللبنانية وفي كيفية حلها علاقة بالحلول المطروحة للمشكلة الفلسطينية؟ ثم هل كما يتهم البعض ان ازمة لبنان حققت هدف المؤامرة وهو تحقيق الحل الاستسلامي لازمة الشرق الاوسط؟
ج- “القضية الفلسطينية ككل ازمة دولية ذات اطراف مختلفة تتجه نحو الحل الذي يتناسب مع معادلة القوة بين الاطراف. لذلك نشاهد قبل المفاوضات في جميع المعارك يحاول الاطراف تسجيل مواقف وانتصارات قريبة او بعيدة. حتى ولو كان اطلاق القمر الاصطناعي، الذي اطلق من قبل السوفيات قبل مفاوضاتهم الشهيرة مع الولايات المتحدة الاميركية في اواخر ايام الرئيس جونسون.
انطلاقا من هذا المبدأ العام، الحل للقضية الفلسطينية يتأثر بقوة العرب او ضعفهم ولا يمكن ان يشك احد بان العامل الاساس في قوة العرب هو وحدتهم او وحدة مواقفهم، ذلك العامل الذي كان وراء تأسيس اسرائيل والذي راهن عليه مؤسسو هذه الدولة العنصرية في قلب العالم العربي. ولذلك ليس الحل “سلمياً “او “إستسلامياً “، اذا كان يصدر عن مؤتمر جنيف او عن غيره بمقدار ما يتأثر بقوة المفاوضين وضعفهم في المؤتمر ذاك “.
وقبل ان ينهي الامام جوابه يتذكر:
لقد اخبرني الرئيس حافظ الاسد بإرتباك واضطراب وزير الخارجية الاميركية الدكتور كيسنجر من مؤتمر الرباط، وانه حضر فجأة الى دمشق يستخبر عن الموقف ويراهن ضمنا وبإزدراء على عدم اتفاق العرب في قمة الرباط وان الكفيل بابعاد الفلسطينيين عن حلبة المفاوضات والحل هو العرب والاردن بصورة خاصة، وانه لا يشعر بحاجة ملحة الى الاستعجال في متابعة مشروعه خطوة فخطوة. وكان يضيف، الرئيس الاسد، ان اجتماعه بكيسنجر بعد مؤتمر الرباط كان غريبا وان الضعف والارتباك كانا باديين عليه.
من هنا، ان المعادلات السياسية في العالم اليوم لا تعتمد على عواطف او تمنيات ولا حتى على القيم والصفات الشخصية ولا على الشعارات التي تطلق فتقيد حركة القادة او السياسيين، وانما تعتمد على قوانين وترابط رياضي بين الاحداث والمواقف والظروف وطبعا مصالح الشعوب والدول. واهم ما في هذه المعادلات هو سرعة التحرك واختيار المواقع وتوظيف المتغيرات “.

س- قبول العرب باسرائيل بعد ثلاثين عاما من الرفض اليس حلا استسلاميا؟
يبتسم، يهز برأسه و … يجيب:
ج-”انني لا ادافع عن استراتيجية العرب تجاه اسرائيل منذ تأسيسها. ولكن اقف عند نقطة اساسية وهي: ان الاخطر من ولادة اسرائيل في هذه المنطقة هو استقرارها ودخولها في جغرافية هذه المنطقة وفي تاريخها.
لذلك فان الجانب الايجابي والاساسي من الرفض العربي، هو مسألة عدم التعامل والمقاطعة الاقتصادية. العاملان اللذان يمنعان استقرار اسرائيل وهضم المنطقة لها. وما عدا ذلك فإن عنصر الرفض المطلق كان جمودا سياسيا “.

س- مثلا على ذلك…
ج- “مثلا… عندما طرحت المقاومة شعار الدولة الديمقراطية اللاعنصرية في فلسطين، كانت موفقة بنفس المقدار الذي توفقت يوم تأسيسها، لانها قبل طرحها هذا الشعار كان رفضها مطلقا، ويبدو للعالم انه غير منطقي، وكان من جراء ذلك ان العالم اتهمها واتهم العرب معها انهم يريدون رمي اسرائيل في البحر!
يتوقف قليلا ليتابع
“انني اتصور ان الشعار الذي طرحته بعض الفصائل من المقاومة وبعض الدول العربية بقبول قرارات الامم المتحدة كلها بما في ذلك قرار التقسيم الصادر عام 1974 يجب ان يكون شعار هذه المرحلة، وهو افضل من الرفض الفعلي المطلق… والا فاننا نسمع يوميا شعار انسحاب اسرائيل من الاراضي العربية المحتلة عام 1967 واعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني دون ان نبين للعالم ما هي هذه الحقوق وتلك الاراضي، وبالتالي نظهر بمظهر سلبي ورافض مع العلم اننا اذا فسرنا الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بوضوح وقلنا ان العرب يريدون ان يعيش الفلسطيني بكامل حقوقه المواطنية على ارضه، خطونا خطوة ايجابية لان معنى تمتع الفلسطينيين في حقوقهم يقترب جدا من شعار الدولة الديمقراطية المطروحة من قبل المقاومة الفلسطينية، حيث ان اسرائيل كما يعرف العالم كله لا تقر حقوقا لغير اليهودي المولود من ابوين يهوديين، وقد جرى نقاش منذ سنتين تقريبا عندما اصدرت محكمة قرارا بتمتع شخص يهودي من ام غير يهودية بحقوق المواطنية “.

ونسأل سماحة الامام:
س- ما ان اوشكت الحرب في لبنان على الخلاص حتى انتفضت الضفة الغربية. فهل هناك بإعتقادكم اي ترابط بين ما جرى في لبنان وبين ما يجري في الضفة الغربية؟ وكيف تقيّمون على ضوء ذلك المرحلة الراهنة؟
ج- يجيب الامام بعد برهات من التأمل:
“ لقد كنت انظر الى احداث الضفة الغربية ونضال الشعب الفلسطيني تحت الكابوس الاسرائيلي بحذر شديد، وبكلمة ادق، لقد كنت انظر الى الاعلام العالمي الموجه على هذا النضال بقلق وكنت اتساءل هل هناك محاولة للرد العملي على اتفاق العرب باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا وحيدا للشعب الفلسطيني؟
ولكن عندما سمعت تصريحات قادة النضال في الارض المحتلة، ثم اقترنت هذه التصريحات بالمشاركة الفعالة في المجلس المركزي، شعرت بارتياح، وتأكدت من ان العدو لم يتمكن من خلق شقاق وصراع جديدين ضمن صفوف هذا الشعب، ولذلك فاني اعتبر موقف المناضلين في الضفة الغربية، موقفا تاريخيا نبيلا لانهم وجدوا رفاقهم في محنة قاسية فأرادوا ان يسمعوا العالم اخبار نضال هذا الشعب ضد العدو وفي أقسى الظروف، كما ارادوا ان يؤكدوا للعدو ولحلفائه ان ساحة النضال ليست منحسرة بلبنان وان ابواب الكفاح في سبيل الوطن لا يمكن ان تنسد جميعا وذلك هو ارادة الله عندما نقرأ القرآن الكريم: “ما ننسخ من آية او ننسها نأت بخير منها او مثلها “. [ البقرة/106 ]
ويضيف امام الشيعة:
“واظن ان تصاعد الصراع الوطني في الضفة الغربية ساهم بشكل فعال في وقف التآمر الدولي واقناع المتآمرين بأن القضية لا تنتهي حتى ولو تعرض الشعب الفلسطيني في مكان ما لاقسى الاخطار. وأنه عندما تدق الاجراس في مأتم مناضل بمنطقة، ففي المنطقة المجاورة ترتفع اصوات الاجراس ايذانا بالولادة او العودة “.
الساعة الحادية عشرة والنصف. وزائر آخر يدخل المكتب. وموعد آخر يبدأ من منتصف الليل. هذا الرجل لا ينام ولا يتعب.
مرة قال له احد المجتمعين به: انت احسن من دافع عن القضية الفلسطينية ولكنك دائما، كما يقول المثل العامي الشائع: “لا مع سيدي بخير ولا مع ستي بخير “.
فضحك الامام واجابه: “المهم انني مع الله بخير “.

آراء الامام الصدر
1. في اعادة بناء الجيش
الغاء الطائفية السياسية، في رأي الامام، هو شرط من شروط اعادة بناء الجيش.
فالجيش عندما يريد ان ينمو يجب ان يعتمد العدد والكفايات. والعدد قد يكون من بعض الطوائف اكثر منه من بعضها الآخر، فاقبال الشيعة، مثلا، على الانخراط في صفوف الجيش هو اكثر من باقي الطوائف نتيجة لظروفهم الحياتية الصعبة والسيئة.
والمترف لا يدخل الجيش لذلك، في رأي الامام ايضا، يجب اعتماد خدمة العلم لحل المشكلة وتذويب طائفية الانخراط.
اما المواهب “فربنا لا يقسمها على طريقة 6و6 مكرر فربما تنوجد في الاقليات فليكن القائد من هذه الاقليات “.
اما الذين كانوا وانفصلوا عن جسم المؤسسة الوطنية ووقعوا بممارسات خاطئة يجب درس ظروفهم.

2. في اللامركزية:
يقول الامام: “في تصوري اي صورة من اللامركزية في الوقت الحاضر تعتبر تقسيمية.
والتعايش في لبنان ما زال ممكنا لان الحرب لم تكن طائفية انما استغلت الطائفية كسلاح. وفي كل فترة غاب فيها الارهاب العسكري عن الساحة كان اللبناني يعود الى علاقاته الطبيعية التعايشية التي كان يتفاعل معها قبل الحرب “.
ويضيف الامام: “عائدون للتعايش ليس بصيغة 1943 بل بصيغة جديدة تتعايش في ظلها جميع الطوائف منها الغاء الطائفية السياسية وعدم توزيع المناصب والوظائف على هذا الاساس. والوثيقة الدستورية هي في النهاية برنامج عمل للحوار واللبنانيون عندما سيجتمعون سيتجاوزون الوثيقة الدستورية.
وفي النهاية التعايش في لبنان ملك العالم وليس ملكا للبنانيين هم فقط امناء عليه وليسوا اصحابه – والكلام للامام.

3. في العلمنة
يرى الامام ان: “العلمنة بمعنى الا يكون مصدر السلطة التنفيذية هو الدين، كما كانوا يقولون عن الملوك بانهم ظلال الله على الارض او بمعنى الا يكون مصدر التشريعات هو الدين، ان العلمنة بأحد المعنيين هذين كانت وستبقى في لبنان “.
يبقى موضوع الاحوال الشخصية فانها: “كما تبدو من اسمها مرتبطة بحرية الانسان واختيارها بمعزل عن حكومة السلطة وفرضها ولذلك فهي تتنافى مع هذه الحرية الشخصية التي ترتبط في حياة الانسان الحميمة والتي تغرس القيم المطلقة في بداية وجود الانسان ونهايته، اي الولادة والموت فالايمان بالله هو المطلق اذا انفصل عن الممارسة الفعلية مع القيم يصعب بقاؤه واستمراره.
ولكن عند الامام نقطة اساسية في العلمنة يعتبرها من اهم العناصر لرفضه اياها وان كانت غير مطروحة حتى الآن وهي كما يذكرها الامام: “ان لبنان بوجوده الديمغرافي متحضر لحمل رسالة حضارية هي مبدأ التعايش وفلسفته ووضع اسس سليمة له وتوظيفه في سبيل اغناء الحضارة، لبنان هذا عندما نلغي الطائفية السياسية منه ووضعنا مبدأ العلمنة فقد جعلنا وطننا المميز بارادة الله نسخة طبق الاصل عن بقية الاوطان وكأننا قمنا بمحاكاة سطحية، ولذلك علينا ان نفتش عن طريقة للعلاقات نحتفظ بوجود الطوائف المتعددة كنوافذ حضارية وينابيع ثقافية، وهذا لا يتم الا بوضع الحد الادنى من الالتزام الثقافي الذي لا يخلق تعددا في المنهاج التربوي الوطني وبالتالي لا يخلق انفصاما في الوطن.
ولذلك لا نجد حلا آخراً – يضيف الامام – غير الاحتفاظ بالاحكام الدينية مع ولادة المواطن ومع موته اي في زواجه وميراثه. ولعلي لا افشي سرا لاول مرة اذا قلت ان وضع قانون واحد للاحوال الشخصية لجميع اللبنانيين بصورة قابلة للانعطاف يضيف المواطن حسب انتمائه الديني شروطا متطورة اليه، ان وضع هذا القانون امر ممكن. ولعل صفحات “الحوادث “في المستقبل تحمل تفاصيل عن هذه الرؤيا.