دوافع إنتمائي إلى حركة أمل

Hits: 16

بقلم الكاتب الحاج علي كوراني مدير أكاديمية أمل لتنمية القيادات.

من دواعي الإنتماء والإنتساب إلى أي تنظيم سياسي أو حزبي، هو تحقيق آمال كامنة في نفس الفرد، وتعبيراً عن تطلعات داخل ذاته، ويكون الدافع الأساسي لها وجود قضية حيويّة على المستوى المصيري العام، أو حاجات ومتطلبات خاصة على مستوى الطموح الشخصي، أو كلاهما في أغلب الأحيان، ولا يمكن للفرد تحقيقها بجهده الشخصي مهما تعاظمت قوته وطاقته وعلت مكانته، وبالتالي فإنّ الطريق الموصلة للهدف وتحقيق هذا المبتغى يكون عبر العمل الجماعي، أي من خلال العمل الحزبي بما هو أعمّ وأشمل، إذ أنّ العمل من خلال التنظيم هو الوسيلة الأنجع لبلوغ الأهداف.

وبديهي القول أنّ أفكار ومبادىء أي حزب ( المقصود الإطار الحزبي: منظمة ، حركة، حزب .. إلخ)  تنطلق من البيئة السياسية والواقع الإجتماعي بتنوعه الدّيني والقومي والمناطقي.

ونحن في لبنان بلد التنوع الطائفي وملتقى الثقافات ومنبر الحوار وميدان التفاعل، فضلاً عن كونه قاعدة إنطلاق النّضال في مواجهة المخططات الصهيونية وساحة التصدّي الدائمة لمشاريع الهيمنة على المنطقة، جعل ذلك من لبنان بلد العمل والحراك الحزبي بإمتياز، نظراً لوقوعه في قلب دائرة الصراع وخطّ التماس أمنياً وعسكرياً وثقافياً ضدّ العدو الصهيوني من جهة، ونظراً لوجود مناخ لحرّية العمل السياسي والحزبي التي يكفلها نظام البلد وقوانينه من جهة ثانية .

وهكذا فإن نشأة حركة أمل، كحركة المحرومين بدايةً، حركة سياسية إجتماعية إنطلقت من رحم المعاناة مطلع السبعينيات في ظل الأوضاع الإجتماعية الصعبة وواقع الحرمان والهجرة الداخلية التي أنتجت أحزمة البؤس حول المدن، وفي ظلّ نظام يرتكز على الطائفية السياسية التي لا تؤمن العدالة الإجتماعية بين أبناء الوطن الواحد، وبموازاة وضع إقليمي ناتج عن تداعيات نشأة الكيان الصهيوني عام 1948 ثم حرب العام 1967 وانعكاساتها على الساحة اللبنانية التي تمثلت بالإعتداءات الإسرائيلية شبه اليومية، ليس على القرى الحدودية مع فلسطين المحتلّة فحسب، وإنّما تعدّتها إلى عمق الأراضي اللبنانية، في هذا المناخ ولدت حركة المحرومين على يد الإمام السيّد موسى الصدر، ومع تطورات الأوضاع وازدياد المخاطر وتصاعد العدوان، تطورت البنية التنظيمية للحركة لمواجهة هذه التحدّيات نحو تشكيل أفواج المقاومة اللبنانية أمل، بعد أن إستشعر الإمام الصدر عمق المخاطر الصهيونية وضرورة وجود مقاومة إستباقية تقوم بواجب الدّفاع عن الأرض والتصدّي للعدوان في ظل العجز الرّسمي في تلك المرحلة الذي لا داعي لذكر أسبابه والغوص في خلفياته.

السؤال الذي يطرح ، ما هي الحوافز والدوافع للإنتساب إلى هذا التنظيم أو ذاك ؟ إذا كنّا نتحدث عن حركة أمل، فما هي عوامل الجذب للإنتماء إلى هذه الحركة والإنخراط في صفوفها ؟

    من خلال المبادىء والأسس التي إنطلقت منها الحركة، واستناداً إلى بنود ميثاقها في المسألة الأيديولوجية والعقائدية، ونهج قائدها الإمام موسى الصدر وبموازاة الواقع الحاضر في المعطى السياسي والإجتماعي والوطني نستطيع وبإيجاز أن نلخص هذه العوامل كما يلي :

أولاً : في المبدأ العقائدي :

تنطلق الحركة من قاعدة الإيمان بالله وملائكته وكتبهِ ورسلهِ واليوم الآخر، فالحركة تؤمن بالإسلام القرآني بمعناه الواسع، الإسلام كبداية وخاتمة للرّسالات السماوية.

يقول الإمام موسى الصدر” إنّ الدوافع الأساسية لهذه الحركة تحدّدت أبعادها بشكل دقيق، فالإيمان بالله سبحانه وتعالى هو الدافع الأول لهذه الحركة في مفهومه الصحيح لا ينفصل عن الإهتمام بشؤون المعذبين”.

كما قال ” إنّ الإيمان بالله والسعي لصيانته والإهتمام بكرامة الإنسان، هذه العوامل تدفعني إلى هذه الحركة”.

وقد ورد في البعد الأول من الميثاق: ” إنّ هذه الحركة تنطلق من الإيمان بالله، الإيمان بمعناه الحقيقي لا بمفهومه التجريدي، إنّ الإيمان بالإنسان هو البعد الأرضي للإيمان بالله”.

أن تكون حركياً يعني التهيؤ النفسي لعملية التعبئة والتنشئة العقائدية القائمة على المعنى الحقيقي للإيمان بالله، والذي يتجسّد إلى جانب القيام بالواجبات العبادية العمل على خدمة المجتمع، وقد عبرَ الإمام الصدر بقوله: ” خدمة الإنسان عبادة” . كما أنّ مفهوم الدّين عند الحركة هو نقيض الطائفية، فالإلتزام الدّيني لا يعني مطلقاً التعصب الطائفي، وقد عبر أمير المؤمنين (ع) ” الناس صنفان، إمّا أخٌ لك في الدين، أو نضير لك في الخلق” فالإلتزام علامة تُقى وورع  والإعتدال دليل محبّة وتسامح، بينما التعصّب آفة قاتلة هدّامة، تدمّر المجتمعات والأوطان.

وقد عبر الأخ الرئيس نبيه برّي عن ذلك بالقول: لعبة الطائفية تشبه الغول، فهي بالأخير تأكل أولادها” وكذلك فإنّ تحقيق الأهداف يتطلب وسائل شريفة، فالحركة ترفض مقولة الغاية تبرر الوسيلة، لتعارضها مع القيّم والأخلاق.

ثانياً : في الثوابت السياسية :

حيث أنّ الحركة بالرغم من نشأتها كحركة إجتماعية ( المحرومين) إلاّ أنّها ليست ظاهرة آنية مؤقتة أفرزتها ظروف إجتماعية معقّدة،  كما أنّها ليست حركة مطلبية ينتهي دورها عند تحقيق المطالب المطروحة، لا بل، يبقى النّضال والسعي نحو رفعة وتطوير شأن المجتمع اللبناني على قاعدة تظافر جهود القوى السياسية والحزبية الحيّة على الساحة للنّهوض بهذا الوطن، والحفاظ على أرضه وعلى حدود مجتمعه واختيار الوسائل الديمُقراطية لتغيير وتطوير النظام، لذا فإنّ المبادىء والثوابت السياسية التي تنطلق منها الحركة يمكن تلخيصها بالعناوين التالية :

 – العمل على إلغاء الطائفية السياسية التي يقوم عليها النظام السياسي اللبناني.

– السعي لبناء الدولة المدنية القائمة على مبدأ المواطنة الحاضنة للتنوّع، والمساوات أمام القانون مع إحترام التعدّدية
   الدّينية والثقافية لأفراد المجتمع بممارسة معتقداتهم وشعائرهم، مع مراعاة الخصوصية الدّينية للأفراد ضمن نظام  

   الأحوال الشخصية وليس في إطار التركيبة السّياسية للدولة.

 – السعي نحو تطبيق أللامركزية الإدارية التي تساهم في تحقيق الإنماء المتوازن وتخفيف الأعباء عن المواطنين وتسهيل  

   معاملاتهم الإدارية.

– إعتبار التعايش الإسلامي المسيحي كمصدر غنىٍ للبنان وأنّهُ ” ثروة يجب التمسك بها “.

– مواجهة أي نوع من أشكال التقسيم الجغرافي أو الديموغرافي في لبنان.

– على الصعيد الداخلي نعتبر أنّه لدينا خصوم نختلف معهم في السياسة وليسوا أعداء، إذ أنّ عدونا الأوحد هو إسرائيل.

– إرساء العدالة الإجتماعية بين أبناء المجتمع اللبناني على قاعدة المواطنة، وليس على أساس الإنتماء الطائفي أو

  المناطقي، تيمناً بقول الإمام الصدر موجهاً كلامه إلى أهل السلطة: ” إعدلوا قبل أن تبحثوا عن وطنكم في مقابرالتاريخ”.

– رفض التبعية لأية دولة، فالحركة تنطلق من مبدأ التعاون والتفاهم مع من تلتقي معهم في الرؤية الإستراتيجية والقضايا

   المصيرية، ويبقى قرارها مستمدّاً من دعم جماهيرها والتفافهم حولها، ومن قناعات قيادتها.

– العمل على تطوير النظام لجهة صحّة التمثيل النيابي، على اساس إعتماد لبنان دائرة إنتخابية واحدة على قاعدة

  النسبية، بما في ذلك تحقيقاً للإنصهار الوطني.

أمّا في مفهوم العمل السياسي، يعتبر الإمام الصدر” أنّ السياسة وسيلة وليست حرفة يعيش الإنسان عليها ويرتزق من خلالها”. يعني أنّها نوع من أنواع العمل الجهادي، والحركة تؤمن بتديين السياسة وأنسنتها، لا بتسييس الدّين واستغلاله.

ثالثاً : في البعد الإجتماعي :

إنطلاقاً من نشأتها كحركة المحرومين، فإنّ من أولى أهدافها، المطالبة بحقوق المحرومين والسعي لكي لا يبقى محروم واحد كما ورد في كلام الإمام الصدر خلال خطاب القسم في 17 آذار عام 1974 في مرجة رأس العين في بعلبك، فالسعي لتحقيق هذه الأهداف ينطلق من المفاهيم والشعارات التي يمكن أدراج أهمها كالتالي :

– الإيمان بالحرّية الكاملة للمواطن ( كما ورد في البعد الثالث من الميثاق) مع لحظ عدم إستغلال هذه الحرّية وتحوّلها

   إلى فوضى.      

– الإستفادة من تجارب الآخرين مع التمسك بالقيّم والإحتفاظ بالأصالة ( البعد الثالث من الميثاق)

– محاربة كافة أنواع الظلم من إستبداد وإقطاع وتسلّط، مستمدّةً نهج الثورة ضدّ الظلم من مدرسة الإمام الحسين(ع)

   وقد عبّرَ الإمام الصدر بالقول : ” أمل إرثها في ثورتك يا وارث الأنبياء” . وفي موقفه ضدّ الظلمة قال ” أمام الطغاة لا

   إنحناء، لا سكوت، لا إستسلام، لا مسايرة، بل إحتجاج صارخ ورفضٌ دائم”.

– الحركة ليست تنظيم النخبة، بل تحتضن جميع شرائح المجتمع .

– الحركة لا تصنف المواطنين ولا ترفض التعاون مع الأفراد أو الفئات الشريفة ( البعد السابع من الميثاق)  فهي ليست  

   تنظيم إلغائي يعتبر أن من ليس معنا فهو ضدّنا.

– تؤمن الحركة بالحوار سبيلاً لحلّ الخلافات الداخلية بين مكونات الوطن، إنطلاقاً من الآية القرآنية، مثل كلمة طيّبة   

   كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

وفي إطار هذه المفاهيم يقول الإمام موسى الصدر: ” إنّ المجتمع الذي يقترحهُ الإسلام هو المجتمع الذي يعترف بوجود الفرد بجميع جوانبه الشخصية والإجتماعية” .

رابعاً : في المعطى الوطني والقومي :

بما أنّ مفهوم الوطن مكوّن من شعب وأرض، لما لهذا الشعب من جذور تاريخية، ولهذه الأرض من تراث وحضارة، فإنّ الحركة تعتبر أنّ لبنان وطن نهائي لجميع أبنائهِ على اختلاف مشاربهم وإنتماءاتهم الطائفية والمذهبية والمناطقية، وأنّ التنوّع الطائفي في لبنان هو مصدر غنى له وليس مسبباً للخلاف والنّزاع، وفي هذا الإطار تؤكد الحركة على مجموعة من المفاهيم والرؤى لمعنى الوطن يمكن تلخيصها بالتالي :

– ” إنّ حركة المحرومين هي حركة وطنية تتمسك بالسّيادة الوطنية وسلامة أراضي الوطن وتحارب الإستعمار

   والإعتداءات والمطامع التي يتعرض لها لبنان” ( البعد الخامس من الميثاق)

– إنّ التمسك بالدّين لا يتناقض مع روح الوطنية، بل يتكامل معها.

– الحركة تضع الطائفة في خدمة الوطن وليس الوطن في خدمة الطائفة.

– إنّ الوطن هو أبعاد وجود الإنسان وأساس كرامته ومجال رسالته، يجب حمايته بالأرواحِ والدماء حتى مع عدم  

   وجود التكافؤ في القوى.

ويقول الإمام الصدر في هذا المجال : ” لقد أنشأنا أمل لتذود عن كرامتنا وحياة أبنائنا وحدود وطننا ” ويضيف:” إذا إلتقيتم العدو الصهيوني فقاتلوه بأسنانكم وأظافركم وبسلاحكم مهما كان وضيعاً “. ” إذا إحتلّ العدو أرضي، سأخلع ردائي وأصبح فدائي”. أي أنّ المبدأ هو مواجهة العدو ومقاومته بغضّ النظر عن ميزان القوى بيننا وبينه.

ويقول الأخ الرئيس نبيه برّي في هذا المجال: ” نحن إمتداد للإرادة اللبنانية التي لا تعرف حدوداً مكانية ولا طائفية ولا مذهبية”. ” والأوطان ليست أثواباً تُلبس، الأوطان دماء تجري في العروق” .

وفي البعد القومي تعتبر الحركة أنّ لبنان بلد عربي الهوية والإنتماء، ويقول الإمام الصدر في معرض حديثه عن العلاقة بين الوطنية والقومية:” إنّ الشعور بالوطن اللبناني لا يتنافى إطلاقاً مع الشعور بالقومية، وأنّ محنة لبنان هي في محاولات عزله المستمرّة عن العالم العربي الذي هو إمتداده القومي”. وتعتبر الحركة إنّ قضية فلسطين هي قضيتها وفي قلب الحركة وعقلها وضميرها، وأنّ تحرير القدس هو من أولى واجباتها، وأنّ الوقوف إلى جانب شعب فلسطين وصيانة مقاومته والتلاحم معها هو شرف الحركة وإيمانها. ( البعد السادس من الميثاق)

يقول الإمام الصدر: ” أنّ القدسُ هي قبلتنا وملتقى قيمنا وتجسيد وحدتنا ومعراج رسالتنا “. أنّ شرف القدسُ يأبى أن يتحرّر إلاّ على أيدي المؤمنين.

وفي المجال الأوسع تعتبر الحركة أنّ أي إستهداف لأي بلد أو شعب عربي من قبل إسرائيل وأعوانها، هو إستهداف لأبناء الأمّة جميعاً يقتضي الوقوف إلى جانبهم والتضامن معهم، في إطار معركة المصير المشترك .

وقد عبرَ الأخ الرئيس نبيه برّي عن ذلك بالقول : ” العروبة بالنسبة إلى حركة أمل هي تحمل الجميع لأعباء المواجهة مع العدو الإسرائيلي وتحقيق الإستراتيجية العربية للدّفاع عن لبنان وفلسطين ” .

والحركة تناصر حركات التحرّر في العالم وتعتبر نفسها جزءاً منها.

يقول الأخ الرئيس: ” وهكذا فإنّ الحركة هي جزء من موكب الإنسانية الساعية إلى التحرّر من كافة الضغوط ، تؤيد كلّ تجمع عالمي في هذا الإتجاه ” .

في الخلاصة وكما عبر عنها الإمام الصدر بقوله : ” إنّ هذه الحركة تسلك الطريق المستقيم عقائدياً وسياسياً وأخلاقياً ومسلكياً، وهي حركة ” بسيطة سهلة ممتنعة “.

تعتبر المسؤولية فيها تكليف وليس تشريف، أي باباً من أبواب الجهاد لا سبيلاً إلى الجاه أو الوجاهة، والعضو فيها كالشمعة التي تذيب نفسها لتنير درب الآخرين، وتختصر عبارة ” خطّنا واضح يبدأ بالتضحيات وينتهي بالشهادة “.

طبيعة كيان هذه الحركة والتوصيف الدقيق للأخ الرئيس نبيه برّي لمعدن وجوهر الحركة حيث قال : حركة أمل نهر ٌوهذا النهر هو الذي يشرب منهُ الناس ويسبحون فيه، هذا النهر يحمل النفائس ولكن أيضاً يحمل الأتربة والأغصان، يوجد فيه من أعظم الجواهر إلى أصغر الحصى، ولكن ماؤهُ تبقى دائماً طاهرة وصالحة للوضوء.