الشّهادة ونهوض الأمّة، هي ذروة العطاء الإنساني من مفهوم الإمامين الصدر وشمس الدين.

Hits: 83

بقلم محمّد أحمد الزّين .

الإمام السيّد موسى الصدر قال : الموت نهاية طبيعية لكل حيّ، ولكن الشّهادة في سبيل الله ليست نهاية لكل حياة، من هنا إستند الإمام إلى ما ورد في الآية الكريمة* ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياءٌ عند ربّهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم *

 ويتابع الإمام الصدر، إنّ سلوكنا الحسيني يفرض علينا الدفاع عن إسلامنا وكرامتنا ومقدساتنا وحمل مسؤولية شعبنا أمام الأخطار المحدقة بهم.

الإمام الشّيخ محمّد مهدي شمس الدين (قده) قال : تمثل الشّهادة في تاريخ نموّ الشخصية الإنسانية إحدى المعالم الكبرى في مسيرة هذا النموّ نحو الإكتمال، كالحب والوفاء والإيثار، وما إليها من أخلاق تتجاوز بالإنسان ذاته نحو محيط الإنسانية الأوسع.

بل، أنّ الشهادة تمثل في رأينا ذروة هذه المعالم، وأقصى ما يمكن أن يصل إليه إنسان في نموّه الروحي وتكامله الإنساني، لأنّها تعني هبة كل شيء شخصي، وكل متعة ذاتية للأخرين ومن أجلهم، مع من يصاحبها في الغالب من عذاب جسدي، بينما أخلاق الحبّ والوفاء والإيثار يمكن للإنسان أن يحتفظ معها بجانب كبير من ذاتياته ومصالحه الشخصية.

فالشهادة لا تتاح لكل إنسان،لأنّ تحقيقها يتوقف على توفر شروط موضوعية لا يكون الموت شهادة بدونها، فالشّهادة في مدلولها القضائي، هي إظهار الحقيقة لأجل إثباتها في صراع وخصومة بين شخصين أو جماعتين يختلفان ويتنازعان على حقّ من الحقوق يدّعيه كل واحد منهما لنفسه، فيأتي الشاهد ليظهر حقيقة الموقف.

أمّا الشّهادة في مدلولها الإيماني الحضاري الإجتماعي في الصراع بين الحق والباطل، وبين العدل والطغيان، فإنّها تحتوي المفهوم السابق للشّهادة وتزيد عليه وتتجاوزه، فمفهوم الشّهادة هذا لا يمكن أن يحملهُ أيّ إنسان، وإنما يمكن أن يبلغهُ فريق خاص من الناس.

يقول الإمام شمس الدين. ومن الناس من يشارك الآخرين في حياته، لا من منطلق ذاته ومصلحته، وإنما من منطلق مصالح الآخرين وهمومهم، أي أنّه يتجاوز ذاته نحو الآخرين.

في عهد الرسول (ص) كانت روح الشّهادة بين أصحابه شائعة كالهواء والنور، فحقق الإسلام والمسلمون إنتصارات كبرى تجاوزت كل القوانين العادية للتاريخ، لأنّ عاملاً نوعياً هو عامل الشّهادة، غيّرت معطيات عادية لحركة التاريخ، واستمرّت هذه الإندفاعة بفضل هذه الروح التي حققت للإسلام في عهد الخلفاء الأولين إنتشاره الأعظم .

أمّا في عهد الإمام الحسين (ع) ومع انتشار الإسلام لثقافته ونموُ مجتمعه، فقد كانت روح الشّهادة ضئيلة تشبه النجوم في ظلمات الليل، بحيث لم يستطع كلًّ الظلم الأموي، ولا كلَّ التحدّي الحسيني العلوي الإسلامي،  أن يولّد إلاّ عدداً محدوداً من الشُّهداء تمثّل نُخبهم شهداء كربلاء المجيدة، وهم الذين رووا بدمائهم أرض الطفّ .

يقول الإمام الصدر، الدفاع عن الإسلام عن الوطن عن حرّية الإنسان وكرامته ومقدساتهم، والموت في سبيلهم هو شهادة في سبيل لله، بل هو دفاع عن الله.

انظروا روعة فلسفة الثورة الكربلائية المجيدة ومعانيها المتجددة وأهدافها الكبرى والإستشهاد في سبيل الله من أجل كرامة الإنسان، فقد اقتضى بالإمام الحسين (ع) وهو يدرك حقيقة واقع الأمّة الإسلامية المتخاذلة والمُستسلمة لبني أُميّة، أن يقوم بثورته العظيمة حتى ولو أدّى ذلك إلى قتله وقتل عياله وأصحابه (ع) ليبعث ويفجّر في الأمّة الإسلامية طاقة روح الشّهادة من جديد، لتغدوا كالنور في الهواء، كما كانت في عهد جدّه رسول الله محمّد (ص) ولتستأنف الأمّة الإسلامية روح جهادها وتضحياتها من أجل أهدافها الكبرى في طريق العدالة والكرامة الإنسانية وثباتها، وبهذا يكون ممن إرتفع شهيداً في يوم كربلاء الثورة، إرتفعت راية الإسلام مجدداً تحلّق في فضاء الكون كلّه، فلولا تلك الدّماء الطاهرة والأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة والأجساد العارية والمقطعة الرؤوس والأوصال والأوداج، وسبّي النساء من كربلاء إلى الشام، وإظهار أحقّية المظلوم على الظالم، في تزوير وخفي الحقائق الرسالية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لما بقي من الإسلام أي أثر .

ومن هذا المنطلق يمثل الإمام الحسين (ع) وانصاره شُهداء كربلاء أعلى ذروة نوعيّة في سجّل الشّهادة والشُّهداء في تاريخ الإسلام والأمّة الإسلامية كلّها، لأنّهم صمموا على نيل الشّهادة التي رزقهم الله إياها في حالة من الهزيمة للأمّة، أمام قوى الشرّ والطغيان والفساد،

وهذا ما يميّزهم عن شهداء العهد النبوي الذين صمموا على نيل الشّهادة التي رزقهم الله إياها، في حالة من إندفاع الأمّة نحو مواجهة قوى الطغيان وفي حالة كانت الشّهادة في حياة الأمّة كالنور في الهواء .

فإنّ كِـبر الروح تقاس وتُّعرّف في طريق الذروة والعطاء في الإستشهاد، فهذا الإستشهاد النوعي يمثل كِبر الروح وقدسيّتها عن بقيّة الأرواح التي تسعى ولكنها لن تنال الشّهادة، فالروح الكبيرة تعني الروح التي تسعى إلى الآمال الكبيرة في سبيل أهداف سامية إنسانية كبيرة، والأفكار الكبيرة والأمنيات الكبيرة وبالتالي هي صاحبة إرادة كبيرة لملاقاة مرضاة الله سبحانه وتعالى.

 فما أسعد ذلك الجسم والبدن والروح المجتمع بشخص الإمام الحسين (ع) روحي له الفداء الذي خُلق توأماً مع روح جدّه المصطفى (ص) وأبيه علي المرتضى وأخيه الحسن المجتبى(ع) فإنّه سينال بذلك ما ناله مخلوق في رضى الله سبحانه وتعالى، وسيبقى الإمام الحسين (ع) وأنصاره معلّمين كباراً  ورُوّاداً في عملية التغيير والإصلاح والممثلة بالنّبي الكريم وأهل بيته الطيبين الأطهار(ع) روادها في كل عصرٍ ولكل جيل ما بقيت الأرض والسماء .

محمّد أحمد الزّين
About محمّد أحمد الزّين 177 Articles
محمّد أحمد الزّين لبناني الجذور الهوية والإنتماء، ناشط إجتماعي وسياسي، كاتب ومحلل سياسي، يؤمن بعروبة لبنان وبأنّه وطن نهائي لجميع أبنائه، الطوائف فيه نعمة والطائفية خطر عليه، وبثلاثية الجيش والشعب والمقاومة لحماية لبنان، يؤمن بعدالة الإنسان التي من أجله كانت الأديان.

قم بكتابة اول تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في العلن.


*