صفحات مجهولة من حرب تموز 2006 كما يكشفها دولة الرئيس الأخ نبيه برّي ويرويها الوزيرعلي حسن خليل .

Hits: 175

جريدة السفيـر اللبنانية تنشـر صفحات مجهولة مـن حـرب تمـوز عمليـة الأســر:

غضِــب فؤاد السنيــورة وتهديد بيـدرســن.

تعددت القراءات لحرب تموز 2006، وتباينت التوصيفات لأدوار الذين واكبوا تلك المرحلة المفصلية، خصوصا على مستوى المسرح اللبناني، وجاء تسريب وثائق وزارة الخارجية الاميركية عبر موقع «ويكيليكس» ليعيد فتح «جبهات الحرب» ويطلق سجالا داخليا محموما، جرى خلاله توظيف تلك الوثائق في معارك سياسية، بدا انها تهدف الى تصفية الحسابات وتسجيل النقاط في لعبة محلية ضيقة، على حساب القراءة الموضوعية والمتكاملة لتلك الحقبة.

وما زاد في غموض الصورة، وربما تشويهها، أن محاضر «ويكيليكس» المتصلة بالحرب عكست بشكل اساسي رواية السفير الاميركي السابق في بيروت جيفري فيلتمان للأحداث وطبيعة فهمه لها، فيما غابت خلال السنوات الماضية الرواية اللبنانية الموثقة التي تستطيع ان تضيء على محطة تموز 2006 من زوايا جديدة.

الآن، قرر الرئيس نبيه بري ان يتخلى عن صمته وان يُفرج عما يعرفه من أسرار مرحلة حرب تموز، وهو الذي واكب كل تفاصيلها وكواليسها، وكان شريكا أساسيا لحزب الله في حلوها ومرّها، على قاعدة توزيع الأدوار بينه وبين السيد حسن نصر الله الذي بعث إليه برسالة في الأيام الأولى للحرب يبلغه فيها انه سيتفرغ للمواجهة الميدانية وقد لا يتمكن من التواصل معه باستمرار، مؤكدا له انه يثق في قدرته على الإمساك بزمام الإدارة السياسية للمواجهة.

وبدءا من اليوم، تبدأ «السفير» بنشر وقائع صفحات مجهولة من حرب تموز، دوّنها المعاون السياسي للرئيس نبيه بري الوزير علي حسن خليل الذي كان يتحرك في مختلف الاتجاهات بتكليف من بري، ما أتاح له ان يكون شاهدا على خفايا الكثير من الأحداث واللقاءات التي ستتكشف فصولها تباعا من خلال هذه السلسلة من الحلقات.

في الحلقة الأولى، وفي إطار التوطئة للخوض في مجريات عدوان تموز، يسرد خليل وقائع من اللقاء الذي عقد بين بري ونصر الله في عين التنية في 28 نيسان 2000عشية التحرير، وكيف تقاطعت توقعات الرجلين حول قرب حصول الانسحاب الاسرائيلي، والخشية من ألا يتحمل بعض العرب والمسلمين واللبنانيين هذا النصر.

كما يعرض خليل بعض ما جرى في إحدى جلسات الحوار في 14 آذار 2006، متوقفا عند «نبوءة» سمير جعجع الذي توقع حصول حرب إسرائيلية قريبة ورد نصر الله الذي أكد الالتزام بتحرير الاسرى وما تبقى من أرض محتلة، فيما كان لافتا للانتباه في تلك الجلسة قول النائب سعد الحريري ان السوريين لم يكونوا مسرورين من الانسحاب الاسرائيلي عام 2000، واصفا مزارع شبعا بأنها «اختراع».

ويسرد خليل تفاصيل لقائه مع الرئيس فؤاد السنيورة بعد اسر الجنديين الاسرائيليين، وكيف كان السنيورة متوترا ومنفعلا، متهما نصر الله بأنه خدعه. ويتطرق الى وقائع لقاء جرى بين بري وممثل الامين العام للأمم المتحدة آنذاك غير بيدرسن الذي اعتبر أن على حزب الله أن يسلّم سلاحه فوراً منبّها الى أنه اذا لم يتم اطلاق الأسرى الاسرائيليين سيطلق العنان لاسرائيل للتصرف كما تريد ومشيرا الى أنه اتصل بالقيادات اللبنانية ومن بينها الجنرال ميشال عون محذرا من الوقوف الى جانب «حزب الله».

تبقى الإشارة الى أن «السفير» ستنشر تباعا «الصفحات المجهولة» من حرب تموز كل اثنين وأربعاء وسبت.

——————————

السنيورة للخليلين: «السيد» خدعنا.. ويجب تسليم الأسيرين الإسرائيليين للدولة وإلا فالبلد سيخرب بيدرسن لرئيس المجلس: على «حزب الله» تسليم سلاحه فوراً.. وإذا لم تطلقوا الأسيرين فسيطلق العنان لإسرائيل

—————————-

الحلقة الأولى :

لا يضيع حق وراءه محاضر, وللأيام الصعبة دفاترها التي دونت ربيع المواقف السياسية وخريفها تحت سقف فصلٍ واحد وبحبرٍ لم يكن سرياً بل جمّد سيلان أزرقه حتى لا ينزف الأحمر.

لكن عندما يرتطم التاريخ بحواجز الحبر السري المزوّر يصبح لزاماً على المحاضر أن تنفذ عملية تسلل من الابواب الشرعية وأن تعلن فك أسرها وأن يُسمع صريرها العابر للوثائق التي تجرها عرباتٌ من الزيف الموشح بأضغاث الاحلام.

هي سنواتٌ صنعها رجالٌ.. كان وردها مطوقا بالذبول وصحوتها محاصرة بكبوة.. وصمودها يواجه ترسانة العالم ومدن القرار. فكيف يضربنا الجنون على حين وثيقة.. وكيف نسرق التاريخ وهو ما زال ينفذ فعلاً حاضراً برجاله وشواهده وأوراقه التي لم يمسها الأصفر بعد.

فالزمن لم يتوارَ خلف الكتب.. ما زال ناضراً ويسرد حكاية تموز بشوق النعاس الى النوم.. وهو يبدي استعداداً لاسترجاع الحكاية من أولها أو منتصفها حتى لا نصاب بداء الملل.. أي مذ أن قررت أسرائيل إقفال آخر بوابة في الجنوب عازمة على الرحيل.

لكل عبق التاريخ دونّا الماضي القريب, كان القلم يسابق الألم الذي نسمعه في حواضر بيتنا, بعضه موجعٌ أبى الحبر تكراره.. وبعضه الآخر كان يجري رسماً تشبيهياً لصورة اليوم باصطفافاتها ومواقفها وحدودها العربية والدولية والمحلية.

في ليلٍ من نيسان، وقبل التحرير بشهر واحد عام 2000 تحسس الرئيس نبيه بري طالع الأيام المقبلة, ويداً بكتف مع السيد حسن نصر الله قال كلاماً يتجاوز الزهو بهزيمة إسرائيل لأن عالماً عربياً إسلامياً سيضيق على نصرٍ يصنعه رجالٌ من جبل عامل.

وكمن يقرأ في فنجان المستقبل السياسي ويرصد الحصار الآتي لبنانياً وعربياً شعر بري بأن العرب وبعض اللبنانيين سيتبعون سياسة تقليم الأظافر ولن تتسع صدورهم لقرقعة النصر القادم من الجنوب.

لم يضرب الرجل بالرمل ولا هو خبير في المندل السياسي أو مستحضر لملوك الجان بل كان «يهجي» الأحرف الأولى للمواقف التي ستصبح بعد حين مقروءة بالخط العريض.

بعد ست سنوات، وإثر المداخلات التي أجراها كل من رئيس الوزراء آنذاك فؤاد السنيورة ورئيس كتلة المستقبل سعد الحريري ورئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع في جلستي الحوار بتاريخ 14 آذار و8 حزيران 2006 جاء من يذكر الرئيس نبيه بري من قياديي حركة أمل وحزب الله بواقعة تلك الليلة بالقول «كان معك كل الحق» في أن تقلق من هزيمتنا لإسرائيل في أيار من العام 2000، قبل أن يختلط القلق بالشك لدى مجموعة الحلقة الضيقة في الحزب والحركة ممن تابعوا مجريات التفاوض واقتراحات الرئيس السنيورة وفريقه خلال ثلاثة وثلاثين يوماً من العدوان الاسرائيلي في تموز وآب 2006.

لقاء الثامن والعشرين من نيسان عام 2000 بين الرئيس نبيه بري والسيد حسن نصرالله، كان تحضيراً لمرحلة الخروج الاسرائيلي من الشريط الحدودي المحتل وما بعدها. وككل لقاء بينهما، فقد تولى ترتيبات التواصل المعاونان السياسيان لكل منهما. الثامنة والنصف يصعد رئيس الحرس الخاص بالرئيس بري الى الطبقة الثالثة حيث كنت مع الرئيس بري نتناقش أموراً حزبية بعدما كانت هيئة الرئاسة في حركة أمل قد اتخذت قراراً أسندت بموجبه مسؤولية إقليم منطقة الشريط الحدودي إلي.

يتأكد من إسدال الستائر في الصالون الكائن في تلك الطبقة في مواجهة للبحر. إنه إجراء احترازي يسبق اللقاء.

من الموقف المخصص للسيارات في قصر الرئاسة الثانية، اصطحبت ورئيس الحرس الخاص، السيد نصرالله الذي نزل من سيارته وكان برفقته الحاج حسين الخليل والسيد ابراهيم أمين السيد. بعد سلام وعناق مع الرئيس بري عند مدخل الصالون، ممازحة من السيد ابراهيم أمين السيد قبل خوض نقاش طويل.

بدأ اللقاء بتقييم مرحلة ما بعد اللقاء السابق والأحداث التي جرت بين اللقاءين، ثم انتقل الحديث الى اقتراب لحظة انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي الجنوبية المحتلة، وانتصار خيار المقاومة الذي جاء محصلة تراكم تضحيات على مدى سنوات الاحتلال حتى أخر يوم من زواله. بلهجة الواثق تحدث الرئيس بري قائلاً «أن تحليله وكذلك بعض المعطيات تؤكد أن إسرائيل لم تعد تحتمل خسائرها في الجنوب، وأن خروجها سيكون قبل نهاية شهر أيار»، وبدا حاسماً ومقتنعاً، وقد وافقه التوقع السيد نصرالله مؤكداً تلك المعطيات وقال نصرالله «إن إسرائيل ستخرج حتماً ولكن علينا أن نقدر أن يطول الوقت قليلاً إذ أنها قد تحتاج الى ترتيبات في ما يتعلق بعملائها»، غير ان الرئيس بري رأى أن اسرائيل لن تهتم بترتيبات «لعملاء لا قيمة لهم عندها»، مشدداً على ضرورة الاستعداد والجهوزية قبل نهاية أيار.

وجوب حماية المدنيين وخصوصاً المسيحيين بعد التحرير، أخذ حيزاً من النقاش نظرا لحرص الرجلين على ألاّ يتعرض أي من هؤلاء المواطنين وغيرهم لأي أذى، قبل أن يقف بري داعياً نصرالله الى العشاء.

العشاءات المتكررة بين بري ونصرالله كسرت عادة كان التزم بها الأمين العام لحزب الله منذ سنوات طويلة، وهي رفضه لأكلة «الفراكة» الجنوبية، وكان يقول إن والدته كانت تتمنى عليه أكلها وكان يعتذر في كل مرة، لكن أمام الحاح الرئيس (بري) وإغرائه بنوعية تحضيرها فهو يسلم بأكلها على طريقة أهل القرى الحدودية بحيث يغلب البرغل على اللحم، وتشكل إضافة المردكوش كما يردد، «ضامناً من أي تأثير سلبي للحم النيء». (لقد أصبحت الفراكة بالمردكوش الضامن حاضراً أساسياً على سفرة طعام الرجلين سواء في عين التينة أو حارة حريك).

وهما ينتقلان ومن كان مشاركاً في اللقاء، من الصالون الى غرفة الطعام، يضع الرئيس بري يده على كتف السيد نصرالله ويقول: «يا سيد إسرائيل ُهزمت لكن علينا ألاّ نفرح كثيراً أننا سددنا هزيمة لها ونغرق في نشوة الانتصار، هذا أمر أكبر من أن يتحمله العرب، والمسلمون، وربما بعض اللبنانيين، أنا لست قلقاً، لكني أشعر أن المسؤولية ستصبح أكبر بكثير». تعليق السيد جاء بابتسامة هادئة ومعبرة جداً حملت أكثر من تأكيد ومعنى.

بين تاريخ هذا اللقاء، وبين 12 تموز 2006 يتوقف الرئيس بري ومن واكب معه يوميات العدوان الإسرائيلي على لبنان حتى الرابع عشر من آب، عند دقة ما جرى في مرحلة ما بعد زلزال استشهاد الرئيس رفيق الحريري، والحوار الوطني الذي انعقد، والمداخلات والنقاشات التي دارت على مدى جلساته في مجلس النواب.

نبوءة جعجع بالحرب القادمة

في جلسة الحوار يوم 14 أذار 2006 الصباحية وكان النقاش حول مزارع شبعا وتثبيت لبنانيتها، وبلغة الواثق تحدث رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع، بعدما هز بداية برأسه رافعاً بين يديه بعض الأوراق، ليقول: «يا اخوان، (ثم يعيد هز رأسه ويدفعه الى الأمام هذه المرة) إنها صيغة يجب أن تؤخذ في الاعتبار، أقترح أن نقارب الموضوع من زاوية مختلفة، وأن ندخل الى بنود أخرى»، وبدأ بتلاوة بعض مقاطع من اتفاقية الهدنة مع إسرائيل متحفظاً على بعض المضمون. وأضاف «إن وقف الخروقات لا يتم إلاّ باتصالات دولية. لا اعتقد أننا نقوم بتوازن عسكري مع إسرائيل، الحل باتفاقية هدنة جديدة، مدعمة بتواجد دولي كثيف، أن نفرض 15 ألف جندي دولي لمدة 25 أو 50 سنة ليبقى لبنان محصناً، وإلاّ سنبقى في حالة حرب مفتوحة مع إسرائيل والغرب، والوضع يغلي، ومع وجود قوات دولية نبعد الدب عن كرمنا لأن الحرب قادمة». وما أن انتهى جعجع من اقتراحه حتى قال رئيس كتلة المستقبل سعد الحريري «إني أتفهم هذا العرض».

وفي جلسة 8 حزيران 2006 وردا على مطالعة السيد حسن نصرالله حول الاستراتيجية الدفاعية يقول جعجع: «نقطة الارتكاز عند السيد حسن أن السلاح بيد حزب الله يشكل نوعاً من توازن الرعب، ويردع إسرائيل، وهذا افتراض غير واقعي. لم يعد سراً الحديث عن ضربة إسرائيلية قريبة، النقاش في الأوساط العسكرية الاسرائيلية هو هل نضرب على البارد أم ننتظر حدثاً ما؟ اعتقد أن العملية أصبحت بالجيبة حتى ولو كان معلوماً أنهم سيدفعون ثمناً ما. الحل يكون بطلب قوات دولية، 25 ألف جندي معززين بتغطية جوية، وهذه القوات «ليست أبو ملحم», ففي كوسوفو، الصرب لا يستطيعون العودة. قوات دولية لديها أوامر بمهمات قتالية على الجهتين، وتعطى طائرات وزوارق، لنستفيد من الفرصة والبدل المعنوي للسلاح، حتى لا يحصل هذا نتيجة حرب

«السيد» يرد على جعجع

الامين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله قال في مداخلته ردا على سمير جعجع: «(…) القول أن سلاح المقاومة غير رادع لاسرائيل وغير فعّال، كلام غير دقيق، للتوضيح لدينا طريقة في الأداء طريقة تقول اننا لا نقبل أن يحدد العدو توقيت المعركة، المهم كيف ُنشعر العدو أن كلفة أي مغامرة عسكرية هي كلفة عالية جداً عليه، لقد كرس تفاهم نيسان وكذلك تفاهم تموز أهمية الصواريخ في حماية القرى والبنى التحتية لأنها أصبحت تهدد مستعمرات العدو». وتابع شارحاً «إن حزب الله لا يريد حرباً شاملة وإقليمية… وأنا لا أقول المقاومة وحدها تحمي، بل مع الجيش اللبناني..» يتدخل الرئيس بري: «هنا أود القول، إني مصر على أن يكون الجيش موجوداً والمقاومة الى جانبه، لكل دوره ومساحته في المعركة، لم ولن يطرح يوماً أن يكون تناقض بينهما، المواجهة تحتاج الى طاقات الجميع».

يتابع السيد نصرالله: «الاسرائيلي يراهن على الفصل بين الجيش والدولة والناس من جهة، والمقاومة من جهة ثانية، وأنا مع الرئيس بري أقول كلنا يجب أن نكون في جهة واحدة. أما تجربة الحماية بالقوات الدولية، فإن كوسوفو وضعت تحت إدارة الأمم المتحدة، ولبنان لن يوضع بالمثل، وأيضاً هل ستوضع إسرائيل تحت الفصل السابع؟ هذا مستحيل».

مجدداً يتدخل الرئيس بري: «أذكركم، لقد حصل قصف لمقر الأمم المتحدة في قانا، وسقط 102 شهداء، وصدر قرار عن الأمم المتحدة بإلزام تغطية تكاليف هدم المقر، مليون دولار فقط ولم تدفع إسرائيل، لا فصل سادس ولا فصل سابع يردعها، المشكلة مع الغرب وأميركا هي أن إسرائيل استثناء لا تطبق عليه القرارات، والاستثناء الممكن لمعالجة هذا الوضع يكون في المقاومة. فكل القضية سلاح المقاومة، السلاح هو لأجل استكمال التحرير ولحماية لبنان، ويجب ألاّ نخاف منه، هو موضع اهتمام الغرب نعم، لأن كل ما يزعج إسرائيل يهم الغرب، فلتتفضل الأمم المتحدة وتضغط لانسحاب اسرائيل من شبعا وتسلّم كل الأسرى وعندها نبحث».

الحريري: سوريا ارتبكت بعد الانسحاب الاسرائيلي

هنا، يبادر رئيس الحكومة فؤاد السنيورة للقول: «لنعد الى الأصل، اللبنانيون يريدون اتفاقاً واضحاً حول السلاح، يريدون أن يعرفوا إذا تحررت مزارع شبعا ما هو المصير»؟.

يأخذ رئيس كتلة المستقبل سعد الحريري الكلام أيضا: «عندما انسحبت اسرائيل سنة 2000، السوريون ارتبكوا ولم يكونوا مبسوطين، واختُرعت مزارع شبعا، علينا مسؤوليات أن لا نستخف بالناس حتى لا يستخفوا فينا».

يرد الرئيس بري على الحريري: «ما ضبطت معك، كأنك لم تسمع شرحي عن المزارع والملكيات». (كان الرئيس بري قد استفاض في الشرح عنها).

السيد نصرالله: «بصراحة لا مصلحة لأحد في طرح سلاح المقاومة كمشكلة، وأنا أعتبر من مسؤوليتي وواجبي الوطنيين أن أستمر في عملي حتى تحرير كل الأرض والأسرى وتأمين الحماية للبنان».

الرئيس بري: «حتى على الموت لا نخلو من الحسد».

مجريات يوم 12 تموز 2006 السياسية

في التاسعة صباحاً، وفي الطريق الى المجلس حيث تعقد جلسة للجان النيابية المشتركة بحضور الوزير السابق الفضل شلق حول مشاريع تخص مجلس الانماء والاعمار، تلقيت، وكان قد انتشر خبر عملية أسر الجنديين الاسرائيليين، اتصالاً من الرئيس بري يطلب فيه أن أتوجه الى السرايا الحكومي للتحدث الى الرئيس فؤاد السنيورة حول الموقف اللبناني، بعدما كان بري تحادث مع السنيورة هاتفياً بهذا الشأن وسمع كلاماً لا يمكن مناقشته عبر الهاتف، وفيه تحميل لحزب الله مسؤولية ما سيحدث.

توجهت الى السرايا الكبير.. انتظرت لدقائق في المنزل الملحق بمكتب السنيورة الذي لم يكن يتواجد فيه أحد. كانت فرصة للاطلاع عبر الهاتف على الوضع الميداني في الجنوب حيث كانت رقعة القصف المدفعي تتوسع. يدخل السنيورة الى حيث كنت أنتظره فيما يخرج الحاج حسين الخليل من مكتب السنيورة دون أن يرى من سيلتقي الأخير من بعده. بدا السنيورة متوتراً ومنفعلاً تتبعثر بين يديه الأوراق التي يحملها قبل أن تقع منه، يتوجه اليّ بالقول «إن لبنان لا يحتمل ما حصل، نحن لسنا في الأجواء، وبالتالي لن أتحمل المسؤولية. سأكون واضحاً، نحن لسنا على علم بما حصل (عملية خطف الجنديين الاسرائيليين) وبالتالي لسنا مسؤولين. ما حصل أمر خطير ونحن نعطي ذرائع لإسرائيل، أنا سأطلب تسليم الجنديين الاسرائيليين الى الدولة، وإلاّ فإن الأمور ستأخذ بعداً خطيراً. البلد سيخرب والحزب مسؤول والكل يجب أن يضغط».

أجبت السنيورة: «نحن أمام تحدٍ والكل مسؤول، أما أنك لم تعلم بالعملية فهذا أمر طبيعي، ونحن أيضاً لم نعلم، وأعتقد أن كثيرين في قيادة حزب الله لم يعلموا، لأن هذا من طبيعة عمل المقاومة».

السنيورة: «السيد (نصرالله) قال على طاولة الحوار إنه لن يقدم على شيء، إننا خدعنا».

بادرت الى الرد عليه قائلا:«ما أذكره أن السيد قال إنه ملتزم بالعمل على تحرير الأسرى.. والعملية هي جزء من خيارات تحريرهم».

السنيورة: «أنا لا أخرب بلد كرمالهم».

قلت له: «رأي الرئيس بري أن تدرس الخيارات بهدوء لأن أي كلام فيه إدانة لما حصل لن يفيد إلاّ اسرائيل التي ستلعب على تناقضاتنا، وآمل ألاّ يصدر أي موقف. أما بالنسبة لكيفية متابعة مسألة الأسرى، اترك الأمر مفتوح على المعالجة، ولا تضع نفسك في مواجهة داخلية، وبالتالي ولا نريد أن تضعك في مواجهة خارجية».

السنيورة: «لقد تلقيت اتصالات وأجريت بعضها، والجميع يحملنا المسؤولية عن التصعيد، بلغريني(قائد «اليونيفيل») قال لي إن الأمر فيه خرق للخط الأزرق. لقد أبلغت الحاج حسين الخليل للتو هذا الكلام، وأريد منكم أن تعلنوا هذا الموقف».

ثم انتقل الحديث عن كلفة المواجهة وصعوبة تحملها، وأن الأمور لا يمكن أن تقاس من زاوية واحدة، فقال السنيورة: «أنا أبلغت الخليل (حسين) أن عليهم أن يعلنوا أنهم يضعون الأسرى عندي كي أستطيع أن أبادر الى حل المشكلة فوراً بواسطة الاتصالات السياسية والدبلوماسية».

ميشال سليمان بدا متماسكا للغاية

عدت الى عين التينة، وكان دعي لاجتماع وزاري عقد في السراي تمحور خلاله النقاش في السياق نفسه الذي جرى بيني وبين السنيورة، وتم التشديد على ضرورة أن يتحمل الحزب مسؤولياته، ويتخذ موقفاً يتراجع فيه عن عملية الأسر.

في عين التينة، كانت الأخبار تتوالى، بدأت أجواء الحرب تتضح، وكذلك الاستعدادات الميدانية، الرئيس بري يعطي تعليماته لإقليم الجنوب أن يكون الجميع متأهبا ومتنبها.. يسأل عن الاستعدادات لعمليات الإغاثة، متوقفاً عند قصف جسر القاسمية. يتبلغ من الوزيرين محمد جواد خليفة وطلال الساحلي عن اجتماع سيعقد لمجلس الوزراء في الخامسة عصراً في المقر المؤقت قرب المسجد العمري في وسط بيروت، يعطي توجيهاته بالحرص على مسألتين: عدم الوصول الى انقسام يؤدي الى تعطيل الحكومة، والتركيز على الاعتداءات الاسرائيلية وعدم صدور أي إدانة أو موقف ضد عملية المقاومة.

وفي الوقت نفسه، أجرى الرئيس بري اتصالاً بقائد الجيش العماد ميشال سليمان الذي بدا متماسكاً للغاية، شدد خلاله بري على وجوب أن يتحمل الجيش اللبناني مسؤولياته.

وتلقى الرئيس بري اتصالا من الصين من النائب سعد الحريري الذي كان في زيارة هناك. حاول الحريري أن يعكس انطباعاً عن تأثره لما يحصل، لكنه في الوقت نفسه تحدث بالروحية السائدة لدى السنيورة المستنكرة لتوقيت العملية.

كان الرئيس بري على موعد مع غير بيدرسن الممثل الخاص بالأمين العام للأمم المتحدة في لبنان، وكان موقفه سلبيا جداً، ملمحاً للرئيس بري كي يحيّد نفسه عن هذه المواجهة، وقال: «نحن ندين عملية الأسر فهي تشكل سابقة خطيرة تفتح البلد على أمور صعبة للغاية. على حزب الله ان يسلّم سلاحه فوراً، وأن ما جرى هو خرق للخط الأزرق، وأنه اذا لم يتم اطلاق الأسرى الاسرائيليين دون قيد أو شرط سيطلق العنان لاسرائيل للتصرف كما تريد وأنه اتصل بالقيادات اللبنانية ومن بينها الجنرال ميشال عون محذرا من الوقوف الى جانب «حزب الله».

الرئيس بري: «نعم هناك مخاطر، أنا لا أنكر اننا امام تحدٍ، لكن فلنقارب الموضوع على حقيقته، المقاومة مشروعة، وجزء من عملها تحرير الأسرى، أنا لا أتحدث عن التوقيت بل عن المبدأ، طالما هناك احتلال وأسرى، هناك مقاومة، أنا طالبتكم وطالبتك شخصياً عشرات المرات منذ سنة 2000 بخرائط الألغام ولم تسلم لتاريخه، إسرائيل لا تحترم أحداً، كيف نحرر الأسرى؟ أعطني باباً واحداً لأسير معك. انا انصح ان لا تتسرعوا، سأتحدث مع حزب الله، وأعتقد ان بالإمكان الوصول الى تفاهم، على الأقل وعلى مسؤوليتي يمكنني أن أقول أن الحزب جاهز لوقف النار، فهل الاسرائيلي جاهز»؟.

رد غير بيدرسن جاء سريعاً وبدا متحضراً لهكذا طرح: «الحل هو بتسليم الأسرى ونشر الجيش وأن يكون القرار في الجنوب للدولة وحدها». يخرج بيدرسن دون أي اتفاق سوى على مواصلة التواصل.

بري لوزيري «أمل»: حدود موقفنا عدم تفجير الحكومة

في جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت مساء، بلغت الأمور فيها حداً قاسياً بين الرئيس السنيورة وفريقه وبين وزراء حزب الله وحركة أمل حيث أصر السنيورة على ادراج نص بان الحكومة ليست على علم ولا تتحمل المسؤولية، حصلت اتصالات عدة وابلغ الرئيس بري الوزراء ان الحدود التي يمكن الوصول اليها في موقفنا هي التحفظ على فقرة دون ان نثير مشكلة تفجر الحكومة لان الاولوية كما قال هي لوحدة الموقف في هذه اللحظة برغم مرارة ما يقال وأبلغ بري وزيري أمل ضرورة أن يطرحا مسألة البيان الوزاري الذي يتحدث عن شرعية المقاومة وأن يتعاطيا بهدوء مع التأكيد انه في حال تجاوز هذا الخط فالرؤية واضحة بأننا على نفس الموقف مع حزب الله والرئيس أميل لحود، واُبلغ حسين الخليل الذي كان قد وصل الى عين التينة ان هذا هو التوجه وهذه هي المصلحة.

بيد أن رئيس الحكومة بدا مقتنعاً بموقف السفراء وهو قال أنه سمع كلاماً واضحاً من غير بيدرسن وبرنار إيميه(السفير الفرنسي في لبنان) وجيفري فيلتمان(السفير الأميركي في بيروت) بأن الامور أصبحت أكبر مما تعتقدون وبالتالي يجب أن يصدر موقف واضح وصدر بيان الحكومة بأنها لم تكن على علم بعملية الأسر ولا تتحمل المسؤولية ولا تتبنى ما جرى ويجري من أحداث على الحدود الدولية..

حسين الخليل: توقيت العملية كان متروكاً للاخوة الميدانيين

كان الرئيس بري استمع مع مجموعة من المتواجدين معه في ديوان عين التينة الى المؤتمر الصحافي للسيد حسن نصرالله، وعلّق إيجاباً على الوضوح والصلابة والانفتاح وعلى إشارات السيد الإيجابية للأطراف الأخرى. الحاج حسين الخليل كان من بين المتواجدين في الديوان وقد أبلغ الرئيس بري بالرسالة التي كان يحملها من السيد نصرالله وفيها: «لقد وصلتنا رسالة السنيورة واستمعنا اليه، ونقول لك نحن لا نريد الحرب لكننا مستعدون لها. ما نريده هو أن يحصل تبادل للأسرى والقنوات لذلك مفتوحة، لكننا لن نرضى بأي شكل أن نسلّم الأسيرين الى الحكومة اللبنانية، كي لا نحرج الدولة اذا لم تلتزم اسرائيل، وبالتالي ماذا ستفعل. مستعدون للتفاوض بطريقة غير مباشرة، ولا نريد أي تصعيد، لكننا لن نقول هذا ولن نطلب تهدئة».

الرئيس بري: أشدد على أن يدار الخطاب السياسي بأعلى درجات الانتباه «حتى لا نؤثر على الوحدة الوطنية في مثل هذا الظرف». (كانت بدأت تصدر عن قيادات في 14 آذار مواقف تطرح تساؤلات حول توقيت العملية وأهدافها ومن تخدم أبرزها للرئيس أمين الجميل والنائب بطرس حرب وسمير جعجع وفارس سعيد).

كان هاجس الرئيس بري استيعاب أي عملية تهجير يمكن أن تحصل. فيما عرض الحاج حسين الخليل لتفاصيل العملية وكيفية حصولها فقال: «إن توقيت العملية كان متروكاً للأخوة الميدانيين، حتى قيادة الحزب لم تكن تعلم بالتوقيت، إذ إن التعليمات كانت معطاة برصد نقاط ضعف عند العدو وعلى طول المنطقة المحتلة، والمجموعة التي أسرت كانت ترابط وتراقب منذ أيام وفق ما هو معتاد، ولديهم أسلوبهم، وهؤلاء تحديداً كانوا يقومون بالتمويه وفق الطريقة (….) عندما أبلغوا قيادتهم كانت التعليمات سريعة بالتعامل مع الهدف». ويتابع: «عندما بدأ الاسرائيلي بردة فعله في المنطقة كان الشباب في موقع آمن، وأنا الآن أقول لك أن الأسرى أصبحوا في مكان لا يمكن أن يصل اليه إلإسرائيلي. ردة فعل الاسرائيلي في المنطقة جعلته يدفع ثمناً إضافياً». وكرر الخليل: «السيد يقول لك لا نريد تصعيداً، إذا كان هناك من حديث عن وقف لإطلاق النار لا مانع عندنا ولا مانع بالتفاوض غير المباشر».

———————————–

الحلقة الثانية:

بري ونصر الله يرفضان عرض تسليم أحد الأسيرين للحكومة: اختــراع مجنون ما بيمشي الحريري من الكويت: «حزب الله» يريد خراب لبنان.. وعليه أن يدفع الثمن

صفحات مجهولة من حرب تموز كما يكشفها نبيه بري ويرويها علي حسن خليل 2

ودخلنا عصر النار، رائحة البارود تجتهد لضرب آخر معاقل عطر الحياة، وفيما الموت يرصدنا ويطارد خطانا، كانت السياسة في الداخل تطوق فينا نبض البقاء.. تحصي لنا أنفاسنا وتعاقبنا على أنَّا قررنا أن لا نسد باب الريح.

عقارب الساعة تدق على وقع نبض السفراء، وسريعاً يتأثر ساسة لبنانيون بالتوقيت الغربي.. هم ناموا.. استفاقوا.. حالمين بالجنديين الإسرائيليين وكيفية تحريرهما من قبضة المقاومة إلى كنف «الشرعية».

راحوا وجاؤوا.. ضربوا أخماساً بأعشار.. لمعت في أدمغتهم عقول وبنات أفكار وأحد أغرب الحلول «سلمونا جندياً واحداً على سبيل الاختبار» وخذوا نصف حرب أو نهاراً كاملاً بليل مهزوم.

لم نردم الأمل.. ولم نعلقه على حبال السرايات، وكمن يعبر جسراً مهدداً بالسقوط عبرنا إلى التمسك بأهداب الوحدة الداخلية.. كنا نقدم طروحاً فنلقى عيوناً غيرى على مصلحة غيرنا لا علينا.

إن ما رويناه في الحلقة الأولى، والآتي أدناه.. ليس أدنى المواقف التي ضُبطت متلبسةً في «الأسر» المشهود، لا بل هي المرحلة التي شهدت على مدٍ وجزر وعلى عصف أفكار داخلية، قبل أن يتمكن الأميركيون من جعلها «كعصف مأكول»، وقبل أن يتورم الحل الغربي وينتشر في الجسم الأكثري.

وما نسرده اليوم عن الأمس لن يكون بمثابة الموقف السياسي، ولا هو مقال يعبر عن وجهة نظر، وهو بالتأكيد ليس كما يمكن أن يعتقد البعض رداً على تحريف صاغته مخيلة جيفري فيلتمان في «ويكيليكس» والذي كنا قد أوضحناه بمحضر حقيقي ونشر.. هي وقائع أيام عشناها على رؤوس الأشهاد قرب رئيس له ذاكرة بقدر ثلاثة وثلاثين فيلاً وأحد عشر كوكباً كان يطالبني بالكتابة منذ انتهاء الحرب لأنه عرف بالتجربة جحود الزمن عندما لا يدوّن التاريخ، وعلى مقربة أيضاً من سيد يتلو في كل دقيقة تعويذة الأقوال الصادقة.

ولأن الصدق بالصدق يذكر، فإن هذه المحاضر ستأتي على ذكر لحظات سنلمس فيها أقوالاً إيجابية «معاذ الله» وردت على لسان شخصيات تمتّ إلى الحقيقة بصلة.

فمن ساق موقفاً معتدلاً أو ما يعادله فسنراه حاضراً بين المحاضر، من دون أن يعني ذلك أن موقفه آنذاك سيعبر عن رأينا اليوم، وليس بالضرورة أن يعطي صورة إجمالية للحدث، بل مشهداً عن اللحظة السياسية حينها.

لم أجتهد.. ولم أؤلف.. واللهم إني سردت.

في الثالث عشر من تموز بدأت مؤشرات الحرب الاسرائيلية تأخذ بعداً مفتوحاً، كما ظهر على لسان الكثير من السفراء الذين لم يحملوا مشاريع تسويات أو حلول، بل كرروا بشكل ممنهج مطالب الإسرائيلي.

امتدت عمليات القصف إلى خارج الجنوب وصولاً إلى البقاع، فيما كان اليوم الثاني من نصيب الضاحية الجنوبية عبر استهداف مبنى قناة «المنار» وإقفال مطار بيروت الدولي وبداية حصار غير معلن من قبل البوارج الإسرائيلية، ثم قصف مدرجات مطاري رياق والقليعات. وعلى الرغم من توسيع دائرة النار إسرائيلياً، فقد أبلغني الحاج حسين الخليل أن قيادة «حزب الله» ما زالت في أجواء حصر الرد من خلال صليات صاروخية مدروسة تعكس قدرة المقاومة على الوصول إلى العمق الإسرائيلي، وتبقي الباب، في الوقت نفسه، مفتوحاً على إعطاء الفرصة للتسوية في مسألة التبادل.

باكراً التحق الرئيس نبيه بري بمكتبه في عين التينة، وكان قد بدأ بكسر قواعد التنظيم الدقيق لمواعيده بين المكتب والمنزل والتي اعتاد عليها في السنوات الأخيرة، حيث لم تعد هناك فترة راحة تعطي المجال لساعات الحوار المفتوح يومياً مع متابعي الشأن العام في ديوان مقر الرئاسة الثانية، وأصبح التوقيت الوحيد مضبوطاً على حساب المعركة وتطوراتها الميدانية والسياسية.

لحظة نزوله بادرنا إلى القول إننا أمام حرب أكبر من رد فعل على أسر جنديين، بل هي حرب مفتوحة تستهدف تغيير قواعد اللعبة، ليس على صعيد الجنوب فحسب بل صعوداً نحو تصفية حسابات خارجية وداخلية مرتبطة بدور المقاومة وتنامي حضورها وتأثيرها في الوقائع العربية.

أعاد الرئيس بري استحضار كلام من اتصلوا به بالأمس (12 تموز). قال إنه يرى طيف القرار 1559، وإلا فما معنى أن يتوسع كل هذا الكلام أبعد بكثير من حديث عن تبادل أسرى إلى الحدود والسيادة وسحب السلاح، إنها بداية معركة لن يكون للسياسة فيها مساحة أقل من العسكر، لكن تبقى وقائع الأرض وحدها ما يرسم حدود السياسة.

نصر الله لبري:

معركتنا ليست داخلية

وكمن يتأهب للدخول في المعركة أوعز بتوزيع المهام. اتصل بالحاج (حسين الخليل) واتفق معه على أن المصلحة في إقفال أي جدل في مجلس الوزراء والتركيز على ما قلناه البارحة بأن الحرص على التماسك الداخلي هو الأساس، كان جواب السيد حسن نصر الله معه واضحاً: معركتنا ليست داخلية ومستعدون لآخر الحدود أن نغمض أعيننا وأن لا نسمع من أجل المعركة الأهم، المهم هو أن لا يؤخذ أي قرار يطوّق حركتنا الداخلية في مواجهة إسرائيل.

رد الرئيس بري: هذه هي معركتي.

نقل الحاج حسين الخليل أن النائب سعد الحريري اتصل به، حيث أكد له الخليل ما قاله السيد نصر الله حول دور والده الشهيد رفيق الحريري في مواجهة عدوان نيسان 1996 وانهم ينتظرون منه دوراً مشابهاً.

عُقدت في اليوم نفسه جلستان لمجلس الوزراء، وفي نقاشه، حذّر الرئيس إميل لحود من بعض الكلام في الجلسة، حيث إن وزراء الأكثرية (14 آذار) بدأوا بتصعيد اللهجة واستخدام مصطلحات السفراء، دار نقاش في الجلسة، لم يخف الكثيرون ممن تحدثوا أن ما يطرح في مسودة البيان هو تلبية لطلبات الخارج.

بري للسنيورة:

الى جانبك يا فؤاد ولكن

بين الجلستين، اتصل الرئيس بري بالرئيس السنيورة، قال له «أنا إلى جانبك يا فؤاد ونريد أن نحيّد الحكومة في هذه اللحظة بالذات عن أي انقسام. لماذا نحشر أنفسنا في أمر يمكن أن نتفق على تطبيقه بين بعضنا البعض كلبنانيين، بسط السلطة والسيادة في الجنوب وحتى الحدود أمور مرتبطة بنا، ومع بعضنا البعض يمكن أن نوجد الصيغة المناسبة، لكن طرح الموضوع بهذا الشكل سيفتح جدلاً ويحدث «نقزة» من أن هناك من يريد استغلال الوضع لحسابات داخلية لا علاقة لها بالمشكلة القائمة».

أجابه السنيورة: «أنت تتحدث وكأن لا مشكلة قائمة، أنا كل النهار أتلقى اتصالات وهناك ضغوط كثيرة ورسائل تهديد للبنان».

بري: هذا أمر طبيعي أن من يتصل بك يتصل بي، لكن يجب أن نبقى متماسكين، سنصدق أن الحق علينا، وننسى أن إسرائيل من يقصف ويدمر. أتمنى عليك أن ترتب الأجواء في مجلس الوزراء، وفي كل الأحوال أقول لك نحن متمسكون بالحفاظ على وحدة الحكومة.

السنيورة: إذاً لنأخذ القرار بالإجماع.

بري: وهل لديك ضمانة بأن إسرائيل ستوقف الحرب إذا ما اتخذتم هذا الموقف؟

رد السنيورة بسرعة: لا ضمانة ولكن هذه مسؤولية الدولة.

بري: سأعمل جاهداً لنبقى سوياً في المعركة.

جنبلاط يتضامن مع الحزب برغم اختلافه معه

لم تكن هذه أجواء الرئيس السنيورة وحده، إنما وصل للرئيس بري قبيل جلسة مجلس الوزراء أن الوزير مروان حمادة يصعّد المناخ تحضيراً للجلسة متماهياً مع الموقف الأميركي، علماً أن النائب وليد جنبلاط كان في هذا الوقت قد صرّح مؤكداً أن الوقت ليس لتحميل «حزب الله» المسؤولية، ومعلناً فتح بيوت الشوف للنازحين من الجنوب والضاحية.

تم تقدير الخطوة من الرئيس بري الذي بادر إلى الاتصال بجنبلاط وقال له: أنا أعرف أنك في الزمن الصعب لا تضيع البوصلة، والتقدير جاءه أيضاً من السيد نصر الله الذي كلف النائب نواف الموسوي إبلاغه رسالة شكر على موقفه.

مع رصده كل الإشارات المقلقة غربياً وعربياً، أبقى الرئيس بري الباب مفتوحاً وحرص على استمرار التواصل، وكانت المملكة العربية السعودية قد أصدرت موقفها الشهير باسم «مصدر مسؤول» محملة المقاومة مسؤولية «التصرفات غير المسؤولة والمغامرات غير المحسوبة»، وعلى الرغم من هذا الموقف، أجرى الرئيس بري اتصالاً بالملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز لأنه كان على موعد مسبق معه، وتحدث إليه بمنطق «أنك يا جلالة الملك أخ للبنان ونتمنى ألا تتركه في الأيام الصعبة».

إيجابية محسوبة للحريري في العلن.. فقط

في هذه الأجواء، بدأت تتصاعد نبرة قوى 14 آذار وصدر بيان باسمها فيه اتهام بأن العملية نفذت لأهداف إقليمية، بما يعكس تأثير الضغط الدولي ويغطي مشروع إطلاق اليد الإسرائيلية الأميركية للقضاء على بنية المقاومة.

هنا التقط الرئيس بري الإشارة الإيجابية من النائب سعد الحريري في تصريح له من مصر بأنه لن يحمل المسؤولية لأحد، وتحدث إليه مثمناً موقفه ومشجعاً على التعاون واستكمال جولته العربية. وفي الإطار نفسه، أبلغ السيد نصر الله معاونه السياسي بأن يتابع مع الشيخ سعد إيجاباً.

إنها إيجابية كانت محسوبة في الظرف والأسلوب، لأننا سنرصد كلاماً آخر للنائب الحريري يخفي توافقاً وتناغماً مع المشروع الغربي، وما كان يدلي به السفراء في السر والعلن.

بعد لقاءات واتصالات مع عدد من السفراء، وخصوصاً الأميركي جيفري فيلتمان والفرنسي برنار ايمييه، تعزز انطباع الرئيس بري بأن الطروحات تجاوزت الأسرى إلى محاولة إحداث انشقاقات داخلية وطرح سلة شروط متكاملة تؤدي إلى إنهاء دور المقاومة.

في وقت متزامن، كان الحاج حسين الخليل ينقل لي أن اتصالات تتم مع النائب الحريري ولأكثر من مرة في اليوم وبطريقة أحرجت الحاج أمنياً لأن الحريري كان يتحدث بواسطة هاتف دولي من السهل تعقبه، وكان الحريري يمارس نوعاً من التهويل المكرر واللازمة الثابتة هي: «إني أسمع كلاماً كبيراً من الذين ألتقيهم من الرؤساء والملوك، لبنان سيدمر وإسرائيل تذبحنا، سلموا الأسرى للدولة ونتحدث في آلية الخروج من المشكلة».

كان رد الحاج حسين نقلاً عن أجواء السيد نصر الله: «مع تقديري لمخاوفكم، إلا أن الوضع ليس كذلك، تعودنا على التهويل من قبل العرب، لقد وضعنا قواعد لتسليم الأسرى نرى فيها مصلحة الجميع، لا تنقلوا المشكلة إلى داخل الحكومة وبين بعضنا البعض، وأنت في جولتك اضغط في هذا الاتجاه».

الحريري: هنا لا أحد مستعد ليسمع مثل هذا الكلام، أنا أساساً أرى أنكم أدخلتمونا في مشكل أكبر منا.

حسين الخليل: لتعلم وانقل لمن تلتقيه، نحن لن نقف مكتوفي الأيدي، وبقدر استعدادنا للتفاوض سنكمل المعركة وسترى أن الحق معنا، هي تضرب ونحن سنرد على عدوانها.

بري يشجع السنيورة مجددا

صدر موقف آخر للحكومة في اليوم التالي (14 تموز) لم يتطرق إلى موضوعي السلاح والمقاومة.

بادر الرئيس بري إلى الاتصال بالرئيس السنيورة وتشجيعه على هذا الموقف.

ردّ السنيورة لم يعبر عن تغيير بل قال إنه تحدث مع الرئيس الأميركي جورج بوش ووزيرة خارجيته كوندليسا رايس اللذين نقلا له أنهما مستاءان جداً ويحملان لبنان المسؤولية رغم تقديرهما لموقف الحكومة.

بري: من المهم التواصل مع الجميع لكن لا تتوقع أن يكون موقف الأميركيين غير هذا، لا تنسَ أن الطرف الآخر إسرائيل.

السنيورة: هم قالوا إنهم يرفضون الضغط على إسرائيل.

بري: المهم ألا يضغطوا علينا ويتركونا مجتمعين.

عندما تجاوز السفير المصري القواعد الدبلوماسية

في اليوم نفسه، التقى الرئيس بري السفير المصري في بيروت حسين ضرار الذي تحدث بكلام واضح يتجاوز القواعد الدبلوماسية ومفاده أن المطلوب سحب سلاح الحزب وتنفيذ القرار 1559، وأن المعركة مفتوحة بحسب علمه حتى تحقيق هذا.

هنا تأكد الرئيس بري من أن هناك جبهة عربية ـ أميركية قد تشكلت وتعمل في الاتجاه نفسه، وقد أضيف إليها الأردني ـ المصري.

مساءً، أطل السيد حسن نصر الله على الشاشة ليعلن عن قصف البارجة الإسرائيلية، ما رفع المعنويات التي كانت قد خفت بعد تراجع الرد الصاروخي طوال اليوم، وتحدث «السيد» بأسى عن الموقف السعودي، وكان تعليق الرئيس بري: «أفهم ذلك ولكني سأبقى أتابع مع الجميع بمن فيهم السعودي علّنا نحمي الداخل من تأثير بعض الخارج».

في تلك الليلة، سجّل ضغط من أميركا في مجلس الأمن لرفض أي حديث عن وقف النار وقراره إرسال وفد إلى لبنان، وكان هذا بداية التحرك الدولي الذي قابله موقف إسرائيلي واضح يرفض بحث أي أمر سوى إعادة الجنديين الأسيرين من دون قيد أو شرط وتنفيذ القرار 1559 وإبعاد «حزب الله» إلى ما بعد الليطاني.

حضر السنيورة في تلك الليلة إلى عين التينة وطرح أنه يريد أن يذهب إلى القاهرة لحضور مجلس الجامعة العربية.

بري: أنا أرفض هذا، المطار محاصر، أتريد أن تخرج تحت غطاء الإسرائيلي، لا أعتقد أنك تقبل هذا، الوزير فوزي صلوخ (وزير الخارجية) في أرمينيا، يجب أن يكلف بأن يأتي من هناك مباشرة إلى مصر، أنا ألغيت موعدي مع الملك عبد الله حتى لا أسافر هكذا.

شعرت من حماسة السنيورة للذهاب أنه كان يريد أن يطمئن لنقل وجهة نظره المتكاملة مع مواقف بعض العرب.

في اليوم التالي (15 تموز)، عقد الرئيس السنيورة مؤتمراً صحافياً في السرايا الكبيرة اعترف فيه بأن موقفه الذي تبرأ فيه منذ اليوم الأول من عملية الأسر لم يوقف الحرب، وكان هذا تطوراً مهماً في موقفه فتح باب التواصل معه أكثر.

الحريري: الحزب يريد خراب لبنان!

في هذا الوقت، اتصلت إحدى الشخصيات الكويتية البارزة وتحدثت عما صدر عن النائب سعد الحريري أمامها خلال زيارته للكويت من كلام يحمل تحريضاً على المقاومة وأن «الجماعة يريدون خراب لبنان لمصلحة خارجية»، وهم يتحملون مسؤولية ما يحصل «وعليهم أن يدفعوا الثمن».

تحدث الحاج حسين الخليل معي ناقلاً أجواء اتصالاته الأخيرة مع النائب الحريري الذي أصر على نقل اقتراح للسيد حسن نصر الله مفاده أن يسلم الحزب أسيراً واحداً للحكومة ويبقى الآخر مع الحزب، قال إنه أجابه بسرعة بأن هذا لا يمشي، ولكنه عند إصراره نقله للسيد الذي استهجن مثل هذا الطرح السطحي طالباً عدم إضاعة الوقت عليه والتركيز على ما يحل المسألة برمتها.

عندما أبلغت الرئيس بري بما طرحه سعد، كان رد فعله كيف يتم مثل هذا في حالة الجنون الإسرائيلي، هل مقابل أسير توقف إسرائيل نصف مجزرة، هل نوقف نصف حرب، إنه اختراع لا يركب، سعد يحاول أن يعمل أمراً ما، سأتعاطى مع الموضوع وكأني لم أسمع به.

فيلتمان لبري: هذه هي قواعد الحل والحرب لن تتوقف

تلقى الرئيس بري اتصالاً من السفير الأميركي جيفري فيلتمان، تحدث بإيجابية عن الإجماع الذي حصل في مجلس الوزراء حول البيان الأخير، ونقل أن إسرائيل لا تريد وقف إطلاق النار وهي مصرة على شروطها وتعتبر أن المعركة لصالحها وأنها تلحق خسائر كبيرة بـ«حزب الله».

بري: إنهم واهمون، الخسائر في البنية المدنية، الحزب خسائره محدودة جداً، أما الموقف الإسرائيلي فهو موقفكم، الرئيس بوش موقفه أعلى من الإسرائيلي.

فيلتمان: هناك وفد سيصل من الأمم المتحدة الساعة السادسة مساءً ولهذا نحن نعمل على التهدئة وليس وقف إطلاق النار.

بري: من يستطيع فرض هدنة لماذا لا يوقف مجازر إسرائيل.

فيلتمان: أنا نقلت لكم قواعد الحل.

بري: لا تراهنوا على هذا، نحن نعرف أنكم تريدون نقل المشكلة إلى الحكومة ولكننا لن نسمح بالوصول إلى هذا، أنا سأبقى على تواصل مع الرئيس السنيورة. مجدداً أقول لك، أوقفوا إطلاق النار وأعتقد أننا نصل إلى حل مشكلة الأسرى بسرعة.

اتصل بعدها الرئيس بري بالرئيس السنيورة، كان هادئاً ويتحدث بانفتاح، قال السنيورة إن رئيس الوزراء الإيطالي برودي اتصل به وأبلغه أنه تحادث مع رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت الذي يشترط لوقف النار:

1ـ تسليم الأسيرين.

2ـ انسحاب «حزب الله» إلى ما بعد الليطاني.

وفي الليلة نفسها صرّح أولمرت أن مطالبة السنيورة ببسط سيادة الدولة حتى الحدود الدولية خطوة في الطريق الصحيح.

وانعقد في اليوم نفسه اجتماع مشترك لقيادتي «أمل» و«حزب الله» لتطوير التنسيق الميداني، وكان هذا تعبيراً عن التكامل بين الطرفين في ساحة المعركة.

في حلقة يوم السبت المقبل

السيد حسن نصر الله يفوض الرئيس نبيه بري بادارة المعركة السياسية… ووقائع المفاوضات الاولى مع الموفدين الدوليين.

———————————–

الحلقة الثالثة:

نصر الله لبري: أوضاع الناس تؤلمني لكنهم سيتفهمون.. وثقتنا كبيرة بإدارتك للأمور سولانا ولارسن: إطلاق الإسرائيليين يليه وقف النار ثم التفاوض مع الحكومة حول الأسرى اللبنانيين

صفحات مجهولة من حرب تموز كما يكشفها نبيه بري ويرويها علي حسن خليل 3

سولانا: بداية الحل بتراجع «حزب الله» شمالاً

لارسن: الاسرائيلي مستعد فقط للحرب بري: الأمم المتحدة شريكة في الحرب..

مزيد من الصور

قد ترتكب الذاكرة إثم النسيان عندما نلقي عليها كل تفصيل، لكن المعروف عنها أنها ذاكرة لا تخون عندما تصاب بالوجع.. وها هي تبادلنا الوفاء، فتفتح ذراعيها لقراءة كفها بنفسها، فكيف إذا جاءها حبر معين على فك حروفها.

وفي الذاكرة، حروف لا تُمحى وقفت مع صديقها في ضيقه، وتراها في الأسبوع الأول لحرب تموز المحفورة أيامها، لا بل ساعاتها، في ذاكرتنا، تعيش مع حليفها بأيادٍ لا تحصى.. قلوب لا تعد.. لكن بجبين واحد.

موجعةٌ تلك الأيام والساعات.. وأحلى أوجاعها اختبارٌ هو الأقسى من نوعه لعلاقة بين سماحة سيد ودولة رئيس تترجمها الوقائع وتبادل الرسائل، وفي إحداها «قرارنا يا أخ نبيه أن نكمل معاً»… وردّ النبيه على السيد «نحنا مع بعض.. ومش رح يفرقنا شي».

كانت قرى الجنوب قد بدأت تلبس أسودها، وفيما صغارها يعبرون الجسر من الأرض إلى السماء، كان كبار الساسة والرسل والموفدون ينزلون علينا بالوحي، تارة لمصلحة طاغية وطوراً لمصلحة لص أو جبان.

وكلنا كان يعتب على هذا العالم القاسي الذي يجتمع ولا يضبط أي مجزرة.. لا يتأثر برضيع قضى متمسكاً «بلهوته» ولا تشغله إلا مصلحة إسرائيل وضمان أمنها، والمشهد الأصعب أن ترى شريكاً في الوطن وقد استقوى بهذا العالم عليك.

أسست تلك اللحظات لحصانة الموقف، وبدأنا معركة من نوع آخر تطيب فنونها لرئيس يستهوي اختراق مناورات السفراء والرسل وإحباط فنونهم السياسية.

احترق تبغ الجنوب ولفظت الضاحية شهقتها الأولى دماراً.. والغرباء مع ذوي القربى جاؤوا على شكل سمفونية واحدة.. رائعة التنسيق والاصطفاف..

ومن دوالي تموز، نقطف في اليوم الخامس توقيع عقد الشراكة بالأحرف الأولى والأخيرة بين الحلفاء، مع منح الثقة السياسية للرئيس نبيه بري في إدارة المعركة السياسية، ثقة من دون برلمان ولا هيئة تشريع، لأن أصواتها سترتفع بالمبايعة مع شروق شمس الحلقة الثالثة.

في اليوم الخامس للعدوان (16 تموز 2006)، لم يظهر أن هناك وساطات حقيقية أو إرادة دولية لوقف القصف، وكل ما حصل هو وصول وفود دولية لا تحمل مشاريع حلول، بل إنذارات صريحة بأن هناك اتجاهاً لتغيير قواعد اللعبة، مستندين إلى شعور بفائض من الدم المهدور إسرائيلياً، ظناً أنه يبدل موازين القوى بما يسمح بفرض شروط تسمح بخلق واقع سياسي جديد.

ولاقت الوفود التي وصلت إلى لبنان، قرارات مجموعة دول الثماني التي اجتمعت في سان بطرسبورغ، وتبنت الموقف الإسرائيلي بالكامل لجهة ربط وقف إطلاق النار بإطلاق الجنديين الإسرائيليين، وصولاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، والطلب من مجلس الأمن إرسال بعثة للمراقبة والأمن إلى الجنوب، في ظل غياب عربي تام وتخلٍّ بلغ حد التواطؤ.

سمحت هذه المواقف للحكومة الإسرائيلية بالإعلان عن تكثيف الهجمات والتهديد بالتصعيد أكثر، وكان ردّ المقاومة واسعاً أيضاً بحجم التصعيد، حيث استهدفت الصواريخ مدن جنوب حيفا وسقطت على مقربة من الناصرة.

وبمزاج سيئ نزل الرئيس نبيه بري إلى مكتبه، متأثراً ومنفعلاً للغاية من تفاصيل جريمة مروحين والتدمير الممنهج للضاحية الجنوبية. التقى ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان غير بيدرسون الذي أتى بهدف التحضير لزيارة وفد الأمين العام بعد الظهر. بادره الرئيس بري بهجوم على دور الأمم المتحدة في تغطية الجرائم، مشيراً إلى رفض قوات الطوارئ الدولية استقبال الأهالي الذين لجأوا إليها بعدما أنذرتهم إسرائيل بحجة أن لا يحصل معها ما حصل في قانا عام 1996 بما سمح لإسرائيل بقصف سيارة «فان» تحمل 23 شخصاً بينهم أطفال ونساء سقط منهم 22 شهيداً.

لم يستطع بيدرسون الإجابة واكتفى بالقول إنهم ضد ضرب المدنيين، محولاً النقاش نحو ربط وقف إطلاق النار بإطلاق فوري للأسيرين الإسرائيليين.

رد الرئيس بري: الأمم المتحدة شريكة عن قصد أو غير قصد، والآن أهالي البلدة (مروحين) ما زالوا تائهين وإسرائيل لا تسمح لهم بالوصول إلى صور.

طلب بيدرسون من أحد مساعديه أن يجري بعض الاتصالات، عاد ليؤكد معلومات الرئيس بري من دون أن يحصل أي تطور إيجابي، وهو وضع بقي طوال فترة الحرب الإسرائيلية على لبنان.

بطرس حرب:

الوحدة في مواجهة الجريمة

لم يقطع الرئيس بري خيوط التواصل مع الشخصيات السياسية اللبنانية، وبقيت أبواب عين التينة مفتوحة على اللقاءات الداخلية، وبينها في ذلك اليوم مع النائب بطرس حرب الذي تحدث وقال: «لا يمكن إلا أن نكون موحدين في مواجهة هذا الاعتداء، ولإسرائيل أهداف أبعد من استعادة الأسيرين». وكان كلامه إيجابياً وله أهمية في تلك اللحظة.

عقد الرئيس بري بعدها مؤتمراً صحافياً هاجم فيه البرلمانات العربية وقال إنها بيد الحكام، وشرح ما حصل في مروحين والعقاب المفروض على الضاحية، لأنها تحضن الشعب المقاوم وأن قصفها بهذا الشكل هو انتقام لا علاقة له بالأسيرين، وأشار إلى أن اتهام المقاومة بأنها إيرانية أو سورية فيه تجنٍّ وتحامل لأن المقاومة هي للبنانيين الذين سبق وعلموا الناس المقاومة مع صداقة ودعم إيران وسوريا لهم.

وقال بري بوضوح: هذا اليوم هناك فرصة لوقف إطلاق نار فوري والبدء بتفويض إحدى الدول التي كانت تفاوض أو غيرها للبدء بمفاوضات التبادل، وإذا تم هذا خلال 24 ساعة أعتقد أننا نوفر المشاكل على الجميع، وإذا لم يحصل ذلك، فإنني أحذر أن المنطقة كلها في خطر.

أطلّ في مساء ذلك اليوم (16 تموز) السيد حسن نصرالله على تلفزيون «المنار» في رسالة قال فيها إن السلاح هو للردع وليس للانتقام ولهذا حصر القصف بالمواقع العسكرية حتى الآن وإنهم تعمّدوا تحييد المصانع الكيميائية في منطقة حيفا وهي في مرمى النار حتى لا تدفع الأمور إلى المجهول، لكن هذا لا يعني أننا سنبقى هكذا دائماً.

ووجّه «السيد» خطاباً مؤثراً إلى الشعوب العربية يضعها أمام مسؤولياتها التاريخية، وأكد أنه إذا استطاعت إسرائيل إلحاق الهزيمة بالمقاومة فإن العالم العربي سيغرق في ذل أبدي، وأشار إلى أننا ننتظر الهجوم البري إذا أرادوا وهو بشارة لنا.

حسين الخليل: سماحته يهديك السلام

تلقيت اتصالاً من الحاج حسين الخليل وتواعدنا على اللقاء في أحد شوارع منطقة فردان القريبة، وعندما وصلت كان ينتظرني في مرأب إحدى البنايات وهو يعتمر قبعة، ركبنا سيارة واحدة وسرنا في شوارع بيروت، قال إن لديه رسالة من السيد حسن نصرالله إلى الرئيس بري، توجهنا إلى مكتب الرئيس عند الساعة الرابعة، سحب الحاج ورقة وقال للرئيس حرفياً:

«سماحة السيد يهديك السلام وهو يتابع حركتك بالكامل ويؤكد لك أن الظروف الميدانية للمعركة جيدة. استوعبنا ما حصل بالكامل. لقد اختلفت ظروف المعركة وظروفنا، لقد أصبحنا في مواجهة مفتوحة في الجوّ والقصف الصاروخي وربما في البر.

إن المعركة على مستويين عسكري وسياسي، عسكرياً أنا مطمئن، كل المؤشرات جيدة، إمكاناتنا الصاروخية واسعة جداً ومؤمنة ولا خوف حتى الآن، أنا من مكاني أتابع كل حركة الجبهة، كل العمليات، هنا أهمية شبكة الاتصالات، ما في صاروخ بيطلع إلا بقرار ووفق توقيت مدروس، سيأتي يوم نتحدث عن تفاصيل المعركة وإنجازات الشباب، الأوراق كثيرة بين أيدينا.

أضاف: «ما يؤلمني هو وضع الناس، لكن لديّ ثقة أنهم يتفهمون لأننا من شعب يعرف قيمة الكرامة والحرية.

يا أخ نبيه، كما تعاهدنا سابقاً قرارنا أن نكمل معاً، وأنا كما أرسلت لك منذ البداية لا نريدها أن تتوسع ولكن هم الذين قرروا وخيارنا المواجهة وأن نكمل للآخر.

على المستوى السياسي، مثل ما بيّن معك أن كل الجو الدولي يريد رأس المقاومة وتصفية الحسابات، داخلياً السنيورة ما شايف إلا استلام الأسرى وبدوا يلي بقي من 1559، كل الحكي معنا ومثل ما عم أعرف منك هو على هذا الأمر، نحن متفقين معك إنو نحافظ على الوضع الداخلي وما نعكس أي صورة انقسام، لكن شغل السياسة صار أصعب بكثير بهذه الحالة، بدنا ننتبه مرتين لأنه بدل أن تكون المفاوضة مع الخارج هي أولاً مع الداخل وثانياً مع الخارج وهذه مشكلة كبيرة، بكل الأحوال هذا قدرنا.

بصراحة يمكن الظروف لا تسمح لي بالمتابعة، أنا والإخوان عندنا ثقة كبيرة بدولتك وبقدرتك على إدارة الأمور، نحن اتفقنا إنو أمر المفاوضات وتفاصيلها بالكامل عندك، أنا شخصياً أملي وثقتي كبيرين، وبعرف أن هذه معركتك».

بري لنصرالله: صرت أكثر أطمئنانا

طلب الرئيس بري من الحاج حسين أن يدوّن الآتي:

«سلّم على سماحة السيد وقل له: أنا منذ اليوم الأول مش قاسم، بعرف إنو هذه معركة مصير، مش لنا بس، لكل البلد، هي معركتنا كلنا، البارحة كلامي كان واضحا لقيادة الجنوب ولكل الشباب، نحن بأساس المواجهة ومعنيين بالتصدي وأنا بقول بالمعركة البرية رح نكون بالأول، بتعرف ما عنا قواعد صواريخ لكن على الأرض الإخوان جاهزين والتعليمات إنتو والحزب واحد.

بعد اللي صار بهاليومين، أنا صرت مطمئن أكثر.

أما بالموضوع السياسي، أشكر السيد، قل له يطمئن، نحن مش بس مش قاسمين، نحن واحد، كأنه موجود أساساً من البداية معتبر حالي هيك وعم إحكي عنو لمن فيه ضرورة.

يا حاج هذه لحظة تاريخية، المعركة عم ترسم صورة البلد ويمكن المنطقة، ونحن مع بعض فيها مش رح يفرقنا شي، أنا وصلت لكل المواقع يلي يمكن يوصلها شيعي بهذا البلد، واشتغلت كثير حركة ومقاومة وسياسة، وكل يلي بدّي اليوم نحفظ حالنا وتاريخنا والبلد.

أنا معك. المعركة على جبهتين و«اتنينهم صعبين» وما في حلول وسط، لازم نربحهم وحدسي بيقول رح نربحهم، ولازم نبقى نعمل لنوحّد جبهة مفاوضاتنا بالداخل مع الآخرين رغم إني بعرف هذا صعب، لكن بدي أعملوا.

بالمختصر، نحنا سوا ورح نضل هيك وإن شاء الله سنلتقي بعد الحرب ونهنّي بعض، قل للسيد ما يهكل هم الجبهة السياسية.

أنا انطباعي أن الوضع العسكري وتصعيد الرد أحدث صدمة عند الإسرائيلي، بعتقد إذا بقينا هيك الإسرائيلي بيتراجع، يجب أن نترجم النتائج الإيجابية. حتى الآن عندي أكثر من لقاء وحتى لا نترك المبادرة عند الآخرين، بمن فيهم الرئيس السنيورة، يجب أن نهجم بإيجابية، أنا سأقترح اليوم وقف إطلاق نار فوري وبداية التفاوض بواسطة دولة غربية (ألمانيا عندكم تجربة معها) سأقدم هذا رسمياً باسمنا حتى لو رفضوا واعتبروا أن هذا طرح قديم من الحزب، معي يمكن يتعاطوا بطريقة مختلفة».

خرج الحاج حسين من عين التينة بعدما تحدثنا عن ظروف الإقامة الصعبة والتنقل، اتفقنا على آلية للقاء شبه يومي معه ستبقى حتى آخر أيام الحرب وهي التي وطدت العلاقة إلى حدها الأقصى.

سولانا: على الحزب أن يتراجع شمالاً

في الساعة 7:30 ليلا، وصل السيد خافيير سولانا مفوض السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي وحضر معه سفيرا ألمانيا والاتحاد الأوروبي، كان مستطلعاً ولم يحمل أي مقترحات رسمية سوى وضوح موقفه الذي حرص على أنه شخصي ويعكس الأجواء الأوروبية من دون أن يحمله لإسرائيل، بأن المسألة تخطت عملية الأسر وأصبحت في حدود تنفيذ القرار 1559.

رحب الرئيس بري به وشجع على دور أوروبي وقدم الاقتراح الذي عرضه سابقاً من دون أن يحدد كيف تتم المفاوضات، وأردف: علماً أنني أستصعب أن يقبل الحزب بسهولة بعد المجازر التي تُرتكب وعملية تدمير الضاحية. «أما في ما يتعلق بالقرار 1559 فهذه مسؤوليتنا في الحوار الداخلي، نحن تطرقنا إلى معظم الأمور وسنتابعها، وفي الجلسات نفسها اتفقنا كلبنانيين على حقنا في المقاومة كتحرير الأسرى وما تبقى من أرضنا».

تجاهل سولانا العرض الإجمالي وقال: أنا أطرح أن يتراجع الحزب شمالاً كبداية للحل.

بري: لماذا لا تتراجع إسرائيل جنوباً وتنهي الحرب، أنا أكرر طرحي لأني لا أرى بديلاً ولا تضيعوا الوقت، الخسائر تزيد.

سولانا: أنا يهمني أمر لبنان كثيراً، أتحدث من موقع الصداقة، لكن تم خرق حدود إسرائيل وحصل دخول لأراضيها.

بري: هذا رأي، ولكن ألم تدخل إسرائيل إلى عمق لبنان، القصف اليوم يطال كل المنشآت المدنية والمواصلات، للأسف أنتم الأوروبيون عندما يصل الأمر إلى إسرائيل تغمضون عيناً، أما أميركا فتغمض عينيها الاثنتين. المطلوب يا صديقي، كما تقول أن يقف أحد ليقوم بما حصل لزين الدين زيدان في كأس العالم، أن يرفع الشارة الحمراء لإسرائيل ويقول لها كفى.. توقفي واخرجي.

عرفنا من الوفد أن سولانا شجع الرئيس السنيورة على مواقفه بأن تتولى الحكومة وهو شخصياً الحوار لحل الأزمة والانطلاق من إطلاق الأسيرين من دون شروط، وأن الرئيس السنيورة هو من طلب منه أن يعمل لإقناع الرئيس بري بهذا الطرح والذي لخّصه سولانا في النهاية بإطلاق الأسرى بالتزامن مع وقف إطلاق النار وبعدها مفاوضات مباشرة بين إسرائيل والأمم المتحدة لإطلاق الأسرى اللبنانيين ودراسة إمكانية إطلاق أسرى فلسطينيين.

رد الرئيس بري: نحن بصدق نريد وقف إطلاق النار وفق ما قلته لك، وأنا مجدداً أقول أنا أتناقش مع الحزب، ولكن إذا لم يحصل هذا أرى أن الأمور ستتطور نحو الأسوأ وعندها خسائر الجميع ستزيد.

خرج سولانا من عين التينة، والرئيس بري غير مقتنع بأنه باستطاعة الموفد الأوروبي فعل شيء. كان واضحاً أنه يقوم بجولة علاقات عامة لا تخدم إلا الموقف الإسرائيلي وتقوي منطق الداخل الذي يفتش عن توظيف ما حصل في الحساب الداخلي (هنا وصل وليد جنبلاط راجع الكادر).

بري يعرض صيغة على لارسن.. ولكن

كان يوم عمل طويلاً من دون أي فترة راحة، ختم عند الرئيس بلقاء مع وفد الأمم المتحدة الذي وصل إلى بيروت وقوامه السيد فيجاي نامبيار ممثل الأمين العام ودي سوتو وتيري رود لارسن وغير بيدرسون.

بدأ الرئيس بري بعرض للمجازر التي ترتكبها إسرائيل وبأن كل القصف لم يؤثر على بنية المقاومة، مستخفاً بأثر ما تقوم به إسرائيل التي استنفدت بنك أهدافها قبل أن تحقق أدنى نتيجة مما تتوقع.

كان واضحاً أن المفاوض باسم الوفد هو لارسن الذي بادر إلى الرد قائلاً: «إسرائيل لن تتفاوض مع الحزب على الأسرى حتى ولو بشكل غير مباشر، موقفهم استحالة التفاوض معه، هم مستعدون للتفاوض مع الدولة، وأنا سأذهب إلى إسرائيل وما سأطرحه هو أن يسلّم الأسيران للحكومة اللبنانية، وبعدها وقف لإطلاق النار ثم التفاوض بين إسرائيل والحكومة على الأسرى اللبنانيين.

بري: وما الجديد في هذا الطرح؟

لارسن: ومن قال إن الإسرائيلي مستعدّ لأي جديد، هو يكمل بالحرب.

بري: بصراحة، أنا لا أقبل هذا الأمر لأنه لا يشكل قاعدة حل، إسرائيل خرّبت نصف لبنان ولم يعد هناك ما نخسره، أقول هذا قبل أن أطرح الأمر على الحزب، ولكن افتراضاً أنني أناقش اقتراحك من يضمن إفراج إسرائيل عن الأسرى، وإذا لم يحصل الإفراج هل تعيد الحكومة اللبنانية الأسرى إلى «حزب الله».

لم يجب أحد من أعضاء الوفد على هذا الكلام.

بري: في كل الأحوال، أريد أن أطرح أمراً وكأني أفكر بصوت عال، لم أناقشه مع أحد، ما رأيكم في إعلان وقف إطلاق النار لمدة شهر وتجري بعده المفاوضات بواسطة الأمم المتحدة حول الأسرى، وإذا لم نصل إلى نتيجة ليعمل كل طرف ما يريد.

(كان الرئيس بري يحاول أن يرمي أكثر من صيغة لإرباك الوفد وحتى لا يبقى تركيزه على نقطة واحدة هي ما طرحه الرئيس السنيورة منذ البداية..).

لارسن: إسرائيل لم تفاوض «حماس» ولن تفاوض «حزب الله».

بري: أنا سأتشاور مع الحزب ولكن دعنا نصغ ماذا تطرح؟

كرر لارسن طرحه نفسه.

بري: وهل وافقت على أنه إذا لم يحصل التبادل تتعهد الحكومة بإرجاع الأسيرين إلى الحزب؟

لارسن: لا.

بري: أنا في المقابل أحمّلك اقتراحاً مختصراً، وقف إطلاق نار يتزامن مع المفاوضات بواسطة الألماني أو غيره بمدة لا تتجاوز الشهر يتم خلالها التبادل، وإلا نعود إلى حالة الحرب.

خرج الوفد الدولي، أوعز الرئيس بري بأن أنقل أجواء اللقاء إلى الحاج حسين الخليل لينقلها إلى السيد حسن نصرالله من أجل التشاور والمتابعة.

———————————–

نصر الله يفوّض بري “أن تتحدث باسمنا وتلتزم عنا”… كما فوضنا سابقا حافظ الأسد فيلتمان: “حزب الله” أسر الجنديين للتشويش على المحكمة وبري يرد: هذا ليس تحليل سفير دولة كبرى

صفحات مجهولة من حرب تموز كما يكشفها نبيه بري ويرويها علي حسن خليل 4

بأيام قليلة، أصبحنا على قمة ثرثرة دولية عطشى لقطف رأس المقاومة بأي ثمن.. تلاعبُ الداخل بمغريات فصل الجسم عن الرأس.. وتقدمُ طروحاً فاتنة للحكومة ومرتكبة فتنة بحق الوطن.

إغراء سال له اللعاب السياسي فكانت الصيغ الدولية تصل منقوصة، فاقدة للذاكرة، بمجرد أن تقطع طريق السرايا الى عين التينة.

تسويات وقف النار مشت على مزيد من النار. كانت زرقة السماء قد بدأ يتغير لونها وتعتدي حتى على لون القمر. فصول تعاقبت في أسبوع لكنها كلها تدور تحت سقف فصل سابع محلي ـ دولي واحد ببند أسبابه الموجبة «سلموا ولا ضمان بأن تسلموا».

وفي اليوم السابع لم يسترح لبنان ولم يستوِ على صفقة. لقد زرع الموفدون الدوليون وشاية تقوم على الثقة بالحكومة كطرف شرعي وحيد للتفاوض، لكن باطن هذه الثقة بالدولة، كان يهدف الى شقاق بين المقاومة والحكومة وصولاً الى البتر.

أدرك الرئيس نبيه بري أن اللعب مع «الدول»، وخاصة الكبيرة، يستلزم صبراً وفض عروض.. تخصب في المعمل الجنائي لعين التينة ومن ثم تعاد معدلة وفقاً للمقتضى التفاوضي.. وللميدان أولا وأخيرا.

هواء سياسي يستطيب تحريكه نبيه بري.. يوافق في معرض الرفض.. ويقدم حلولاً من «وحي البقاء على قيد الحياة»… وهذه هي الحلقة الرابعة تؤرخ لصفحات مجهولة ومعلومة من أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء 17 و18 و19 تموز 2006.

يوم الاثنين 17/7/2006: مع توسع حركة الموفدين الخارجيين، توزعت المجازر على مساحة الوطن وأصبح التركيز على الجيش اللبناني أكبر حيث استُهدفت مواقعه عند تخوم بيروت.

لغة دولية واحدة اضيف اليها الحديث عن قوات دولية رادعة في الجنوب اللبناني اكد عليها رئيس الحكومة الفرنسية دومينيك دوفيلبان الذي التقى رئيس الحكومة السنيورة وعقد اجتماعا» وزاريا» حضره وزراء حركة «أمل» ذكر فيه القرار 1559 وطرح لجنة المراقبة ومر سريعا على اطلاق الاسرى من دون تركيز عليها.

عند العاشرة صباحاً، اتصل الحاج حسين الخليل وأرسل الي جواب السيد حسن نصر الله على رسالة الرئيس بري حول الطرح الأخير مع مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة تيري رود لارسن والوفد الدولي. قال السيد نصر الله في رده:

أولاً: أجدد الشكر للرئيس بري على مواقفه والدعم الذي أبداه وكما اتفقنا على مبدأ التشاور، لا مانع من وقف النار وفق ما طرح وهذه ورقة بيده يستعملها وهو مرتاح، لأن الوضع الميداني جيد والمبادرة بيدنا خاصة في العمق الإسرائيلي.

ثانيا»: بالنسبة إلى عرض تسليم الأسيرين (الاسرائيليين) إلى الدولة، هذا غير ممكن على الإطلاق، وكما قلت أنت دولة الرئيس، لأننا نعرف مثلك نَفَس الحكومة وسعد الحريري الذي يجول في العالم العربي ليحرض علينا، كل أحاديثه سلموا الأسرى.. فنحن مهزومون.

ولنفترض أننا أنهينا المدة المحددة بشهر، ولم يعيدوا الأسرى، هل ندخل في حرب داخلية، أنا أفضّل ألف مرة أن تبقى الحرب مع إسرائيل على أن نطلق رصاصة واحدة في الداخل، لهذا فإن افتراض تسليم الأسيرين إلى الحكومة لا نستطيع القبول به، لكن نوافق أن تتم المفاوضات حول التبادل مع الحكومة مباشرة، وليس مع الحزب كما حصل في بعض المفاوضات بواسطة الرئيس الشهيد رفيق الحريري (مفاوضات تبادل أشلاء انزال انصارية من خلاله وبواسطة الفرنسيين)، أي بمعنى تفاوض الحكومة علناً ولكن ما نتفق عليه هو الذي تتبناه، لا يمكن أن نفوضهم بمعزل عنا، وأنت ترى كيف يدير السنيورة الأمور وبأي اتجاه.

أنا أنصح أن تنقل للسنيورة نصيحة بعدم إعلان أي مبادرة من دون تفاهم مسبق معنا لان ذلك سيؤدي إلى توتر سياسي داخلي ليس من مصلحة لبنان ولا يجوز أن يحرجنا فيخرجنا إلى خيارات ومواقف سلبية.

وقال الرئيس بري في رده على «السيد» عبر الحاج حسين الخليل:

«أساساً قلت لهم البارحة، بأنني أرفض المقترح وقبل أن أراجع الحزب وقد استخدمت التعبير نفسه وسألت ماذا لو فشلت المفاوضات؟ ماذا يحصل؟ وبكل الأحوال، عرضي الأخير لهم هو وقف نار لشهر واحد ومفاوضات حول التبادل مع الأمم المتحدة أو بواسطة الحكومة الألمانية.

أنا حاولت أن آخذهم أمس بطريقة ما إلى ما طرحه السيد حسن في اليوم الأول عند الإعلان عن العملية. أعتقد أنهم بحاجة ليتحدثوا معنا ولنرَ ماذا سيحصل معهم اليوم، هم سيلتقون السنيورة، لكن مسبقاً أعرف أن الموقف لن يتبدل، جو الوفد الدولي ولارسن أميركي أكثر مما هو دولي».

بري للسنيورة: حذار الفخ الإسرائيلي

عند الساعة الحادية عشرة وخمس وأربعين دقيقة، من قبل ظهر السابع عشر من تموز، وصل الرئيس السنيورة إلى عين التينة. كان قد قطع اجتماعه مع الوفد الدولي ولارسن، وتركهما في مكتبه واتصل بالرئيس بري ليزوره. نقل إليه أن الأمور بدأت تأخذ منحى أصعب والوفد يقول إن عليه أن يحمل شيئاً جدياً كي يستطيع الحديث مع الإسرائيلي، وأنا أعتقد أن هذه فرصة لأن ندبر الأمور بواسطة الأمم المتحدة، وقدم الاقتراح على الشكل التالي:

البدء بتسليم الأسيرين الإسرائيليين إلى الحكومة اللبنانية.

في لحظة تسلمهما، يعلن وقف لإطلاق النار ويمكن أن نضيف وفك الحصار (هذا لم أتفق عليه مع الوفد الدولي).

تجري المفاوضات مع الحكومة اللبنانية وبواسطة الأمم المتحدة لإطلاق الأسرى اللبنانيين.

ينسحب «حزب الله» العسكري إلى ما وراء الليطاني (شمالا).

تنسحب إسرائيل من مزارع شبعا وتلال كفرشـوبا.

يدخل الجيش اللبناني المنطقة ويتم تعزيز قوات الطوارئ الدولية.

العودة إلى اتفاقية الهدنة.

نبيه بري: أنا أفهم محاولتك يا فؤاد للوصول إلى تسوية، لكن المعطيات تفرض علينا أن نتعاطى بهدوء، لقد دفعنا الثمن والظرف أصبح أفضل بكثير لصالحنا. إن فكرة تسليم الأسرى إلى الحكومة خطرة، تفتح الباب أمام مشكل داخلي، إسرائيل أساساً إذا لم يكن هناك اختلاف داخلي ستعمل لإيجاده، فكيف إذا أصبحت بيدها ورقة وتستطيع أن تعرقل التفاهم، بالتأكيد إذا ما استلمت الحكومة الأسرى ستقوي إسرائيل شروطها وتماطل في الوقت وستدخل عناصر تأثير دولية جديدة على الحكومة ولن تستطيع مواجهتها وتصبح بين فكي كماشة.

وتابع بري: أما في التفصيل لما أوردت:

أنت قلت إنهم لم يعطوا التزاماً عن فك الحصار.

طرح الكلام مجدداً عن انسحاب «حزب الله» إلى ما بعد الليطاني، هذا كلام كبير ومبهم لا أعرف كيف تحدثتم به، هل ناقشته بالتفصيل؟

السنيورة: لا، لكن أنا عندي تصوّر.

بري: كل ما هو جيد في الاقتراح هو التزام الانسحاب من مزارع شبعا وكفرشوبا (سؤال كيف سيحصل هذا؟ الأمر يحتاج إلى تدقيق).

في مسألة تفعيل قوات الطوارئ الدولية، أنا من حيث المبدأ لا أرى مشكلاً في صيغتها الحالية، إذا كان يحل المسألة، 5 آلاف مثل 3 آلاف، الأساس هو المهمة والدور.

غادر السنيورة من دون تأكيد الاتفاق أو الالتزام بنص موحد، لكنه سمع وجهة نظر الرئيس بري بوضوح، وأكمل اجتماعه مع الوفد الدولي في السرايا الحكومية.

العرض الدولي المفخخ كاملا

عاد الوفد الدولي والتقى الرئيس بري عند الساعة الثالثة من بعد الظهر، حيث اكتشف من العرض الذي قدمه الوفد أن ما نقله الرئيس السنيورة له صباحاً ليس دقيقاً، بل يتضمن النقاط الاضافية التالية:

دخول الجيش اللبناني المنطقة يحصل قبل الانسحاب الإسرائيلي من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا.

حديث عن لجنة مراقبة وفقاً لما قررته لجنة الثمانية التي اجتمعت في سان بطرسبرغ.

حديث عن مؤتمر فلسطيني – سوري – لبناني حول مزارع شبعا وأن أساس موضوع الانسحاب من هناك غير محسوم.

إقرار الأمم المتحدة للاتفاقية بعد توقيعها.

وقال بري إن ما سمعه من الوفد في هذه الجلسة أقلقه لا سيما لجهة طريقة إدارة الرئيس السنيورة لأن ما قالوه يتعارض في الجوهر مع ما نقله اليّ صباحاً، وأضاف «شعرت أنني بالملاحظات التي قدمتها له تجنبت مشكلاً وسوء فهم كان من الممكن أن يعقدا الأمور أكثر. كل هذا جعلني أطلب من الوفد أن يذهب إلى اسرائيل وعندما يتفق معهم على تصور واضح وصلب يعود إلى بيروت ليتفاوض معي على أسس واضحة، وعلى هذا الأساس غادروا إلى إسرائيل مساء اليوم على أن يعودوا منها إلى لبنان».

فيلتمان: الحزب أسر الجنديين للتشويش على المحكمة!

كان الرئيس بري قد التقى السفيرين الإيراني (محمد رضا شيباني) والأميركي (جيفري فيلتمان) الذي بدأ حديثه بتحليل جديد يتضمن اتهام «حزب الله» بأنه قام بعملية الأسر وما تبعها من أجل أن تنسى الناس موضوع اغتيال الرئيس رفيق الحريري وإمكان اتهام سوريا وبالتالي التشويش على المحكمة الدولية.

بري مقاطعا» باستغراب: هذا ليس تحليل سفير دولة كبرى، إنه يشبه تحليل بعض اللبنانيين. لا تكمل بهذا الكلام، أوقفوا إطلاق النار وأنا كفيل بأنه خلال أسبوع سنعود إلى الحوار الوطني ويعود بالتالي الحديث بالمحكمة الدولية وفق ما اتفقنا عليه في جلسات الحوار.

قال الرئيس بري لنا بعد اللقاء ان فيلتمان لم يكن متحمساً لوقف إطلاق النار على عكس ما كان قد سمع منه من قبل «وما تمناه عليَّ، واعتذَر عن الصيغة التي قدمتها».

في هذا الوقت، عقدت كتلة المستقبل النيابية اجتماعاً وأصدرت بياناً فيه تلميح مباشر لعدم استثمار المعركة من قبل «حزب الله» بهدف تحقيق مكاسب سياسية، والضغط في المقابل، للقبول بما يطرحه الرئيس السنيورة من حلول، وكان هذا تصعيداً سياسياً يصب في خانة فرض الصيغة التي رفضت لأكثر من سبب. والغريب ايضا» كان المواقف المتضاربة للنائب سعد الحريري الذي دعا لمحاسبة المغامرين الذين زجّوا لبنان في ازمة وبعدها اعتبر ان الاولوية هي لوحدة الموقف ورفض العدوان!

تابعنا ليل السابع عشر من تموز، الأجواء الميدانية مع سقوط ثلاثة شهداء للحركة والدفاع المدني لكشافة الرسالة وإقرار مجموعة ترتيبات ميدانية تعزز وضع الشباب الحركيين في الجنوب.

وكان هناك أكثر من تعليق على الموقف الأميركي الذي انكشف على لسان جورج بوش نتيجة خطأ في مكبر الصوت في سان بطرسبرغ وهو يتحدث مع طوني بلير عندما اعترض على رغبة كوفي عنان في وقف إطلاق النار وقوله إن على سوريا أن توقف «حزب الله» عن هذه «القذارة»، وجواب بلير بأنه علينا أن نضغط ليحصل هذا مع تأمين وجود دولي في هذه المنطقة.

18 تموز: نبرة مختلفة من الحريري وجعجع

في اليوم التالي (18 تموز 2006)، ازدادت المجازر الاسرائيلية وانفضح أكثر حجم الاستهداف للجيش اللبناني الذي سقط له المزيد من الشهداء. هذا الجو، مع التطورات الميدانية في ساحة المعركة، جعل البعض يحاول ولو بالعلن تصويب موقفه السياسي، حيث أعلن النائب سعد الحريري أن الأولوية لوقف النار وبعد ذلك نتناقش من يتحمل المسؤولية، حتى أن رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع بدّل موقفاً كان قد أعلنه صباحاً وقال إن الوقت ليس وقت تقييم حسابات إنما وحدة الموقف اللبناني.

ترافق ذلك مع بداية تبدل في الوضع الداخلي الإسرائيلي حيث تبين أن الزخات الصاروخية المكثفة التي نزلت على المدن الإسرائيلية نقلت الحديث من تصفية المقاومة إلى الإضعاف.

في صباح اليوم نفسه (18 تموز)، تلقى الرئيس بري اتصالاً من نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي عرض فيه ما يمكن أن يفعله للمساعدة. وبعدها اتصل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الذي أبلغ الرئيس بري بأنه دعا إلى قمة عربية طارئة للتضامن مع لبنان ومساعدته.

كان جواب الرئيس بري: إن العرب لن يقبلوا بعقد القمة قبل أسبوع من الآن لإعطاء إسرائيل فرصة كي تكمل عملية التدمير للبنان. لم يردّ صالح على موقف الرئيس بري وقال: سننتظر حتى يوم السبت وإلا فسأضع إمكانات اليمن في تصرف لبنان.

المهم أن القمة لم تُعقد وازدادت قناعة الرئيس بري بأنها لن تُعقد يوماً في مثل هذه الظروف.

مر الثامن عشر من تموز، من دون تقدم سياسي يذكر حيث إن الجميع في انتظار عودة الوفد الدولي من تل أبيب، وركز اجتماع مجلس الوزراء الذي انعقد برئاسة السنيورة في جو هادئ على استهداف الجيش. وكان الكلام موحداً من دون تباينات.

في اليوم نفسه، تحدث الرئيس بري مع الجنرال ميشال عون الذي كان قد اتخذ موقفاً جيداً من المقاومة وحقها وأنه لا يمكن إبادة شعب تمثله، وذلك في مقابل تصريح للنائب وليد جنبلاط قال فيه: ليسمح لي السيد نصر الله فلا يمكن له أن يستفرد بقرار السلم والحرب وإنه لا فرق بين الطائف والقرار 1559.

انقضى النهار على غارات ودماء وتعليقات تضرب في الموتى، فقال الرئيس بري: ليت السياسيين يسكتون عن التصريح المشكك في هذه اللحظة، إنها أكبر خدمة يمكن أن تقدّم.

19 تموز: الوفد الدولي لن يعود

يوم الأربعاء في التاسع عشر من آب، وهو اليوم الثامن للحرب، التحق الرئيس بري بمكتبه ليصدر بياناً يهاجم فيه بشدة مجلس الأمن وانحيازه لاسرائيل.

اتصل الحاج حسين الخليل وأبلغني أن العقيد وسام الحسن (رئيس فرع المعلومات) قد تحدث معه حول صيغ للحل، وقد أبلغه الحاج حسين أن أي نقاش سياسي يتم مع الرئيس بري الذي يناقش العروض ويعطي الرأي فيها، فردّ الحسن أن الحريري قدم اقتراحات جديدة للرئيس بري، فكان رد الحاج حسين أننا تحدثنا مع الرئيس بري في الأفكار التي طرحها الوفد الدولي ونحن غير مستعجلين إذا كان الإسرائيلي غير مستعجل، وبالتالي ننتظر ماذا سيتبلّغ الرئيس بري من الوفد (لارسن) عند عودته من إسرائيل.

حضر قائد الجيش العماد ميشال سليمان وعرض لاستهداف الجيش ومراكزه، وطرح مجدداً ضرورة الاتصال بـ«حزب الله» من أجل تحييد منطقة الشويفات تجنباً لحساسية مع المنطقة الدرزية.

عند الساعة الثانية من بعد الظهر، علم الرئيس بري أن وفد الأمم المتحدة الذي ذهب لنقل وجهة النظر اللبنانية إلى إسرائيل لن يعود إلى لبنان، وكان ذلك مؤشراً واضحا» على فشل المهمة أو تغطية لتوسع الحرب وإعطاء فرصة للعدو ليكمل تدميره، كما علمنا أن إطلاق نار حصل قرب الوفد الدولي أثناء مروره من دون أن يُذكر ذلك في وسائل الإعلام.

اتصل الرئيس السنيورة بالرئيس بري، فسأله عما يحصل مع الوفد، فقال «لا علم لي»، وبعد استفسار من غير بيدرسون الذي سأله السنيورة أيضاً، جاء الجواب على الشكل التالي:

الوفد الدولي لن يعود إلى بيروت.

إسرائيل لا تقبل بوقف إطلاق النار وهي تعيش في أجواء أنها ستربح الحرب.

تطلب تجريد «حزب الله» من سلاحه لمسافة 20 كيلومترا.

نشر الجيش اللبناني في الجنوب.

لا مناقشة في موضوع الأسرى اللبنانيين الآن.

لا مانع من متابعة الكلام أثناء الحرب.

كان هذا يعبّر عن موقف الوفد الدولي قبل ذهابه إلى إسرائيل، وتأكدنا أكثر من أننا أمام جبهة تتكامل فيها الأدوار من المحلي إلى العربي والدولي، وأن المسألة أصبحت تحتاج إلى انتباه أكثر.

«السيد» يفوض «دولة الرئيس»

ذهبت ليلاً وبعد انقطاع لزيارة عائلتي. اتصل بي الحاج حسين خليل يطلب المجيء إلى عين التينة، رتبت الأمر وعدت بسرعة، وفور وصولي، بدأ الحاج يعرض أمامنا معطيات عسكرية جديدة وجيدة تؤكد أن المقاومة تلحق خسائر بالإسرائيلي وتربكه وأن المعنويات عالية جداً والسيد حسن مرتاح أكثر من أي يوم منذ بداية الحرب، وأنه يريد أن يضيف الى ما قلناه قبل أيام بأن هناك اتصالات عدة بدأت تصل حول المفاوضات وهو يحيل المعنيين عليك وقال انه يفوضك أن تتحدث باسمه وتلتزم عنا، وان هذا التفويض أعطاه مرة واحدة سابقاً للرئيس الراحل حافظ الأسد (نيسان 1996)، وأشار إلى أن السيد ربما يتحدث في وقت قريب.

شكر الرئيس بري السيد مجدداً، وعرض أمام الحاج حسين محصلة اليوم (19 تموز) السياسية والتقييم السلبي لمسار المفاوضات الذي لا يعوضه الا التطور العسكري المهم على الأرض لمصلحة المقاومة.

في حلقة الأربعاء المقبل:

اسرائيل تمهد للاجتياح البري واجتماع رباعي في دار الفتوى ووزير خارجية فرنسا في بيروت مجدداً والمناخ الدولي على حاله

———————————–

موفد إيراني سراً في بيروت.. وملك السعودية للاريجاني: جاهزون لأية صيغة تسوية فيلتمان: إذا كنتم جديين .. قدموا طرحاً متكاملاً لوقف النار قبل وصول رايس وزير خارجية فرنسا لا يملك تصوراً إلا تذكيرنا بالقرار 1559

صفحات مجهولة من حرب تموز كما يكشفها نبيه بري ويرويها علي حسن خليل 5

اقسى ما في حرب تموز: وجوه أطفالها.. ضحاياها نازحون

بين نزوحٍ بشري باتجاه مناطق محيَّدة ونزوح دولي إلى بيروت.. بين انهيار أعلى جسر في الشرق الأوسط والمسعى الأميركي لإقامة جسر أوسطي جديد في المنطقة، كنا قد بدأنا نتلمس طلائع الوجع الإسرائيلي المرصود براً، فبلدة مارون الرأس، أبقت رأسها مرفوعاً وعيتا الشعب كانت «تصمّد» الحكايا لأنها أدركت أن جغرافيتها تظل تروى تاريخاً لا ينضب.. وكذا قرى وعتبات المواجهة البرية التي سمعت صداها عصافير الجليل.

لم تعد الوفود الدولية تروي ظمأها بزيارات متفرقة إلى بيروت، فحزمت حقائبها إلى مؤتمر دولي في روما مسبوقاً بغارة أميركية على السرايا من وزن كوندليسا رايس القادمة بصيغة مفاوض إسرائيلي.

إعجاب الآنسة كوندي «الرائع» بالرئيس فؤاد السنيورة ترجمته بقُبل على الوجنات وبصيغ حلول أدناها تقفز على الشروط الإسرائيلية وتتخطاها باعتبار رايس هي من سيؤسس غداً لشرق رأته بأم العين، وعندما أرادت إصدار الطبعة الأولى منه.. ضاعت حروفه تحت أقدام المقاومين.

وعملاً بمبدأ الاقتراح بالاقتراح المعدل، كان الرئيس نبيه بري يقف على زناد الصيغ المرنة في التبويب وذات المعادن الصلبة في الموقف الثابت.

بدأ اليوم التاسع للحرب (الخميس في 20 تموز) بأجواء استمرار التغطية الدولية للعدوان الإسرائيلي، حيث انعقد مجلس الأمن على وقع تسوية للنزاع أعلنها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان وتنص على تسليم الجنديين الإسرائيليين إلى السلطات اللبنانية ووقف إطلاق النار ونشر قوة لحفظ السلام في الجانب اللبناني من «الخط الأزرق». والجديد في كلام أنان كان الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي لوضع جدول زمني دقيق لتطبيق قرارات مجلس الأمن، لا سيما القرارين 1559 و1860.

هو تفويض دولي آخر لإسرائيل لكي تكمل حربها، مدعماً بموقف جون بولتون المندوب الأميركي في الأمم المتحدة برفض وقف النار والإصرار على إحداث تغيير في الشرق الأوسط.

بدأت إسرائيل تحضيرات توحي بأن حرباً برية واسعة النطاق ستقع، تواصلتُ مع الحاج حسين الخليل حول هذا الموضوع، وتوافقنا الرأي معاً على أن أي عملية من هذا النوع ستعطي فرصة لكي توقع خسائر كبيرة في الجيش الإسرائيلي ستؤثر سلباً على معنوياته، خصوصاً أن اعتماده على سلاح الجو حصر خسائره حتى الآن في القصف الصاروخي للمقاومة على الداخل الإسرائيلي.

وعلى الرغم من الكلام السياسي المتصاعد دولياً، اعتبر الرئيس بري أن أفضل موقف هو عدم التعليق سياسياً حتى نسمع بوضوح موقف إسرائيل، وأن التقدم الأهم هو تقلص الحديث عن نزع سلاح «حزب الله» وهذا تراجع مهم من قبلهم، فالمطلوب أن نبني خطوتنا التالية في التفاوض انطلاقاً منه.

في الليلة نفسها تحدث السيد حسن نصر الله عبر تلفزيون «الجزيرة» ليعطي معنويات عالية ويؤكد أن المبادرة أصبحت في يد المقاومة، وأكد على الهواء ما نقله الحاج حسين بأن القناة الوحيدة للمفاوضات حول الأسرى هي الرئيس نبيه بري، وأن المقاومة تستعد للمواجهة البرية.

لقاء دار الفتوى

يوم الجمعة في 21/7/2011 ومع سقوط جسر المديرج(صوفر)، أعلى جسر في الشرق الأوسط، كانت الوقائع الميدانية على الأرض تؤكد سقوط إسرائيل في مستنقع أعمق بفضل النتائج المهمة التي حققها المقاومون في مارون الراس، وهم يلتحمون في مواجهات مع قوات النخبة، وكانت المقاومة المباشرة لعناصر حركة «أمل» في المعركة.. والتي لم تغطها الغارات الآخذة في التوسع بلوغاً نحو بعلبك بعدما أفلس بنك أهدافها في الجنوب والضاحية في عدم القدرة على إسقاط أي قيادي في المقاومة.

شهد هذا اليوم تأبيناً جماعياً لجثامين 74 شهيداً في منطقة صور، تابعنا مع الرئيس بري تفاصيل معقدة لإتمام العملية من دون إشكالات نظراً إلى تداخل الاعتبارات المختلفة بعضها مع بعض، كان مشهداً بالغ الأسى عندما تجد نفسك بلا حول ولا طائل لك أن تلقي السلام الأخير على من أحببت وهو يوارى في الثرى، وكان بين الشهداء كثير ممن نعرفهم عن قرب.

كانت أميركا وعلى لسان وزيرة خارجيتها كوندليسا رايس تظهر صورتها راعية للقتل، وهي ترفض الحديث عن وقف إطلاق النار قبل التوصل إلى شروط معينة وأن ما يحصل هو آلام المخاض لولادة شرق أوسط جديد، مشددة على الدعوة إلى مؤتمر روما بعد أيام، يسبقه حضورها إلى المنطقة بدءاً من الاثنين (24 تموز)، وأكدت أنها ستلتقي رئيس وزراء لبنان فؤاد السنيورة الذي وصفته بـ«الرائع».

كانت تطورات الأيام السابقة قد أعادت فكرة انعقاد لقاء إسلامي في دار الفتوى سبق أن تقرر عقده من أجل إعلان موقف إسلامي موحد تجاه ما يحصل في العراق والبحث في إمكان الدعوة إلى انعقاد مؤتمر في بيروت للقيادات العراقية. وتقرر أن يشارك في اللقاء الرئيسان بري والسنيورة والمفتي الشيخ محمد رشيد قباني والشيخ عبد الأمير قبلان.

حصلت اتصالات وأعد مشروع بيان يصدره المجتمعون يوم الجمعة وافق عليه الرئيس بري، لكن عندما عُرض على الرئيس السنيورة تبين أنه سجل ملاحظات عدة يطلب فيها شطب جمل، مجرد التدقيق فيها يدل على نمط التفكير المتحكم في تلك اللحظة والذي يحاول الابتعاد عن تعبير المقاومة وحقها في الدفاع، وأضيف أيضاً للنص ما يتعلق بدعم الحكومة، لكن النقاش الذي حصل أخرج المسألة بصورة وحدوية وافق عليها الرئيس السنيورة بل إنه صرح بكلام جيد حول التضامن في مواجهة العدوان، بعدما كان قد سبقه الرئيس بري الذي أكد أن إسرائيل لن تستطيع تجاوز المقاومة ولا الدرع الجنوبية المحصنة بوحدة وطنية.

في هذا الوقت، كان وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي قد وصل إلى بيروت، واستقبله الرئيس بري عند الثانية عشرة والنصف ظهرا، وقد أبلغنا الرئيس بري أن لا علاقة لهم بالحل، وهم يحملون تمنيات ويرددون ما سمعناه بالأمس على لسان الأميركي (بولتون) في الأمم المتحدة، وما فهمته هو أنه في جو عدم توقف إطلاق النار لأن الأميركي لا يريد ذلك الآن ومصرّ على أن يأتي ذلك من ضمن صفقة شاملة.

الأمر الوحيد هو أن الفرنسي كان يبحث في تأمين ممر بحري آمن للمساعدات الإنسانية.

قال الرئيس بري إنّ بلازي لم ينس أن يذكّرنا بالقرار 1559 وإنه رفض هو أن يعلق على اقتراح كوفي أنان قبل وقف إطلاق النار

الحص ينصح السنيورة

وبينما كان بلازي يتابع جولته في بيروت، كان النائب سعد الحريري يلتقي الرئيس جاك شيراك في باريس حيث جاء تصريحه بعد اللقاء موقع تقدير في نقاشنا، لا سيما دعوته إلى عدم إلقاء مسؤولية الحرب على أحد من اللبنانيين وحرصه على وحدتهم، إلا أنه في المضمون السياسي تحدث مجدداً عن تسليم الأسرى الاسرائيليين إلى الحكومة اللبنانية.

استقبل الرئيس بري الرئيس الدكتور سليم الحص الذي أعلن أن أسوأ ما يحصل هو أن نواجه المجتمع الدولي بموقفين، واحد للحكومة وآخر للمقاومة، وأبلغ الرئيس بري أنه تحدث مطولاً مع الرئيس السنيورة ونصحه بأن يقيم جسر تواصل مع «حزب الله» وأن يكون الرئيس بري هو واسطته، فرد بري: أنا أعمل على هذا من دون أن يكلفني أحد وأعتبر أن أولى المهمات هي إبقاء صورة أن الموقف موحد.

فيلتمان يسعى الى دور

يوم السبت (22 تموز)، كانت معارك مارون الراس قد نقلت المعركة من السيطرة الجوية الإسرائيلية إلى إرباك كبير في البر، وأولى البلدات المحاذية للشريط مع فلسطين المحتلة والمكشوفة على تلة استطاعت أن تعيق اختراق العدو مع نخبة قواته وسقط للحركة واحد من قادتها المقاومين هو الشهيد هاني علوية الذي أثّر استشهاده فينا جميعاً.

استدعاني الرئيس بري إلى مكتبه وكان مجتمعاً مع السفير الأميركي جيفري فيلتمان وطلب شرح همجية الغارات الإسرائيلية على الجنوب، وتحديداً في بلدة الخيام، وسلمه صوراً عن حجم المجازر الإسرائيلية، تصفّح أولاها وأقفل الألبوم محاولاً نقل النقاش باتجاه آخر، وهي صور سيراها منذ هذا اليوم كل مسؤول أجنبي يلتقيه بري.

قال فيلتمان إن وزيرة الخارجية الأميركية كوندليسا رايس ستأتي يوم الاثنين على الأرجح، وإنه من المفيد أن يقدَّم لها شيء جديد تستطيع أن تحمله إلى إسرائيل لأن الحديث عن وقف إطلاق النار من دون عناصر إضافية سيكون هزيمة لإسرائيل لن تقبلها رايس، وبالتالي إذا كنتم جديين، فأكملوا الصورة بطرح متكامل.

أبلغنا الرئيس بري أنه لم يناقشه كثيراً لأنه فهم أن لا معطيات عنده ويريد أن يسجل دوراً له في إنضاج الأمور قبل وصول الوزيرة رايس، وقال الرئيس بري: ترك الأمور مفتوحة وأحسست بأن هناك شيئاً جديداً لصالحنا.

بعدها نقل السفير الإيطالي فرانكو ميستريتا تحضيرات مؤتمر روما يوم الأربعاء في 26 آب، ولم نكن قد اتفقنا على شيء بعد والصورة لم تتضح أساساً، حتى أن مجلس الوزراء الذي انعقد اليوم لم يتطرق إلى هذا الموضوع.

بعدما التقى الرئيس بري وزير الشؤون الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند بحضور السفير البريطاني جيمس وات، كما استقبل سفير العراق الذي نقل له رسالة من الرئيس جلال طالباني فيها عتب على توصيف الرئيس بري لبعض القوى المسلحة في العراق على أنها مقاومة، وكان موقفه خارج سـياق ما نناقشه في تلك اللحظة.

ثم كان لقاء موسع مع وفد إيراني صحي، تطرق الحديث فيه إلى معلومات إيرانية عن استعداد أميركي جديد للبحث في وقف إطلاق النار، وهي معطيات جعلت الرئيس بري يفكر في صياغة مشروع جديد للحل عله يكون مساعداً على الوصول إلى وقف النار.

بعد أن انتقلنا إلى مركز إقامة جديد أنا والشباب، وما إن رتبت أموري الخاصة حتى اتصل الحاج حسين الخليل عند الساعة الخامسة بعدما انقطعنا عن التواصل طوال يوم أمس بالكامل حيث التقينا قرب أوتيل «البريستول» وقمنا بجولة في شوارع بيروت وصولاً إلى حدود رأس النبع وعدنا باتجاه عين التينة.

بدأ الحاج حسين بحضور الرئيس بري ينقل معلومات السيد حسن نصر الله عن الأجواء الميدانية وبدايات المعركة البرية التي ستكلف الإسرائيلي الكثير مقارنة بخسائره حتى الآن.

تحدثنا عن صاروخ «زلزال» الذي تم اكتشافه في شاحنة في منطقة بشامون وعن إمكانات عسكرية أخرى كانت تصل في ذروة الحرب إلى مناطق الجنوب، كما تم التطرق إلى الحديث عن شبكات التجسس التي ضُبطت في أماكن الاستهداف في الضاحية وصولاً إلى وجود النازحين في المنطقة القريبة من عين التينة

قال الرئيس بري إننا بحاجة إلى التفكير بصوت عال، أن نطرح سيناريوهات حلول من دون أن يعني ذلك تبنيها بالكامل.

تشاورنا في الحدود المقبولة لتبادل الأسرى وما إذا كانت تقتصر على اللبنانيين أو تشمل فلسطينيين وعرباً، وما هي إيجابيات أن يسلم أحد الأسيرين إلى الجيش اللبناني مقابل الجثامين وأن ننتقل بعدها إلى التفاوض وفق وقت محدد بأسبوع.

كان التركيز على درس كل الخيارات الممكنة بما يحفظ مصالحنا في الوصول إلى وقف لإطلاق النار مع افتراض حاجة الآخر إلى القبول بها ثم كتابة الأفكار استعداداً للآتي.

ودّعت الحاج حسين الخليل واتفقنا على طرق اتصال بديلة في حال تعذر التواصل العادي، على أن يحصل هذا في أسرع وقت ممكن.

في صباح يوم الأحد (23 تموز) أرسل الحاج حسين مرافقه ليسلمني رسالة خطية منه تتضمن موقف السيد حسن نصرالله بعد مراجعته بما تم التداول به أمس (ربطاً)، وفيها أن يقوم الرئيس بري بصياغة الموقف الذي يراه مناسبا وفق تطور مسار المفاوضات، وعلى اساس الرؤية المشتركة المتفاهم عليها والتي تخدم الأهداف المتوخاة.

الفيصل في واشنطن مستبقاً زيارة رايس

في هذا الوقت، كانت إسرائيل تعزز قواتها البرية في محاولة لإحداث اختراق ما على الأرض تستعيد معه المبادرة، في وقت كان وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل يستبق زيارة رايس إلى بيروت بالانتقال إلى واشنطن والاجتماع بالرئيس الأميركي جورج بوش حاملاً أفكاراً مشتركة مع مصر حول تسوية شاملة مرتبطة بالوضع في مجمل الشرق الأوسط.

وصل الموفد الألماني بيتر ويتيغ يرافقه السفير في بيروت ماريوس هاس. حضرت اللقاء مع الرئيس بري. بدأ حديثه حول الموضوع الإنساني والمهجرين وكيفية استيعابهم (وهنا إشارة إلى أن الرئيس السنيورة كان قد طرح فكرة إقامة مخيمات للاجئين رفضها الرئيس بري رفضا قاطعا معتبراً أنها توحي بأن المشكلة ستدوم وأن هناك إمكانية لبقاء الناس بعد انتهاء الحرب وهي مؤشر سلبي).

شجع الرئيس بري الموفد الألماني على أن تقوم بلاده بدور ما، وأنهم يمكن أن يكونوا الوسيط الأوروبي الأفضل نظراً إلى خبرتهم في إدارة عملية التفاوض حول الأسرى وعلاقاتهم المفتوحة مع الأطراف المختلفة. لم يظهر أن الموفد يحمل تصوراً واضحاً لهذا الدور، فأسهب الرئيس بري في تحليل الوضع وفتح الأبواب للتشجيع مجيباً على كيفية تصوره للحل بأن بابه هو وقف إطلاق النار وكل الأمور الأخرى مفتوحة للنقاش.

بناء على طلب الرئيس بري، انتقلت مع الحاج عبد الله بري إلى مقر إقامة السيد محمد حسين فضل الله (في عين التينة)، وعرضنا له ما يحصل على المستوى السياسي وحركة الاتصالات القائمة، وكان مهتماً بالتفاصيل وكيفية إدارة المعركة ومرتاحاً، وعبر عن اطمئنانه الأكيد بأن النصر سيكون لنا.

في هذا الوقت، نُقل عن السفير الإيراني محمد رضا شيباني أن رئيس الوزراء الإيطالي رومانو برودي يعمل على وقف لإطلاق النار وأن السيد حسن نصر الله أبلغه أن ينقلوا التفاصيل إلى الرئيس بري، واتفقنا على أن يتحرك السفير الإيطالي باتجاه الرئيس بري.

لاحقاً أبلغني الحاج حسين أنهم أرسلوا إلى السيد علي لاريجاني باعتباره الوسيط، بما تم الاتفاق عليه، لكنهم لم يحصلوا على جواب، علماً أن الرئيس بري بادر لاحقاً إلى طرح مبادرة متزامنة مع انعقاد مؤتمر روما بعد أيام.

كان يوم الأحد حافلاً بالاتصالات التي أجراها أو تلقاها الرئيس بري على مستوى السفراء أو بالتواصل الخارجي، وكانت كل الظروف تشي برغم صعوبة التطورات الميدانية بأننا دخلنا مساراً سيكون لمصلحتنا على المستوى السياسي.

لاريجاني يلتقي الملك عبد الله

عند منتصف الليل ـ وكنت واعدت العائلة على اللقاء لنتفق على تسمية ابني الذي ولد قبل أيام ولم نتفق على تسميته بعد ـ تلقيت اتصالاً من الحاج حسين الخليل تواعدنا فيه على اللقاء في أحد مباني بئر حسن التي أعرفها، أبلغت الرئيس بري وانتقلت إلى هناك. كانت المسافة قصيرة لكنها مزعجة في ليل مدلهم لا ضوء فيه على الطرق أو في الأبنية، وبغياب تام للسيارات في الشوارع وشعور يلاحقك بأن طائرة MK فوق رأسك، كنت أقود السيارة بنفسي من دون مرافقة أحد، فوصلت إلى المكان والتقيت الحاج حسين ومعه شخصية إيرانية كانت ودودة ومتعاطفة.

نقلت الشخصية الايرانية التي زارت بيروت سراً، نتائج لقاءات علي لاريجاني مع الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز في الرياض، واستعداد الأخير لنقاش الملف اللبناني والبحث عن صيغة تسوية للمساعدة، لكنه ذكر أن الملك غير مرتاح إلى موقف «حزب الله» والسيد حسن نصر الله تحديداً، وكان البحث بينهما حول كيفية تنظيم علاقة لا تصل فيها الأمور إلى رسم واقع جديد في المنطقة وأساساًَ ابتعاد العرب عن إيران.

كان نقاش موسع حول مجريات الأمور الميدانية والسياسية وعلاقة التنسيق القوية بين «حزب الله» وحركة «أمل»، والاستعداد للمواجهة البرية التي تجعل من سلاح المقاومة سلاح مواجهة أكبر منه سلاح ردع.

عدت باتجاه عين التينة مستخدماً طريق السفارة الكويتية وكانت الطائرات تقصف مواقع على أبواب الضاحية، ما جعلني أستخدم أقصى سرعة لأصل إلى كورنيش المزرعة وأقف جانباً لأستريح قليلاً.

بري يرجئ الحوار الوطني

جاء اليوم التالي (الاثنين 24 تموز 2006)، أكثر زخماً وشكل فاتحة لتبادل الأفكار محلياً حول ما سيحصل في مؤتمر روما الذي تأكد انعقاده وتبين أن النقاش فيه سيتحول من مساعدة لبنان إنسانياً وخدماتياً إلى البحث السياسي، ما يتطلب استعداداً استثنائياً، فيما شكل وصول وزيرة الخارجية الأميركية كوندليسا رايس إلى بيروت مع كل تفاصيل ما طرحت، محاولة التعاطي بمنطق أنها من يدير الأمور وترسم مسارها، غير أن معطيات الأرض كانت تؤكد تجاوز الشروط الإسرائيلية التي أتت رايس من أجل تسويقها.

بدأ الرئيس بري نهاره بإصدار بيان يعلن فيه تأجيل جلسة الحوار الوطني التي كان مقرراً انعقادها في اليوم التالي، وبدت علامات التأثر عليه لأن مشهد الحوار كان سيشكل أكبر رد على العدو وانهزام مشروعه، بيد أن الاختلاف في وجهات النظر حول العدوان فوّت هذه الفرصة، وكان الخوف حاضراً في أي نقاش أو لقاء، وهذا ما دفع الرئيس بري أكثر من مرة إلى تجنب عقد اجتماعات عامة لقوى وتيارات حتى لا يستدرج الانقسام.

على هذه الخلفية، استقبل الرئيس بري السفير السعودي في لبنان عبد العزيز خوجة الذي بادره الرئيس بالقول: يمكن أن نختلف في الرأي حول الموقف من الحرب لكن هذا لا يفسد ود العلاقات وضرورتها.

رد خوجة بأن موقف السعودية واضح في رفض العدوان على لبنان وإدانته.

قال بري: ما يهمني في هذه اللحظة هو عدم الوقوع في فخ التصنيف المذهبي وكأن وجهات نظر الطوائف متناقضة، فلنبقِ الأمر في إطار الخلاف السياسي، ولكم دور مهم جداً على هذا الصعيد نظراً إلى موقع المملكة في لبنان والعالم العربي.

كان الرئيس بري يعي تماماً أثر هذا اللقاء على الجو الإسلامي العام.

في حلقة السبت المقبل:

رايس لبري: «الأسيران الإسرائيليان موضوع غير مهم الآن»… وبري يرد: «كل الجنوب يقاتل ولن تنتصروا».

———————————–

«سلة رايس»: وقف للنار وانسحاب المقاومة وانتشار «المتعددة».. وعودة المهجرين مؤجلة بري يسأل: ماذا عن الأسيرين الإسرائيليين.. والجواب الأميركي: «هذا أمر غير مهم الآن»! نصر الله لبري: نراهن عليك وسنخرج مرفوعي الرأس ونوافقك أن ما تطرحه رايس مشروع حرب

صفحات مجهولة من حرب تموز كما يكشفها نبيه بري ويرويها علي حسن خليل 6

لو أُخذت عينات جزئية من حرارة ارض وسماء عين التينة في اليوم الثالث عشر لحرب تموز 2006 لسجلت معدلات لا تلتقطها مراصد الضغط الجوي ولن تلمحها عيون المدعو «ريختر» القابض على رصد الأرض وما تحتها.

لقد أمضت كوندوليسا رايس بضع وقت في عين التينة التي استبدلت أسمها آنذاك بعين العاصفة، وبخلاف ورد السرايا وأحمره، فإن آنسة الخارجية الاميركية لم تجد في قصر الرئاسة الثانية سوى شوك الرفض لطروحات صيغت على شكل مشروع حرب «يطير البلد» وفقاً لتوصيف الرئيس نبيه بري.

واذا كانت هذه الحلقة ستضرب عميقاً في الصياغات الأميركية وما تلاها من ردود لبنانية فإن بين سطورها سطور لم تُقرأ من قبل، وبخط سيدٍ خطّ سير المعركة التي كانت قد بلغت أوجها في مربع بنت جبيل ـ مارون ـ عيثرون ـ عيناثا.. وباقتحام المقاومين لمستعمرة «أفيفيم».

صفحة واحدة بتوقيع «أخوك حسن»، جمعت عنفوان اللحظة معطوفاً على رهان النصر والمُطعّم بثقة «ممتازة للمجاهدين في الميدان» ومثلها ثقة «ممتازة» بالمجاهد السياسي نبيه بري الرجل الذي قارع رئيسة الدبلوماسية الأميركية بلا قفازات.. منزوع الحفاوة كباقي السرايات، محاولاً التعويض بالمكاسب السياسية عن مشهد عوكر الآخذ بالمراهنات الخاسرة… ولو أن هناك من يقول إن ما قالته رايس كان ألطف بكثير مما قاله بعض لبنانيي ذلك الزمن.

انتهت زيارة رايس وتوجّهت الى إسرائيل لأخذ التقارير من غرفة عمليات عمير بيريتس السوداء في تل أبيب، فيما بدأنا في بيروت، رحلة الاستعداد لمؤتمر روما الذي رسمت له وظيفة سياسية، وقررنا، في غرفة عمليات عين التينة، تعديلها بموقف لبناني موحّد.

انه يوم الاثنين في 24/7/2006. يجري الرئيس نبيه بري لقاءات عادية مع مجموعة من الشخصيات بينها السفير السعودي في بيروت عبد العزيز خوجة، نقل إليه وزير الخارجية فوزي صلوخ أن السفير الأميركي جيفري فيلتمان زاره وأبلغه أن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليسا رايس ستصل اليوم إلى بيروت وأنها تودّ لقاءه بعد زيارتها الرئيس فؤاد السنيورة في السرايا.

لدى وصولها إلى السرايا الحكومية في الساعة الثانية والدقيقة العاشرة، كان الرئيس بري في مكتبه، وكنا في المكتب المجاور له، ناديناه ليراقب مشهد وصول رايس تلفزيونياً، وكان الوزير فوزي صلوخ في انتظارها مع مسؤولي القصر الحكومي، استغرب الرئيس بري لماذا لم تنزل من السيارة وبقيت لوقت أثار الحيرة التي انجلت مع وصول السنيورة حيث ترجّلت ومعها مساعدها ديفيد ولش. لم يستطع الرئيس بري إكمال رؤية هذا المشهد، دخل المكتب وتبعناه، قال لنا «من المؤسف أن نرى هذا، لا يجوز في هذه اللحظة أن نستخفّ بمعنوياتنا، إنها إهانة لكل اللبنانيين»، ورفض لاحقاً تبرير صلوخ بأنها تعتبر نفسها الوزيرة الأولى وهي بمرتبة رئيس حكومة.

في السرايا، كما بلغنا من أحد المشاركين في اللقاء، أكدت رايس تعاطفها مع اللبنانيين ونقلت من الرئيس الأميركي جورج بوش ومنها شخصياً «الدعم القوي للحكومة ولدور الرئيس السنيورة الشخصي»، الذي توسّعت في شرحه ومدى انسجامه بحسب رأيها مع المصلحة اللبنانية، خصوصاً ما يتعلق بفرض السيادة اللبنانية وفق مفهومها والتي تؤمن سلاماً دائماً مع إسرائيل بحسب تعبيرها، كما أشارت إلى أنه لا وقف للنار من دون مجموعة خطوات تؤدي إلى تنفيذ القرارات الدولية لا سيما القراران 1559 و1680.

ووفقاً للمشارك نفسه في اللقاء، قالت رايس إنهم يدرسون مقترحات وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل التي نقلها إلى واشنطن، وسألت عن رأي السنيورة بها، معتبرة أن جزءاً منها يمكن تضمينه في أعمال مؤتمر روما التي لا تريد أن يبقى اهتمامه محصوراً بالشؤون الإنسانية ليتوسع إلى الشأن السياسي بالارتكاز إلى ما قررته الدول الثماني في بطرسبورغ.

ونقل المشارك أيضاً أن السنيورة أشار إلى أولوية وقف إطلاق النار وشرح تفصيلياً الوضع الإنساني الصعب.

استقبال رايس في عين التينة «حسب الأصول»

قبل أن يحين موعد وصولها إلى عين التينة، نادى الرئيس بري مدير المراسم في مجلس النواب علي حمد وكلفه أن يقوم بواجب الاستقبال وحده من دون أن يشاركه أحد، وبقي جالساً في مكتبه الخاص الذي لم يغادر بابه حتى وصولها مع الوفد المرافق الذي ضمّ السيد ولش والسفير فيلتمان وعدداً كبيراً من الدبلوماسيين والضباط الأميركيين، وكانت هذه إشارة من الرئيس بري تشكل رداً على ما حصل في السرايا وفيها من المضمون الذي يفهمه أعضاء الوفد الأميركي جيداً.

بعد كلام عام، بدأت رايس بتقديم طرحها، مشيرة إلى أنه «سلة واحدة متكاملة» و«يشكل الفرصة الوحيدة للتسوية في هذه اللحظة» ويتضمن الآتي:

ـ وقف إطلاق نار متلازم مع انسحاب «حزب الله» إلى شمال نهر الليطاني.

ـ إقرار قوات متعددة الجنسية تنتشر مع الجيش اللبناني وتستلم المنطقة حتى الحدود (تساؤل حول التجديد لقوات الطوارئ الدولية لمدة شهرين لحين تجهيز القوة).

ـ نقاط دولية على الليطاني لمراقبة تقدّم «حزب الله».

بعد هذه الخطوات، يطمئن الأهالي ويعودون إلى قراهم مع استتباب الوضع وتبدأ عملية إعادة البناء.

كان الرئيس بري يستمع إلى عرضها إلى النهاية من دون أن تأتي على ذكر الأسيرين الإسرائيليين أو مزارع شبعا، شعر الرئيس بضيق لكن من دون أن يُظهر ذلك وسارع إلى الرد: «ما تطرحينه مشروع حرب وليس مشروع حل، بالصيغة التي طرحت يطير البلد. هذا لن يحصل، هل تعرفين أن هناك 800 ألف مهجر خارج بلداتهم».

ثم بدأ الرئيس بري بعرض تفاصيل عن المجازر الإسرائيلية وصولاً إلى تقديم خطة على مرحلتين:

المرحلة الأولى:

ـ وقف إطلاق نار شامل.

ـ إجراء تبادل للأسرى في أسرع وقت.

ـ عودة المهجرين.

المرحلة الثانية:

ـ البحث في كل الاقتراحات الأخرى التي قدّمتموها بكل جدية.

واستكمل الرئيس بري شارحاً لها مخاطر وصعوبة أن يبقى المهجرون إلى مرحلة متأخرة من الحل وتعقيدات هذا الأمر وخطره على الوضع الداخلي اللبناني، مبيناً بعض التفاصيل.

رايس: هذا الطرح غير وارد، وفي كل الأحوال إن موضوع الجنديين الإسرائيليين الأسيرين أمر غير مهم الآن.

عند سماعه هذا الكلام، أدرك الرئيس بري أنها تحاول الإيحاء بوضع مريح لها وللإسرائيلي وكانت تعكس بوضوح أن الحرب السياسية هي أميركية وليست إسرائيلية وأن مهمتها هي تغطية العدوان.

أشاح الرئيس بري بوجهه عنها وبعيداً عن الوفد ومدّ رجليه بطريقة أوصلت الرسالة إليها مباشرة، حيث بادرت إلى القول: «وكأنك لا تريد متابعة النقاش».

«استدركتُ ـ يقول الرئيس بري ـ بعدما تأكدتُ أنها انزعجت وأن ما أردته قد حصل وقلت لها: «على العكس نحن نريد الحل، لكنا لسنا في وارد التسليم بما يريده الإسرائيلي، أنا أكيد أن معلوماتكم عن الوضع خاطئة، أو أنكم لا تريدون أن تصدقوا الحقيقة، وللتذكير، لقد احتللتم العراق خلال ثلاثة أسابيع وكان يملك أكبر جيش في العالم العربي، والآن يُقال إن هناك نحو 14 ألف مقاوم، ومنذ ثلاث سنوات وأنتم تواجهون وتخسرون، فلماذا لا تنتصرون، إنها طبيعة المقاومة الشعبية».

أضاف بري مخاطباً رايس «هل تعتقدون أن «حزب الله» وحده يقاتل في الجنوب، كل الجنوب يقاتل، حتى التراب، أنا كرئيس لحركة «أمل» أقول لك إن الحركة في صلب المعركة، صدقيني لن تنتصروا».

«كنت أقصد، يقول الرئيس بري، أن أخاطبها بصفة الشريكة المباشرة في المعركة ضدنا».

رايس: العالم كله يقف معنا بما فيه العالم العربي، وهم يريدون نزع سلاح «حزب الله».

برّي: إنك تتحدثين عن رأي الحكام العرب، أما الشعوب فإنها تستعيد مع المقاومة صورة الوضع أيام جمال عبد الناصر.

وقال لنا الرئيس بري إنه تعاطى معها بتجاهل لاحظته الوزيرة الأميركية بالتأكيد.

ووجّه الرئيس بري بعد ذلك، وعن قصد، خطابه إلى السفير جيفري فيلتمان وطلب منه تعليقاً على كلامه، لكن فيلتمان لم يتجرأ على الردّ بحضورها وبقي صامتاً ينظر إلى الرئيس بري ثم إليها وهو يخفض عينيه.

يقول الرئيس بري «بادرت للقول لرايس بعد أقل من دقيقة صمت والتوتر مخيم على جو الوفد: أفهم أنك لا تريدين بحث موضوع الجنديين لأنكم تريدون إعطاء فرصة لإسرائيل علها تستطيع أن تقضي على المقاومة، إنه وهم ستكتشفونه لاحقاً وعندها ستعرفون معه مدى خسارتكم».

استدرك بري «بكل الأحوال، ماذا بشأن مزارع شبعا»؟

رايس: هناك حل للموضوع.

بري: لكني لم أفهم، ما هي صيغة الحل؟

بدت رايس متردّدة ولم تقدم جواباً واضحاً، وأوحت بلغتها وكأنها تقول «لعم».

ناقشها الرئيس بري في أهمية الموضوع، وبعد جدال وشرح التفتت اليه وقالت: «ok سأذهب إلى إسرائيل لمناقشة الأمر».

يضيف الرئيس بري: «لم أفهم كيف ربطت رايس الأمرين ببعضهما، وهل وافقت على رأيي أم لا، وقبل أن أسأل عادت وقالت: يمكنك القول أو الأخذ بكلمة yes»!

عندئذ، عاد الرئيس بري إلى الموضوع الأساسي وكرر موقفه قائلاً إن الخطة كسلة واحدة لن تنجح، لأنه من غير المعقول وربما للمرة الأولى في التاريخ، نريد أن ننهي نزاعاً من دون وقف إطلاق النار والمجازر على مستوى الوطن، هذه قصة لن تنجح، وأنا على ثقة أن إسرائيل لن تنتصر، ولا أعتقد أنك تتصورين أنها ستنتصر». ردد الرئيس بري هذا الكلام أكثر من مرة وكان يقابله صمت من كل الموجودين مع رايس.

وبطريقة خاطفة انتقل الحديث بين الرئيس بري ورايس عن سوريا وإيران، وقالت الوزيرة الأميركية: «نحن لا نتكلم معهما، غيرنا يقوم بهذا». ثم سألت: هل يمكنك أن تساعد على الحل؟

قال الرئيس بري لها: «بالتأكيد أريد أن أساعد على الحل، ولكن بالطريقة التي طرحت لا إمكانية لنجاحها، بصراحة لن تنجح»… وبعد ذلك وقف الرئيس بري بطريقة أعطت إشارة نهاية الاجتماع.

وقفت رايس مع الوفد بسرعة وغادرت نزولاً على السلالم ولم يكن الرئيس بري في وداعها، كما دخلت.

رايس لبري: «الانسحاب من المزارع ضمن سلة الحل»

بعد خروجها بوقت قصير، اتصل الوزير فوزي صلوخ ليقول للرئيس بري إن رايس اتصلت به وقالت له: «ربما لم أوضح تماماً للرئيس بري، أتمنى عليك أن تبلغه أن مسألة الانسحاب من مزارع شبعا من ضمن سلة الحل التي اقترحتها».

هذا الموقف نقله أيضاً السفير ديفيد ولش إلى علي حمدان عند خروج الوفد الأميركي من عين التينة.

بعد موعد رايس، كان حديث للرئيس السنيورة إنه يفكر في عقد جلسة لمجلس الوزراء كي يبحث صيغة المبادرة ولنقاش ما يمكن أن يحصل في مؤتمر روما.

غادرت رايس إلى إسرائيل وكان واضحاً أنها تريد الذهاب إلى هناك لترى حقيقة الوقائع الميدانية ولتتابع المجريات وكم من الوقت تريد إسرائيل في معركتها حتى تؤمن لها التغطية السياسية.

خلال مباحثات رايس في بيروت، كانت المقاومة تخوض مواجهات عنيفة على محور بنت جبيل – مارون الراس أوقعت الكثير من القتلى والجرحى بين جنود العدو ودمّرت أربع دبابات «ميركافا» واستطاع المقاومون خرق الحدود باتجاه مستعمرة «أفيفيم»، وكان هذا الوضع هو أفضل ما يمكن أن يحصل للمقاومة حيث أصبحت الأمور في الملعب الذي تستطيع فيه تسجيل الأهداف جيداً.

رسالة «السيد» لبري: رهاننا دائماً عليك

بعد خروجي من عين التينة، اتصلت بالحاج حسين الخليل ووضعته في أجواء اللقاء مع رايس وما حصل بالتفصيل والطروحات المتبادلة.

عند الساعة الحادية عشرة والربع اتصل الحاج حسين، فتواعدنا على اللقاء في عين التينة، عدت بسرعة حيث وصل عند الساعة 11:45 وقال إنه نقل الأجواء لسماحة السيد حسن نصرالله ويحمل منه الرسالة الخطية التالية:

«بسمه تعالى

أخي العزيز الحاج حسين دام حفظه

السلام عليكم

أرجو أولاً إبلاغ سلامي لدولة الرئيس بري وجدد له القول إن رهاننا عليه دائماً، وإن شاء الله سنخرج سوياً مرفوعي الرأس من هذه المعركة.

أنا أوافقه الرأي فيما طرحته رايس، هذه شروط مذلّة لا يمكن أن نقبل بها، لكن من الواضح أن هذا هو السقف العالي لهم وهذه بداية المفاوضات. حسبما فهمت من رسالتك أنها لم تتحدث عن نزع سلاح المقاومة من حيث المبدأ، وكذلك وجود حل لمزارع شبعا وكلتا النقطتان في مصلحتنا أما بقية الطرح وبهذا الشكل هو سيئ جداً. أعتقد أنها تريد أن تعطي للإسرائيلي فرصة أسبوع أو عشرة أيام إضافية قبل أن تعود إلى المنطقة، وسيبدأ سقفهم بالهبوط إن شاء الله.

إن طريقة تصرف الرئيس بري التي ذكرتها لي ممتازة وهي تقدم انطباعاً صحيحاً أننا أقوياء ولسنا خائفين ولا مستعجلين. فبعد كل هذه التضحيات لا نقبل أن نخسر كرامتنا.

أرجو أن تؤكد للرئيس بري أن الوضع الميداني ما زال ممتازاً وأن معنويات المجاهدين عالية جداً خصوصاً بعد توفيقات اليوم. طبعاً كما قلنا في أول يوم نحن لا نتعهد أن لا تسقط هذه القرية أو تلك لكن المهم هو الكلفة للإسرائيلي وهو ما سيجعله يصرخ إن شاء الله.

فيما يتعلق بالحكومة، الإخوة يجب أن يقفوا ويجب أن يكون نفس الموقف الذي عبّر عنه الرئيس بري مع رايس وأي تسويات لا تتم في الحكومة وإنما يتكلم السنيورة مع الرئيس بري ونحن ننسق مع بعضنا وليست الحكومة هي المكان المناسب للنقاش الجدي أو التسويات.

أنا أقترح على الرئيس بري أن يضع الرئيس لحود في الصورة، خصوصاً في مجلس الوزراء ومواقفه المعلنة جيدة وداعمة.

سلامي للجميع

أخوك حسن».

شكر الرئيس بري السيد حسن على رسالته وقال:

«أنا كنت واضحاً برفضي طرح رايس، ولو أن الحزب يقبل، ولن يقبل، لما قبلت أنا.

إن الرئيس السنيورة يحاول أن يطرح الأمر في مجلس الوزراء ويجب أن نكون منفتحين على النقاش، لكن علينا أن لا نقبل بأي شكل السلة الكاملة التي تطرح، خصوصاً ما يتعلق بموضوع القوة المتعددة الجنسيات وتأخير عودة المهجرين، وإن ما طرحته من مرحلتين هدفه أن نعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل 12 تموز وبعدها نناقش على راحتنا كل المسائل.

لقد اتصلت بكل من الرئيس إميل لحود والجنرال ميشال عون وسماحة السيد محمد حسين فضل الله وسماحة الشيخ عبد الأمير قبلان ووضعتهم في الأجواء.

إن نقاط الضعف عندنا هي في أجواء 14 آذار وبشكل خاص الرئيس السنيورة والنائب سعد الحريري لأنهما الأساس. إن هذه النقطة يجب أن تواجه في مجلس الوزراء من دون أن نصل إلى انسحاب أو استقالة وأن لا نصل إلى التصويت، لدينا مؤتمر روما أيضاً وبرنامجه وعلينا أن نعتمد الأمر نفسه، وهنا دور مهم للرئيس لحود، ومن جهة أخرى هناك الموقف العربي وهذا أمر يجب أن نعمل عليه بأي شكل ولنرى ماذا يستطيع أن يفعل الأصدقاء، السوري، الإيراني، هم يعرفون أكثر حدود حركتهم. اليوم التقيت السفير السعودي عبد العزيز خوجة، وتحدثت معه وكان الجو إيجابياً».

انتهى اليوم، وخلاصته أن الموقف الميداني جيد، ووضعنا أكثر صلابة في التنسيق والمتابعة وإدارة الملف، وان رايس فهمت تماماً انها امام وضع مختلف عما اعتقدته عند مجيئها وان صلابة الموقف ستفرض عليها اعادة النظر بالحسابات. توافق ذلك مع ما نقله صحافيون رافقوها اعتبروا ان اللقاء الاهم في بيروت كان مع الرئيس بري. اليوم ايضاً حمل مراهنات من 14 آذار على أمور بقيت من دون إعلان وإن همس بها البعض امام رايس. وفي الوقت نفسه، بدأ الاستعداد لمؤتمر في روما، ظاهره إنساني ومراده تحقيق مكاسب سياسية لإسرائيل، استنفرنا من أجل أن نصوغ لمواجهتها موقفاً لبنانياً موحداً».

في حلقة الاثنين المقبل:

بنت جبيل تتحول إلى ملحمة.. ونصر الله يطلق معادلة «ما بعد حيفا».. وبري يعلن مبادرة جديدة والحكومة تستعد لمؤتمر روما

———————————–

يلتمان لبري: المطلوب نرع سلاح “حزب الله” جنوب الليطاني.. وليس انسحابه شمالي النهر مؤتمر روما بداية إشكال سياسي مع السنيورة… وبري يطرح حلا بضمانة الإيطاليين

صفحات مجهولة من حرب تموز كما يكشفها نبيه بري ويرويها علي حسن خليل 7

قديماً كانت كل الطرق تؤدي الى روما وفي حرب تموز نقلت روما مقر أقامتها إلى واشنطن أو هكذا رصد الرئيس نبيه بري حركة الملاحة السياسية في مناخ رفعت فيه كوندليسا رايس من حرارة قرارها السيادي على اسرائيل.

هي روما التي اجتمع فيها العالم على نية اسرائيل… وعلى شاكلة برجها المائل، مالت الطروحات من دون أن تسقط.

عصف فكري خاضته الدول الغربية بوفودها وملائكتها اللبنانيين، قلوبهم على إسرائيل وقلبنا على وطن.

يطل «الناتو» من نقطة ثم تتسلل القوات المتعددة الجنسية من مسارب أخرى.. مفتاح الحل كان بالنسبة لهم تسليم الأسيرين، وستون الف عام على وقف إطلاق النار وعودة النازحين والمعتقلين اللبنانيين وخرائط الألغام..

مشينا في حقل ألغام.. اسرائيل تفاوض «الآنسة» باسمها.. ولبنان تحميه نباهة «الأستاذ».

لم يكن يفوت شاردة أو واردة. موفدون وسفراء وتدقيق بالموقف العربي والاسلامي. أخذ ورد مع السنيورة وخطوط مفتوحة مع كل القيادات المحلية. حيز خاص للتنسيق اليومي مع «حزب الله».. وإدارة المعركة الاعلامية، حيث لم يكن الرئيس بري يبخل بموعد صحافي ولكنه كان يختار من أين يطل وما هي الرسالة التي ينبغي أن تصل لمن يعنيهم الأمر.

كنا نجده سارحا من خلال النافذة الغربية لمكتبه، صوب البحر، بثيابه «السبور» والسبحة لا تغادر يده. قدمنا إليه تقريرا حول بعض الوقائع الميدانية… وكان جوابه أن جزمة كل مقاوم في مارون وبنت جبيل والخيام وعيتا الشعب تعيد صنع تاريخ جديد للعرب والمسلمين.

شكل وصول وزيرة الخارجية الأميركية كوندليسا رايس إلى إسرائيل زخماً كبيراً لاستمرار حربها على لبنان، حيث كانت واضحة في حديثها عن دعم العمليات العسكرية، متوقفة فقط عند عدم إطاحة الحكومة اللبنانية، ومركّزة على تسوية ثابتة وطويلة تشكل أساس السلام مع إسرائيل، ومعلنة أن قلبها وفكرها مع الشعب الإسرائيلي الذي يعاني الإرهاب والصواريخ، متناسية المجازر الإسرائيلية على مساحة لبنان.

حاول الرئيس فؤاد السنيورة أن يصوغ موقفاً ينقله إلى مؤتمر روما الذي أصبح واضحاً أن له استهدافات سياسية، وأن رايس تريد جعله منصتها لتسويق خطتها التي اتفقت عليها مع الإسرائيليين.

كان الرئيس السنيورة مقتنعاً بفكرة رايس حول استدعاء قوة متعددة الجنسية لمهمات قتالية لكنه حرص على أن تكون بغطاء الأمم المتحدة ولو تحت الفصل السابع، الا ان اتصالاته بعد ظهر الاثنين مع الرئيس نبيه بري ومتابعته لمواقف الأطراف الداخليين أفضت إلى تكوين صورة رافضة لأي قوة دولية خارج قوات الطوارئ الدولية ووفق مهامها الحالية.

أوفد الرئيس السنيورة إلى عين التينة بعد ظهر الثلاثاء في 25/7/2006 مستشاره محمد شطح الذي كان عملياً وزير خارجية السنيورة وفريق 14 آذار والأكثر تشدداً في هذا الفريق لجهة توظيف الحرب القائمة سياسياً لخلق واقع داخلي جديد. وصل شطح إلى عين التينة – وكنت حاضراً – وكان يحمل تصوراً لكلمة الرئيس السنيورة في روما وفيها:

1- إعلان وقف كامل وفوري لإطلاق النار بالتزامن مع تسليم الأسيرين الإسرائيليين إلى السلطة اللبنانية والسماح للصليب الأحمر بزيارتهما.

2- الاتفاق على:

العمل على إطلاق الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية بواسطة الصليب الأحمر.

انسحاب القوات الإسرائيلية إلى خلف الخط الأزرق.

يتعهد مجلس الأمن الدولي بوضع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا تحت مظلة الأمم المتحدة حتى ترسيم الحدود وبتّ لبنانيتها بصورة نهائية.

تسلم إسرائيل إلى الأمم المتحدة ما تبقى من خرائط الألغام.

3- يتم بسط سلطة الدولة اللبنانية كاملة على الأراضي اللبنانية حتى الحدود الدولية بواسطة القوى الأمنية.

4- تعزيز القوات الدولية وتوسيع نطاق عملها ومهامها.

5- تتخذ الأمم المتحدة الإجراءات اللازمة لتثبيت اتفاقية الهدنة والبحث في تطوير أحكامها.

6- تتعهد الأسرة الدولية بدعم لبنان لإعادة إعمار ما تهدم ولإعادة بناء اقتصاد وطني.

استمع الرئيس بري وسجلنا ما طرحه شطح وبدأ بالتعليق عليه قائلا:

أولاً، في الشكل:

على الرئيس السنيورة أن ينتبه إلى كيفية خروجه من بيروت لأن أي إذن من الإسرائيلي سيخلق مشكلة في الجو الإسلامي واللبناني عموماً.

ثانياً، في المضمون:

1- علينا الفصل بين وقف إطلاق النار وتسليم الأسرى إلى الدولة، حيث نؤكد على وقف إطلاق النار ونحدد فترة زمنية للتبادل أسبوعاً كحد أقصى، ويكون التفاوض من خلال الحكومة اللبنانية ونحن نلتزم إنجازه في هذا الوقت، ومن دون الإشارة إلى تسليمهما للسلطة اللبنانية.

2- إعطاء عودة المهجرين الأولوية، حيث تتلازم مع انسحاب إسرائيل إلى خلف الخط الأزرق.

3- التحدث بصراحة عن انسحاب إسرائيل من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وتسلم إلى قوات الطوارئ الدولية حتى إتمام عملية التحرير، مع حق أهلها في العودة إليها فور الانسحاب، ومع رفض الحديث عن تثبيت لبنانيتها لأن هذا أمر محسوم بالنسبة إلينا.

4- في ما يتعلق بتعزيز قوات الطوارئ، لم أفهم بدقة ما هو المقصود، علينا أن نكون واضحين برفض قوات متعددة الجنسية بتفويض أو بغير تفويض وبالتأكيد رفض الحديث عن قوات لحلف الأطلسي، أما زيادة عدد قوات الطوارئ الدولية فلا مشكلة بها على الإطلاق.

في كل الأحوال، أضاف الرئيس بري، أنا عند رأيي بأن نجزئ الحل إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى: وقف إطلاق النار – تبادل الأسرى – عودة المهجرين.

المرحلة الثانية: كل البنود الباقية.

وهذا الطرح، أضاف بري، هو نتيجة الخوف من عرقلة بعض النقاط والوقوف عندها وتأخر عملية التنفيذ وبقاء الأمور مفتوحة.

أعاد د. شطح التركيز على أن المفتاح هو تسليم الأسرى إلى السلطة اللبنانية.

رد الرئيس بري بسرعة: يمكن الرئيس السنيورة أن يتعهد هناك أنه بعد وقف النار ننجز العملية في غضون أسبوع، وأنا أرتب الأمر مع «حزب الله». بمعنى أنه إذا اتفق غداً الأربعاء في المؤتمر على وقف النار تكون العملية منتهية الأربعاء المقبل.

قال شطح: لا أعتقد أن هذا يمشي، ولكن في كل الأحوال، سأتحدث به مع الرئيس السنيورة. ولكن ماذا عن القوة الدولية؟

رد بري: إذا طرحوا قوة متعددة فلتكن في الطرف الآخر من الحدود، داخل فلسطين.

غادر شطح لإبلاغ السنيورة واستكمال البحث.

فهم الرئيس السنيورة الرسالة التي حملها د. شطح ورسم خطاً لخطابه في روما حمل في بعض الجوانب تجاوباً مع ما قدمه الرئيس بري من دون أن يلتزم به بالكامل، ووزع كلمة موجهة إلى اللبنانيين لكنه عبّر عن تشاؤمه من التوصل إلى قرار بوقف إطلاق النار.

فيلتمان: رايس ستعود الى بيروت

في هذا الوقت، كان السفير الأميركي في بيروت جيفري فيلتمان قد طلب موعداً مستعجلاً مع أنه كان مشاركا في اجتماع الاثنين 24 تموز مع رايس، وعند وصوله الى عين التينة، حاول أن يعكس أجواء إيجابية ومتطورة عن لقاء البارحة. وطرح الآتي:

[ إن موضوع الانسحاب من مزارع شبعا شبه منته، وأن الإسرائيليين يبدون استعداداً للانسحاب (لم يكن يحمل جديداً لأن رايس أبلغت الوزير فوزي صلوخ هذا الكلام أمس).

[ إن مطلب انسحاب «حزب الله» إلى شمالي نهر الليطاني لم يعد مطروحاً، بل المطلوب هو نزع سلاحه في منطقة جنوب النهر.

وأبلغ أن رايس ستعود إلى بيروت بعد انتهاء أعمال مؤتمر روما.

استمع الرئيس بري الى فيلتمان ولم يعلق، وأكد له اقتراحاته في اللقاء مع رايس، ولكن ما لفت انتباهه هو كيف أن الإسرائيلي يرسل استعداداً للانسحاب من مزارع شبعا في وقت يشكك بعض اللبنانيين بحق لبنان فيها ويطالبون بأن تثبت لبنانيتها.

بعد فيلتمان، التقى الرئيس بري السفير الفرنسي برنار إيمييه بحضور د. محمود بري، وتبين أنه لم يحمل أي مشروع جديد، بل تكرار للموقف السابق المتميز في الشكل لكنه في العمق هو الموقف الأميركي نفسه حيث لا اختلاف بينهما، برغم جهد السفير ايمييه في عكس استقلالية ما، وناقش التحضيرات لمؤتمر روما.

مؤتمر روما: بداية إشكال مع السنيورة

صباح الأربعاء في 26 تموز 2006، يوم انعقاد مؤتمر روما، سألني الرئيس بري إذا كان قد حصل شيء جديد بخصوص دور لإيطاليا، خصوصاً أن السفير الإيطالي في بيروت غبريال كيكيا، لم يطلب موعداً حتى الآن، فأبلغته أن لا شيء جديداً وأنه لم تحدد لائحة بأسماء الأسرى وجثث الشهداء لنكون مستعدين لعملية تبادل.

كانت الأنظار متجهة إلى المؤتمر الذي بدا منذ ما قبل انعقاده أنه محكوم بالسقف الذي رسمته كوندليسا رايس، وفيه تغطية لإسرائيل من أجل استكمال حربها.

أثناء انعقاد المؤتمر، التقى الرئيس بري وفداً من وسائل الإعلام الإيطالية وقدم مشروعاً للحل بواسطة إيطاليا، وأبدى الاستعداد لتنفيذه خلال أسبوع أو أيام أو خلال يوم واحد، ويقوم على:

وقف فوري لإطلاق النار.

ترعى إيطاليا عملية تبادل الأسرى في يوم واحد، وطرح فكرة عن الأعداد التي من الممكن أن يشملها التبادل.

عودة المهجرين.

الأمور السياسية الأخرى تناقش بكل إيجابية مع تأكيد سيادة الدولة على أراضيها.

في هذا الوقت، ألقى الرئيس السنيورة خطابه في مؤتمر روما وفيه:

1- وقف النار.

2- التعهد بإطلاق الأسرى والمحتجزين اللبنانيين والإسرائيليين عن طريق لجنة الصليب الأحمر الدولي.

3- انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى خلف الخط الأزرق.

4- عودة النازحين إلى قراهم.

5- مزارع شبعا تحت سلطة الأمم المتحدة حتى ينجز الترسيم وبسط السلطة اللبنانية على هذه الأراضي.

6- تسليم خرائط الألغام.

7- بسط الحكومة سلطتها على كامل أراضيها عبر انتشار القوى المسلحة الشرعية ما سيؤدي إلى حصر السلاح والسلطة في الدولة اللبنانية كما الطائف.

8- تعزيز القوة الدولية العاملة في الجنوب وزيادة عديدها وعتادها وتوسيع مهامها ونطاق عملها.

9- العمل بالهدنة والبحث في التعديلات المحتملة عليها أو تطوير بنودها عند الضرورة.

تبين أن خطاب السنيورة أخذ بكثير من الملاحظات التي أبداها الرئيس بري، لكنه أعلن نقاطاً غير متوافق عليها خصوصاً ما يتعلق «بتشكيل قوة دولية يجب أن تكون مفوضة من الأمم المتحدة مع تعزيز عديدها وعتادها وتوسيع مهامها ونطاق عملها»، كما أثار التباساً نتيجة عدم وضوح الموقف من تحرير مزارع شبعا خصوصاً ما يتعلق بعودة أهلها إليها، وملاحظة أخرى حول التعديلات على اتفاقية الهدنة وتطوير بنودها والتي لم تكن قد نوقشت في ما بيننا سابقاً.

أرسى موقف الرئيس السنيورة بداية إشكال حاولنا قدر الإمكان أن لا يصل في هذه اللحظة إلى حدود الانقسام، وفي الوقت نفسه لم يكن من الممكن تجاهله، حيث كلفني الرئيس بري أن أعلن موقفا للإعلام وكان تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية عن إيجابية في ما يتعلق بالنقاط المتفق عليها في خطاب السنيورة، وأن هناك تحفظاً على نقاط أخرى كان يجب نقاشها داخلياً قبل الالتزام بها، وكان هذا الكلام محور نقاش الرئيس بري مع أسرة جريدة «السفير» بحضور الأستاذ طلال سلمان، في وقت كان سماحة السيد محمد حسين فضل الله يتحدث إلى قناة «الجزيرة» الفضائية من منزل الحاج عبد الله بري في بئر حسن ليقول إن المعركة هي سباق بين مشروع الأمة والاستسلام.

في كل الأحوال، كانت نتائج المؤتمر مخيبة للآمال، حيث بقي تحت سقف «الدعوة إلى العمل من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار لا الدعوة اليه».

سجل الرئيس بري تعبيراً يفي بالغرض وهو «برغم أن كل الطرق تؤدي إلى روما، إلا أن روما الآن في واشنطن»، والحقيقة أن معظم العرب الحاضرين هم علناً مع وقف إطلاق النار وضمناً لا يريدون ذلك إلا بعد القضاء على المقاومة وخلق واقع جديد.

بري يعرض مبادرة على الايطاليين

صباح يوم الخميس في 27/7/2006 انتقلت إلى السفارة الإيرانية والتقيت أحد المسؤولين هناك، فقال إن هناك تحركات مستمرة باتجاه السعودية وإن معلومات استخبارات إحدى الدول الأفريقية والتي تقاطعت ومعلومات أميركية تفيد بوجود خطة معدة منذ سنة لإعادة ترتيب الوضع في المنطقة، وأضاف إن هناك وفداً فرنسياً من قبل الرئيس جاك شيراك وصل من خارج برنامج السفارة في بيروت، أعضاؤه أكدوا توافق الموقف الفرنسي مع الرئيس بري، أي وقف النار أولاً، لكنهم كرروا أن القرار الإسرائيلي عند رايس التي علينا أن ننتظر عودتها، فالمشكلة هي في غموض جوهر الموقف الإسرائيلي وإلى أي حد يريد أن تصل عمليته، وأشاروا إلى أن معلوماتهم أن رايس طلبت من قوى 14 آذار (أثناء اجتماعها معهم) أن تنشر القوات الدولية في كل المرافئ الأساسية، مطار بيروت، مرفأ بيروت وعلى الحدود البرية.

في اليوم نفسه، التقى الرئيس بري السفير الإيطالي بناء على طلبه في موعد مستعجل. جاء اللقاء في أجواء المعارك الضارية على محور بنت جبيل وتحقيق انتصارات مهمة للمقاومة وخسائر كبيرة في قوات النخبة الإسرائيلية.

بدأ الرئيس بري حديثه مع السفير كيكيا، بالإشادة بالدور الذي قامت به إيطاليا سنة 1983 والخدمات التي قدمتها على صعيد المستشفى المجاني، وأنها الوحيدة التي لم تواجه حينها، وقال له إن المقترح يشكل خدمة متبادلة حيث يعطي دوراً مهماً لإيطالياً في تسوية الوضع، وبدأ بشرح خطة التبادل للسفير الايطالي في حال الموافقة على إعلان وقف إطلاق النار:

هبوط طائرتين إيطاليتين في تل أبيب وبيروت.

تنطلق طائرة مع الأسرى اللبنانيين باتجاه قبرص وبمجرد وصولهم يصبح الأسيران الإسرائيليان في تصرفي.

عندما تتوجه الطائرة من قبرص إلى بيروت يصبح الأسرى الإسرائيليون في مقر السفارة الإيطالية في حرم المجلس النيابي في وسط بيروت.

عندما يصل الأسرى اللبنانيون إلى مطار بيروت يصعد الأسرى الإسرائيليون على الطائرة الإيطالية نفسها إلى إسرائيل.

سجل السفير كيكيا ما سمعه وذهب لإبلاغ حكومته ومن يريد لضمانة هذا الاتفاق إذا حصل.

تجنب التصويت والانقسام في مجلس الوزراء

طلب الرئيس بري من بعض الإخوة الحركيين أن ينتقلوا إلى الجنوب للاطلاع على الوضع والتواصل مع قيادات صيدا. أحببت أن أذهب معهم (الخميس 27 تموز)، ولم أبلغه لأنني كنت أعرف أنه لن يقبل، وهذا ما تبين حيث غضب وطلب عودتي فوراً لمتابعة أمور تتعلق بانعقاد جلسة مجلس الوزراء بعد الظهر.

كننا قد وصلنا إلى صيدا مع النائب علي بزي ومجموعة عبر طريق طويلة في الجبل بسبب انقطاع الطريق الساحلي، رحلة فيها من المغامرة بعد قصف جديد طاول معمل الكهرباء في الجية، تفقدنا الجرحى في مستشفى حمود واطمأنننا إلى الشباب في حارة صيدا، والتقينا السيدة بهية الحريري في منزلها في مجدليون، ثم ذهبنا إلى مقر النائب أسامة سعد.

على الطريق طلب مني الرئيس بري أن أتحدث مع الوزراء ليسجلوا في جلسة مجلس الوزراء تحفظاً على البنود التي أعلنها الرئيس السنيورة من دون اتفاق، وتحدثت في الوقت نفسه مع الحاج حسين الخليل لتنسيق الموقف، وخلال جلسة مجلس الوزراء حصل أكثر من اتصال مع الوزراء الذين نسقوا الموقف مع الوزير محمد فنيش حيث تم رفض اقتراح الرئيس السنيورة بالتصويت على تبني مضمون خطابه في روما مما جعله ولأكثر من مرة يجمع أغراضه في إشارة انسحاب مقابل اصرار على رفض الامر لانه مخالف للتوافق من جهة ولان الموضوع لم يكن أساسا على جدول الاعمال من جهة ثانية، عندها تحدث الرئيس إميل لحود داعيا للحفاظ على وحدة الحكومة لان المعركة ما زالت مفتوحة، فسجلنا تحفظا على نقاط الخلاف واتفقنا على اعتبار ان اي نقطة ستنفذ لاحقا يجب العودة الى مجلس الوزراء للاقرار… وهكذا تجنبنا الانقسام والتصويت معا.

عند الساعة السابعة، التقينا في عين التينة مع الحاج حسين الخليل وإحدى الشخصيات المهتمة.

نقل الرئيس بري ما جرى مع السفير الإيطالي والطرح الذي قدمه وأن ضمانته في لجنة من دول عدة تتعاون مع سوريا وإيران في مناقشة الأمور الأخرى خارج وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.

جرى نقاش عودة رايس إلى لبنان ومعها مقررات مؤتمر روما، وأنه علينا أن نصوغ مقترحات محددة حيث اعاد الرئيس بري صياغة الموقف وفق التالي:

1- وقف إطلاق نار دائم.

2- تبادل أسرى وجثامين الشهداء.

3- عودة المهجرين.

4- خرائط الألغام.

5- رفض قوات متعددة ولسنا ضد زيادة عدد وعدة قوات الطوارئ الدولية وفق مهامها.

6- لا مانع من تعزيز انتشار الجيش اللبناني الموجود أصلاً في الجنوب.

7- عند طرح قوات متعددة يكون الرد ان تنتشر من جهة إسرائيل وليس على الجهتين.

8- تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والسماح للأهالي بالعودة.

9- أمر أطرحه للمناورة وهو طلب تعويضات من إسرائيل عن حربها.

والتأكيد أن الحل على مرحلتين.

سأل الحاج حسين: هل في المرحلة الثانية نعتمد الترتيب نفسه؟

قال الرئيس بري: لا يهم لأن «اليونيفيل» موجودة وكذلك الجيش، واقتراحي محدد وهو أن لا تعديل في مهام «اليونيفيل»، وعندما طرحوا تجربة كوسوفو قلت: هناك تصفيات عرقية وهنا عملية تحرير للأرض.

وقال الرئيس بري إن السنيورة نقل له أنه ناضل من أجل أن تكون القوات بإمرة الأمم المتحدة مع توسيع مهامها ودورها لأن المقترح أن تكون من حلف الأطلسي وأن الذي ساعده هو الرئيس جاك شيراك، وكان رد الرئيس بري: برغم هذا، المشكلة واقعة.

طلب الرئيس بري أن يحصل تدقيق في الموقف وأن نلتقي مجدداً لأننا أمام محطة تاريخية.

بعدها تحدث الرئيس بري عن طرح رئيس البرلمان الإيراني لاريجاني عقد مؤتمر برلماني إسلامي للتضامن مع لبنان، وأنه اقترح عليه أن يعقد في الرياض برغم أنه يعرف أن المؤتمرات لا تفيد بشيء.

في حلقة الأربعاء المقبل:

«حزب الله» ينفذ «مرحلة ما بعد حيفا» وإسرائيل ترتكب مجازر جديدة والمناخ الدولي والعربي يتحوّل ببطء.

——————————-

صفحات مجهولة من حرب تموز كما يكشفها نبيه بري ويرويها علي حسن خليل 8

نصرالله لبري: بعد أسطورة بنت جبيل.. سنستدرج العدو الى مجزرة “ميركافا” في الليطاني جرح قانا يفتح مسارات جديدة: شيراك يتصل متضامنا.. ورايس تحاول امتصاص النقمة

عندما نفاوض تحت سقف مجزرة تصبح العين قادرة على مقاومة المخرز، تتغير الشروط ويبدل لون الدم حبر التفاهمات، وعلى مشارف نهاية تموز، أصبح دمنا أزرق وما عادت تسويات الأمم و”الدول” تغرينا، نقّلب بين بنودها فتتراءى لنا مجزرة قانا الثانية، نعدّل سطورها فتظهر أمامنا أجساد شهداء مروحين والنبطية ممددة على الصفحات.. فتقلب الشهادة مسار التفاوض.

نادراً ما كان الموت قادراً على ضخ حياة.. لكنه فعل، ولتكن المفاوضات فعلَ ماضٍ إذا كانت ستجعلنا وطن المفعول به.

قوة الشهادة واكبتها قوة إسناد ناري على الجبهة. عدونا أخفق براً “والشباب” يستدرجون المزيد البري الى عتبة الليطاني. وفد كوندوليسا رايس ينتظر في إسرائيل، وواشنطن بدأت تتلمس فقدان المناعة العسكرية في تل أبيب.

لم يكن سهلاً أن ترفع شروط المناورة السياسية، وأن تفكر أن رايس التي غادرت عين التينة قبل أيام منزوعة الحفاوة أصبحت اليوم وزيراً غير مرغوب به في قصر الرئاسة الثانية.

عشر سنوات حضرت في لحظة، ومشهد قانا 96 ضرب القرية نفسها يوم الأحد في 30 تموز 2006. أيقن الرئيس نبيه بري أن التاريخ يستعير تاريخاً مماثلاً ستقدم فيه إسرائيل على وقف إطلاق النار. التقط اللحظة ونزل بلا موعد الى السرايا الكبير وأقنع السنيورة بوجوب أن يكون موقفهما موحدا في مواجهة المجزرة المتجددة.

من السرايا الى عين التينة.. اتصالات مفتوحة وتواصل يومي مع “السيد” عبر “الحاج حسين” وكل تفصيل أكان صغيرا أم كبيرا موضوع في الحسبان والنموذج تظاهرة “الأسكوا” التي احتواها “دولته”، وأكمل بإقناع “الشباب” بعدم التظاهر باتجاه عوكر حتى لا نحرف الأنظار عن قضيتنا… وفي البال أيضا مجلس الأمن وإمكان خلق موازين قوى بدماء شهداء قانا وبطولات المقاومين.

* * * * *

على الرغم من كل الضغوط الميدانية أصبحت المبادرة على الأرض بين أيدينا، ما يعطينا هامشا أكبر للمناورة السياسية ويدخلنا في مرحلة صياغة الحلول المبنية على رؤيتنا للوضع، لاسيما بعدما بدأ الطرف الأميركي يفقد الرهان على الحسم العسكري من جانب إسرائيل.

شهد هذا اليوم سقوط طلائع صواريخ المقاومة إلى ما بعد حيفا إيذاناً بدخولنا مرحلة سياسية وميدانية جديدة، الأهم فيها هو القدرة الاستثنائية على التحكم بالمعركة وظروفها ومداها ما يعكس تنظيماً عالي الدقة لرجال الجبهة، بحيث إن المقاومة لا تضرب بشكل عشوائي وغير محشورة لتفرغ مخزونها من الصواريخ، بل هي التي تحدد أين وكيف وما هو حجم الرد، وتلك نقطة قوة على المستوى العسكري.

كان هذا مدار نقاش على هامش اجتماعنا ليل الخميس في 27 تموز مع الحاج حسين الخليل، حيث أكد ارتياح السيد نصرالله إلى ظروف المعركة.

يوم الجمعة في 28/7/2006 بدأ الرئيس فؤاد السنيورة نهاره بتعميم قرار مجلس الوزراء وخطابه في روما على السفارات في الخارج، متجاوزاً الملاحظات التي أبداها الوزراء عليها. كان هذا مدار نقاش بيننا لكننا اتفقنا على تجاهل المسألة حفظا للتوافق، خاصة وان أي أمر سيحتاج لاحقاً إلى قرار من مجلس الوزراء.

كان حديث الرئيس بري إلى قناة “الجزيرة” قد أثار في هذه الأثناء ردود فعل كثيرة، لا سيما لدى انتقاده الوضع العربي بقوله “إنه يرى فيه شيئاً معلناً وشيئاً مضمراً”، ودعا الحكام العرب “لكي يتنبهوا لما يحصل“.

اتصل النائب سعد الحريري من الخارج مستفسراً وأشار إلى أن هذا الكلام يمكن أن يزعج بعض العرب الذين يساعدوننا في الأزمة، وسأل: لماذا الكلام المباشر عن الرئيس حسني مبارك.

بعدها اتصل بي نائب الرئيس السوري فاروق الشرع مناقشاً بعض مضامين المقابلة وطلب الحديث مع الرئيس بري وقال له إن سوريا عرضت المساعدة على الجيش اللبناني وهي ليست كباقي العرب. قال الرئيس بري إن كلامه جاء في سياق سياسي عام وإنه لا يمكن لأحد أن ينسى دور سوريا لاسيما احتضانها النازحين وموقفها السياسي الداعم، معتبراً أن المعركة هي “كمين لكم ولإيران“.

في اليوم نفسه، سأل النائب وليد جنبلاط “لمن سيهدي السيد حسن نصرالله النصر؟”، وقد أثار كلامه بعض النقاش ما استدعى اتصالات بيني وبين الحاج حسين الخليل لاستيعاب الردود، وكان الاتصال مناسبة استفسر فيها الحاج حسين عن حدود انتشار “اليونيفيل” مع الجيش وبعض التفاصيل في اقتراح الرئيس بري التحضيري بالأمس، وأجاب الرئيس بري إن ما نطرحه هو الوضع القائم الآن حيث هناك “يونيفيل” وجيش والمطلوب التعزيز ليس أكثر، وإنه علينا أن نكون جاهزين قبل يوم غد (السبت) لطرح مشروعنا.

في الواحدة والنصف ظهراً، وصل وفد الترويكا الأوروبية والتقى الرئيس بري، كان واضحاً أن هناك حذراً في مواقفهم ومرروا أن الإسرائيلي قد خفّض سقف مطالبه السياسية وأصبح أكثر استعداداً لوقف إطلاق النار. شرح الرئيس بري لهم بالتفصيل طبيعة ما يحصل على الأرض وأن هذا التغيير إذا صحت توقعاته فإنه من نتاج المعركة ميدانياً وليس بفضل الجهد الدولي، كانوا حريصين على إيصال رسالة مفادها أن المعالجة السياسية مازالت في يد وزيرة الخارجية الأميركية كونداليسا رايس التي تركت مساعدها وفريق عملها في القدس المحتلة.

اتصل الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى وتحدث بلهجة إيجابية وأبلغ الرئيس بري أنه يريد زيارة لبنان، ولم يشر إلى هجوم الرئيس بري صباحاً على مواقف مبارك عبر “الجزيرة“.

نصرالله لبري: نتبنى مناورتك

عند منتصف الليل، وصل الحاج حسين الخليل إلى عين التينة، وبعد سلام من السيد حسن نصرالله نقل عنه ما يلي:

التأكيد على ما أعلنه الرئيس بري مع الرئيس السنيورة والأوروبيين بعدم القبول بأي صيغة للقوة المتعددة الجنسية، ونحن نتبنى مناورة الرئيس بري في أن تكون في جهة إسرائيل، مع أنها سترفض بالتأكيد.

الطرح نفسه عن وقف إطلاق النار والانسحاب الفوري بدءاً من مارون الراس تحديداً، وأن لا تحصل عملية تسلم وتسليم مع الجيش اللبناني بل انسحاب وانتشار.

التعهد بأن نعمل أقصى جهدنا لكي يتضمن التبادل أسرى عرب في السجون الإسرائيلية، وإذا أمكن أن نأخذ بعض الوقت لتكون لدينا حركة أفضل فيما يتعلق بتحديد الأسرى.

النص المقترح نفسه فيما يتعلق بتعزيز الطوارئ والجيش، مع إعطاء أولوية لدور الجيش لما لهذا من تأثير على الرأي العام اللبناني.

مع الإشارة نفسها إلى رفض التعهد بالابتعاد عن الحدود.

رد الرئيس بري كان هو الاتي: إن ما طرح قد سبق وأكدته، والأهم الآن هو التركيز على إدارة المفاوضات لأنه بعد الذي حصل قبل روما وبعدها يجعلنا حذرين أكثر لكل كلمة تقال.

ونقل الرئيس بري أن وزيرة خارجية اليونان أرسلت تسأل إذا كان بالإمكان أن تقوم بوساطة، وكان رده أن تأتي لنسمع منها ونرى ما يمكن فعله.

كما اتصل عادل عبد المهدي نائب الرئيس العراقي وسأل عن إمكانية المساعدة، فطلب الرئيس بري منه الضغط مع الأميركي ليخفف من تبنيه للموقف الإسرائيلي بالكامل، كذلك قال إن وزير الخارجية الإسباني كان صريحاً بالقول إنه لم يستطع فعل شيء حول وقف إطلاق النار.

نقل الحاج حسين أن الموقف السعودي الذي وصلنا أصبح يتبنى تعزيز قوات الطوارئ وعدم التطرق إلى مستقبل سلاح “حزب الله”، وأن هناك من نقل أن رايس تنصح الوفود الأجنبية بعدم لقاء الرئيس بري خوفاً من التأثير على قناعاتهم.

قال الرئيس للحاج حسين: لنر إذا كانت ستطلب موعداً يوم الأحد إذا أتت، وأضاف إنه حذر من نقطة واحدة هي القوات المتعددة الجنسية لأنها التعويض الوحيد عن الهزيمة المحتومة لإٍسرائيل وإنه لا يخاف من دورها لأنه “ما بيطلع بإيدها شي من دون موافقتنا”، لكن تشكيل قوة من دول أساسية سيؤدي عند أي حادث إلى مشكلة كبيرة معهم، وفي كل الأحوال لن نقبل لا بالسر ولا بالعلن أي مقاربة لقرار تحت الفصل السابع، ويجب أن يكون هناك عمل جاد من قبل الأصدقاء من أجل “فيتو” في مجلس الأمن إذا وصلنا إلى هذا الأمر.

آلو… أنا جاك شيراك

صباح السبت 29 تموز، رتبت محضر نقاشنا بالأمس، وأعددت جدول مقارنة بين ورقتنا ومشروع الرئيس السنيورة، كان الرئيس بري متفائلاً من تطور الأمور لأنها تصب على المستوى الشعبي والسياسي لصالحنا، على عكس ما عمل عليه في الأيام الأولى للحرب.

انتقلت بناءً على طلب الرئيس بري إلى السرايا الحكومي والتقيت الرئيس السنيورة مع الوزيرين محمد خليفة وطلال الساحلي وتناقشنا في آلية عمل الهيئة العليا للإغاثة وتقديماتها، وقد وعد إيجاباً في أغلب الأمور التي طلبناها وقال إنه سيعالجها مع إدارتها.

لدى عودتي إلى عين التينة، كان الرئيس بري قد التقى الوزير غازي العريضي الذي حمل رسالة جديدة من النائب جنبلاط عن توزيع أسلحة في الشوف الغربي وأن المطلوب الاتصال بحزب الله والتأكد والمتابعة.

السادسة مساءً كانت أصداء المجازر تطلق نقاشاً في الديوان المفتوح لصحافيين وسياسيين شهدوا على حوار طويل على الهاتف بين الرئيس بري والأستاذ غسان تويني حول خصوصيات القرارات الدولية وآثارها لاسيما ما هو تحت الفصل السابع، حيث حرص الرئيس بري على الاستماع إلى وجهة نظره في هذه المسألة.

بعدها رن الهاتف، رفعه الرئيس بري وما ان حوله موظف السنترال في عين التينة حتى سمع رجلاً يقول: “أنا جاك شيراك، أشكرك أنك أجبت مباشرة”. رحب بري به، وقال: أريد أن أنقل لك أني أقف مع اللبنانيين في هذه اللحظة وأنا متضامن معهم جميعاً بكل طوائفهم وفئاتهم وإني أعمل بكل الوسائل من أجل وقف ما يحصل ولتقديم خدمات إنسانية للبنان وسأرسل وزير الصحة الفرنسي لهذه الغاية الى بيروت“.

شكره الرئيس بري وقال له:” أود أن أبلغك سيادتكم أن الغارات الإسرائيلية في هذه اللحظة وقبلها ما زالت تقصف المدنيين العزل وعشرات القتلى والجرحى يسقطون والعالم لا يمارس ضغطاً حقيقياً على إسرائيل بل يعطي الفرصة للاستمرار في عدوانها، العالم الحر اليوم أمام امتحان مع أننا نعرف النتيجة وهي عدم إدانة إسرائيل، في كل الأحوال أود الإشارة لسيادتكم أننا لسنا ضد المقترحات السياسية بل نحن منفتحون على النقاش بإيجابية وقدمنا الكثير من التصورات ولكن لا يمكن نقاش المسائل تحت ضغط إطلاق النار الذي يجب أن يتوقف“.

أجاب شيراك: “أنا أعمل بصدق على وقف سريع لإطلاق النار“.

قانا تتجدد

صباح الأحد في 30/7/2006 وعلى عكس السياق الحاصل، سقط صاروخ على مبنى في المحيط الأمني لمقر عين التينة وخرق السطح من دون أن ينفجر وأخفينا الأمر عن وسائل الإعلام حتى لا نحدث بلبلة.

استفقنا على هول مجزرة الأطفال في قانا في استعادة لمشاهد مجزرة 1996 على مقر الأمم المتحدة، وكما كانت قانا الأولى محطة تحول في مسار العدوان، فإن هذه المجزرة ستكون تحولاً في عدوان تموز.

قبل نزوله إلى المكتب اتصل الرئيس بري بالرئيس السنيورة، وقال له: بعد المجزرة اليوم لا يمكن أن أستقبل كوندوليسا رايس، وفي رأيي أن تأخذ أنت الموقف نفسه، في كل الأحوال أين أنت الآن؟ قال: في السرايا. ولم يرد عليه بشيء.

أقفل الرئيس بري الخط، وقصد السرايا بسيارة واحدة مرتدياً ثياب “سبور”. يروي الرئيس بري لنا: “وصلت إلى مكتب السنيورة، وكان متوتراً وكأنه يرتجف، قلت له: يا دولة الرئيس على الرغم من الألم والمصيبة هذه محطة يجب أن نوظفها انتقاماً لدم الشهداء من أجل الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها، وأن نسجل معاً موقفاً وطنياً جامعاً نتجاوز فيه كل التباينات حول تفاصيل الموقف السياسي، إنها فرصة يجب أن لا تفوت، علينا أن نُشعر الأميركي وكل من يدعم إسرائيل أنهم دخلوا في مأزق ولم نعد نحن فقط في دائرة الضغط، يجب أن نأخذ موقفاً من العملية السياسية برمتها.

في تلك اللحظة، كان موقف السنيورة إيجابياً وان بدا متهيبا “ما طرحته ـ يقول الرئيس بري ـ ناقشنا الموقف، وخرجنا سوياً ليعلن السنيورة في مؤتمر صحافي عن وقف أي حديث غير وقف إطلاق نار فوري وغير مشروط، وقال إن أي حديث آخر غير مقبول، مع إجراء تحقيق دولي في المجازر الإسرائيلية. كانت فرصة للرئيس بري لكي يظهّر موقفاً طالما أراده خلال فترة الحرب وهو وحدة الجميع في مواجهة المخطط الأميركي والإسرائيلي، فقال بوضوح إنه خلف الحكومة في هذا الموقف الجلل.

ولاحقاً أعلن الرئيس بري أنه أرسل لرايس أن لا مكان لأي محادثات وأن الجهد الآن يجب أن ينصب للضغط على إسرائيل حتى لا ترتكب مجازر جديدة.

وأضاف بري إنه بعد علمه برفض إسرائيل السماح لقوات الطوارئ الدولية مواكبة الناجين من المجزرة إلى أماكن آمنة، “بتنا نمتنع عن الموافقة على أي دور لقوات الأمم المتحدة لعدم جدواها إلا إذا أعلنت الحقائق للعالم أجمع“.

ثم أعلن الرئيس بري أنه من أجل الحل كان قد بادر إلى صيغة لإطلاق الأسيرين الإسرائيليين قدمها عبر الجانب الإيطالي وفيها تسهيل كبير تحملته شخصياً حتى من دون تنسيق مسبق مع حزب الله، وقال “الآن بصراحة أقول إن شروط التبادل قد تغيرت وعرضي الذي قدمته أعلن سحبه“.

بناء على طلب الرئيس بري، أجريت مجموعة اتصالات سياسية، كما اتصل الأستاذ فاروق الشرع فعرضت له تفاصيل ما جرى مع الرئيس السنيورة، ورد بتأييد الموقف وعرض المساعدة للسنيورة واقترح أن يتقدم لبنان بطلب عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن لبحث المجزرة.

ناقش الرئيس بري الأمر، وقبل أن يطلب الرئيس السنيورة استدرك خائفاً من أن يتحول الأمر في مجلس الأمن إذا انعقد إلى توسيع القرار بما لا يخدم مصلحتنا.

بري يطلب من السيستاني موقفا

أجريت اتصالاً بالحاج حامد الخفاف ممثل سماحة المرجع السيد علي السيستاني في لبنان ونقلت إليه تمني الرئيس بري بضرورة صدور موقف من سماحة المرجع يضغط باتجاه وقف إطلاق النار والمجازر لمعرفتنا بتأثير هذا الإعلان على الموقف الأميركي، فأجاب الحاج حامد بأن سماحته أصدر موقفاً سابقاً بهذا الخصوص، ولكن الرئيس بري أصر على ضرورة إصدار موقف بعد مجزرة قانا اليوم، وفعلاً قبل منتصف الليل صدر بيان بهذا الخصوص، وأبلغ نائب الرئيس العراقي الرئيس بري بأنه كلف الاتصال بالرئيس الأميركي جورج بوش لإيصال كلام شديد عن لسان السيد السيستاني.

اتصل النائب سعد الحريري بالرئيس بري مستفسراً عن موقفه بتغيير شروط التبادل مؤكداً أن هذا يعقد الأمور، فرد الرئيس بري أنه موقف جاد ولا يمكن لنا بعد اليوم أن نكون إيجابيين ولقد تحركنا منذ البداية بنية حسنة ولكن بعد المجازر الأمر اختلف ويجب أن نكون متشددين. لم يعجب الأمر الحريري وحاول تهدئة الموقف.

وصل النائبان حسن فضل الله وأمين شري وعدد من الشخصيات إلى عين التينة، وكان نقاش مفتوح حول التطورات، كان رأي الرئيس بري أن الأمور تتطور إيجاباً وسنحتفل بالنصر قريباً، فالجو الوطني في أفضل حال، وما حصل مع السنيورة صباحاً في غاية الأهمية، وهنا إيجابية ما فعلنا في مجلس الوزراء بعد مؤتمر روما وعدم تفجيرنا للجلسة، والآن حتى الذين ضد موقفنا في الداخل لا يستطيعون أن يعبروا عن مواقفهم.

وصل الحاج حسين إلى عين التينة، عرضنا تفاصيل النهار ونقل عن سماحة السيد الآتي:

ـ إن الإسرائيلي بعد عجزه في بنت جبيل الأسطورة، يحشد باتجاه الطيبة، وأدخل مشاة ثم آليات وهناك احتمالات عدة، إما أن يركز على احتلال مشروع الطيبة أو الدخول إلى أقرب نقطة على الليطاني ليوظفها سياسياً، نحن مستعدون جيداً ووضع الشباب أكثر من ممتاز، هم الذين يستدرجونه الآن لكي يتوجه صوب الليطاني للانقضاض عليه، ستكون مجزرة بالجيش الإسرائيلي إذا دخل، والمفاجأة في نوعية الأسلحة المضادة.

ـ لقد جرى الحديث اليوم مع السيد علي لاريجاني ونقلنا له ما قلته دولتك بالأمس من العمل باتجاه روسيا في مجلس الأمن وهذا ما يحصل وأيضاً هناك تواصل إيراني ـ فرنسي.

قال الرئيس بري: أنا مرتاح للغاية، قلت للوزراء أن يستنكروا الهجوم على الإسكوا إذا طرح في مجلس الوزراء وأبلغت الشباب أن يوقفوا التظاهر باتجاه السفارة الأميركية في عوكر، لأننا لا نريد أن نحول الأنظار عن قضيتنا.

أضاف بري “سمعت أن السيد حسن يمكن أن يستقبل سفراء وغيرهم، هذا خطر للغاية ويجب أن لا يحصل الآن وعليه أن ينتبه كثيراً ولا يشغل باله بالتفاوض“.

عند خروج الحاج حسين تحدث مع المقدم وسام الحسن الذي كان قد سأل باسم الحريري عن الأجواء، فنقل له مضمون ما اتفقنا عليه خصوصاً فيما يتعلق بشروط التفاوض والتبادل.

عند الساعة 11 ليلاً مهد السفير الأميركي فيلتمان لاتصال من الوزيرة رايس بالرئيس بري، وقبل الحديث السياسي معها قدمت التعازي بشهداء قانا.

قال لها الرئيس بري: لقد حذرتك من هذا الأمر وأنا أرى العدوان يتوسع ضد المدنيين، والآن أختصر لأقول لك إنه من العار على شرف أميركا بعد مجزرة قانا أن لا يصدر قرار بوقف فوري لإطلاق النار.

قالت رايس: إن إسرائيل أخذت قراراً بعدم تحليق الطيران فوق الجنوب. ورد الرئيس بري عليها: “هذه محاولة منها لامتصاص النقمة ولكن الحقيقة أن الموقف غايته السماح بإفراغ الجنوب من أهله من أجل حرقه“.

في حلقة السبت المقبل:

هدنة قانا تكمل إفراغ الجنوب وإنزال في بعلبك.

دوست بلازي ومتكي في بيروت وقمة روحية في بكركي.

الأسد يدعو للتأهّب ومبارك يعدّل لهجته.

——————————-

شطح يلتقي بري و«الخليلين»: هل «حزب الله» مستعدّ لتسليم سلاحه إذا انتشر الجيش؟ صفير يوافق على بيان للقمة الروحية يحيّي المقاومة.. والسنيورة يتدخّل لشطب العبارة!

صفحات مجهولة من حرب تموز كما يكشفها نبيه بري ويرويها علي حسن خليل 9

هي ليلة العبور من جسر تموز المُدمّر إلى رصيف آب الحامل بشائر النصر والمنبعثة طلائعه من عطر الدبابات الإسرائيلية المحترقة في السهول، كنا نشتمّ رائحتها كنسيم عليل يطوف فوق عاصفةٍ.

وعدتنا العاصفة بأقواس قزح وهمست في آذان الشهداء بأن استريحوا لأن قاتلكم قد أنهكه القتال ودماءكم صبغت وجهه بالأسود..

لم يكن لدى إسرائيل من خيار سوى الاستمرار بارتكاب الإثم ولم يكن لدينا بعد الإثم ظنّ من أنها قد بدأت تفقد الرهان على المُهل الممنوحة أميركياً وأن واشنطن بدورها قد أصبح لديها بعض استعداد لسماع شروطنا.

هو الزمن الذي لم يعد فيه أوراق لتختلط واقتصرت من جانبنا على ثابتة وقف إطلاق النار أولاً بلا ضمانات جاء يطلبها الفرنسي «لممارسة الضغط على الأمــيركي» وفق اقتراح وزير الخارجية فيليب دوست بلازي، وكان جواب الرئيــس نبيه بري كالطــابع البريدي الموحّد الملتصق على كل المظاريف الدولية «وقف إطــلاق النــار شرط لأي بحث»، وليس على قاعدة هدنة اليوم الواحد، لأنــنا بذلك نكــون قد أعطيــنا إسرائيل فرصــةً للتنهد قبل استكمال سياسة الأرض المحروقة.

لم يكن صعباً أن نتشــاطر على الغــريب، لكنه من المحــزن أن يشطرنا القريــب فيوجه الأسئلة تلو الأخرى كمن يحقــق في جريمــة، من دون أن يقدم على ارتكاب مبــادرة للمصلحة اللبنانية العامة، لا بل كانــت الســرايات توفد رسولاً على شكل «مباشر» يبلغنا «محضر ضبط».

طاف الموفدون، واستمرت الخطوط الهاتفية بتلقي تبرعات الحلول ومن بينها سيُسمع هدير وزير الأمن الالماني وقد بدأ يطرق أبواب وساطة التبادل، تلك المهمة التي ستشغل محركات، لها باع في «تنسيق وارتباط» عملية «كشف المصير».

كان واضحاً أن مجزرة قانا أحدثت ارتباكاً في الموقفين الأميركي والإسرائيلي، وأصبح الجميع تحت ضغط الدم العلني الذي لم تخفه وقاحة إسرائيل في التهرب من المسؤولية، وبدا أن كوندوليسا رايس التي أُبلغت الموقف اللبناني بعدم استقبالها حاولت تقليص المهلة للإسرائيلي في استمرار عدوانه لكنها عادت وبسرعة لتربط تحقيق وقف إطلاق النار بالاستقرار.

الاثنين في 31 تموز انكشفت خديعة إسرائيل حول الهدنة الجوية وسقط العشرات على امتداد أرجاء الوطن حتى البقاع، وخلال اليوم الطويل شاهدنا جميعاً صور الـ«ميركافا» الإسرائيلية تحترق في الجبهة الشرقية على حدود بلدة كفركلا.

عندما وصلنا صباحاً إلى عين التيــنة كان الرئيس بري يناقش مشروع القرار الفرنسي الذي يسوّق له وزير الخارجــية فيليب دوست بلازي بعد وصوله إلى بيروت وكان يعتبره مشروعاً غير مناســب في هذه اللحظة، بل وينظر إليه بحذر شديد، لأنه لا يختلــف في العمق عن الموقف الأميركي.

استقبل الرئيس بري ممثل الأمين العام للأمم المتحدة غير بيدرسون الذي نقل شكر الأمين العام كوفي أنان على موقف الرئيس بري ومساعدته في ضبط الهجوم على مقر «الإسكوا»، كما نقل التعازي بشهداء مجزرة قانا، وأكد أنهم يعملون بجدّ على وقف إطلاق النار، وكانت فرصة للرئيس بري لكي يحذر من مخاطر تسويق إسرائيل لهدنة اليوم لأنه يرى فيها فرصة لإسرائيل لحرق الجنوب وفرض الشروط في مجلس الأمن، وهذا ما أوضحه في رسالة وجّهها إلى الأمين العام.

في هذا الوقت، شاركت في اجتماع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى برئاسة الشيخ عبد الأمير قبلان، وصدر بيان عن المجلس طالب بدعم موقف رئيسي المجلس النيابي والحكومة في السرايا الحكومي لجهة أولوية وقف العدوان وإطلاق النار.

بعد العودة إلى عين التينة، كان الرئيس بري قد التقى وزير الخارجية الفرنسي، الذي بدأ بالإشارة إلى إدانة مجزرة قانا، وعرض مشروع القرار الفرنسي المتضمن:

÷ وقف فوري للأعمال العسكرية.

÷ إطلاق الأسرى والمعتقلين اللبنانيين والإسرائيليين.

÷ تنفيذ اتفاق الطائف فيما يتعلق ببسط الحكومة سيطرتها على كافة الأراضي اللبنانية.

÷ حل موضوع مزارع شبعا ووضعها تحت وصاية الأمم المتحدة.

÷ إنشاء قوة دولية لتأمين الاستقرار وبهدف المساعدة على تحقيق الاتفاق السياسي.

بري: مع تقديري للمحاولة الفرنسية، لكني لست في صدد النقاش في العمق، وإني أتمسك بما أعلنته بالأمس مع الرئيس فؤاد السنيورة بأن وقف إطلاق النار هو الشرط لأي بحث.

دوست بلازي: هل يمتنع «حزب الله» عن إطلاق الصواريخ على إسرائيل؟

بري: بالتأكيد إذا ما تم الاتفاق على وقف إطلاق النار.

دوست بلازي: هل للإيراني تأثير على مجريات الأمور؟

بري: المقاومة لبنانية.. ولكن الإيراني دوره ضروري وكافٍ.

دوست بلازي: ما هو موقف الحكومة الرسمي؟

بري: نحن متفقون، تأخذه من الحكومة، أنا لن أدخل في التفاصيل الآن.

دوست بلازي مجدداً: ماذا عن الموقف من القوة الدولية؟

بري: أنا قلت لك لن أبحث في شيء قبل وقف النار، ولكن نحن مع دور لفرنسا ونريدها بوابتنا على أوروبا، وأقول لك بصراحة، مع الألم الشديد والأسى، سياسياً لست منزعجاً من أن العدوان الإسرائيلي يركز على مناطق معينة ويستهدف الشيعة بشكل خاص، مع التقدير العميق لمستوى التضامن الوطني، لأن هذا الأمر نضعه في خانة محاكمة ايهود أولمرت وحكومته في المستقبل بتهمة القيام بعملية قتل عنصرية تجاه مجموعة مدنية وهذا أكبر رد على ادعاءاتهم المظلومية نتيجة استهداف اليهود في أوروبا كما يقولون.

أضاف الرئيس بري: أنا يا معالي الوزير أقدر كثيراً اتصال الرئيس جاك شيراك بالأمس، ولكن حرصاً على وقتك أعطنا وقفاً لإطلاق النار وبعدها كل الأمور السياسية قابلة للنقاش.

دوست بلازي: وماذا عن التبادل؟

بري: أعلنت أن شروطه اختلفت بالكامل عما أعلنته سابقاً.

دوست بلازي: ولكن ما هي الأوراق التي تعطوني إياها لكي أمارس ضغطاً على الأميركي؟

بري: جثث أطفال قانا أكبر وسيلة ضغط عندك إذا أردت.

بعد خروج دوست بلازي، اتصل بي مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في «حزب الله» الحاج وفيق صفا ليقول إن وزير الأمن الألماني أرسل موفداً إلى بيروت لبحث قضية تبادل الأسرى، وإن سماحة السيد حسن نصرالله أحاله على الرئيس بري وهو سيطلب موعداً لهذه الغاية. كان ردّ الرئيس بري إن هذا الأمر يناقش بعد وقف إطلاق النار.

محمد شطح موفداً من السنيورة: «المتعددة»!

وصل الأستاذ محمد السماك إلى عين التينة موفداً من دار الفتوى لمناقشة موضوع انعقاد القمة الروحية في بكركي، وأبلغنا أنهم أعدّوا مسودة بيان يتضمن تحية إلى المقاومة وشهدائها وعُرض على بكركي ووافقت، ولكن عندما اطلع الرئيس بري ليلاً على مشروع البيان النهائي لم يجد ذكراً للمقاومة وفهم أن هذا التعديل وغيره أتى بعد اطلاع الرئيس فؤاد السنيورة على البيان، عندها أصرّ الرئيس بري على ذكر «حزب الله» بالاسم وأبلغ الأمر للشيخ عبد الأمير قبلان الذي أكد على هذا الموقف.

وصل الحاج حسين الخليل إلى عين التينة والتقيته في جناح خاص في الطابق الثاني تحت الأرض، ثم بعد فترة انتقلنا لنناقش مع الرئيس بري مشروع البيان الخاص بالقمة الروحية وتحديداً الفقرة المتعلقة بالمقاومة ورفض الرئيس السنيورة لها برغم موافقة البطريرك نصرالله صفير عليها، وإصرار الرئيس بري على إدراجها وذكر «حزب الله» بالاسم، وخلال الجلسة اتصل الرئيس السنيورة ليطلب موعداً لمستشاره محمد شطح ناقلاً رسالة منه.

أكملنا الجلسة ووضعنا الحاج حسين الخليل في أجواء اللقاء مع الوزير دوســت بلازي.

في الاجتماع مع محمد شطح وبحضوري، نقل عن الرئيس السنيورة أنه اتصل برئيس الوزراء البريطاني طوني بلير الذي سأله عن إمكانية دخول الجيش اللبناني إلى الحدود وبعدها يعلن وقف إطلاق النار.

بري: لينسحبوا إلى ما بعد «الخط الأزرق» وبعدها لا مشكل في انتشار الجيش اللبناني.

شطح: وإذا لم يوافق «حزب الله»؟

بري: أنا أطلع أمام الجيش اللبناني وأتحمّل مسؤولية هذا الأمر.

أردف شطح الموفد من السنيورة: نحن نطرح ثلاثة أسئلة:

1- إذا دخل الجيش اللبناني بمساعدة «اليونيفيل»، هل «حزب الله» مستعدّ لتسليم سلاحه؟

نظر الرئيس بري إليّ باستهجان من دون أن يقول شيئاً للحظات، لكنه استدرك بالقول: هل تطرح أن لا يكون السلاح ظاهراً في المنطقة، وما هي الحدود التي تقصد أن يُخلى السلاح منها؟

قال شطح: في عمق 10 كلم.

رد الرئيس بري بحدة: هل هذا قبل الانسحاب من مزارع شبعا أو بعد الانسحاب! اسمع يا د. محمد، أنا أناقش على قاعدة أن يكون السلاح ظاهراً أو غير ظاهر وليس أن يسلّم، هذا ما أفهمه.

ردّ شطح: الوزير الفرنسي يقول إن القصة هي الثقة.

بري: ونحن من يعطينا الثقة بتحرير الأرض وردع إسرائيل؟

انتقل شطح إلى السؤال الثاني ودائماً نقلاً عن السنيورة:

2- القوة المتعددة، الفرنسي يفكر أن يكون القسم الأكبر منها فرنسي.

بري: لا تستعمل كلمة قوة متعددة، لأنه في هذه الحالة تكون في الجانب الإسرائيلي ولا يهمّنا من تكون. إما إذا كان المقصود زيادة عدد الطوارئ وفق مهامها فهذا الأمر أنا مسؤول عنه وعلى مسؤوليتي.

3- طالما أننا لم نتفق على هذه النقطة، ما رأيك في اجتماع مشترك بينك وبين الرئيس السنيورة والوزير الفرنسي؟

بري: أنا لا أستبيح دم قانا، ولن أناقش قبل وقف النار، أقبل أن نناقش مع بعضنا داخلياً للاتفاق على موقف موحد، ولكن ليس مع الخارج.

عاد شطح إلى النقطة الأولى حول السلاح في المنطقة (جنوب الليطاني)، فقال الرئيس بري إننا نتعاطى معه كما نتعاطى مع السلاح في العاصمة والمناطق، الظاهر منه يمنعه الجيش ولكن لن نقبل بالمداهمات، وبكل الأحوال هذا الموضوع ليس للنقاش الآن.

وأكد الحاج حسين الخليل أنهم ملتزمون في حال تمّ التوصل إلى اتفاق على وقف النار أن لا يطلق أي صاروخ.

ليلاً استفسر السفير الإيراني محمد رضا شيباني عن مجريات الأمور التي حصلت خلال النهار، وكان يحضر لاجتماع حصل بين وزيري خارجية إيران وفرنسا في مقر السفارة الإيرانية في بئر حسن، وكان تبادل للآراء حول المشروع الفرنسي نقل خلاله الوزير الإيراني جوهر الموقف الذي نطرحه.

في هذا الوقت، صدر عن مجلس الأمن بيان يأسف لمجزرة قانا من دون أن يتجرأ على رفض الموقف الأميركي بإدانتها، ولم يتطرق إلى إعلان وقف إطلاق النار.

في حلقة الاثنين المقبل:

قضية «القوة المتعددة» تتفاعل

وأبو الغيط في بيروت يحمل «أفكاراً جديدة»

إنزال إسرائيلي في بعلبك بحثاً عن حسن نصر الله!

——————————-

اتصالات بريطانية ـ إيرانية تظهر استعداد الغرب لتسوية بشروط المقاومة.. وبري حذر من “المتعددة” نصرالله لبري: سنصعّد صاروخياً غداً (2 آب).. وأطمئنكم أن التحكم والقيادة والاتصال جيدة جداً

صفحات مجهولة من حرب تموز كما يكشفها نبيه بري ويرويها علي حسن خليل10

والتين والعنب وطول السنين من الأمين للسيد الأمين.. الوطن مقطع الاوصال، والطرق الى سماحته لم تعد تمر على الاسمنت, ليس فيها دروب ولا أزقة.. ترتفع فوقها ارض وسماء, أصبحت اليابسة حيرى تبحث عن قاطنها فيما رفيق حربه يبحث في بطون مشاريع القرارات ويوضب سلة العنب وأكواز تين الجنوب العابرة للأسرار والتي سترنم لاحقاً لحن الانتصار.

وكمن يجمع غلة الحقل كان الرئيس يشرف على “سلة” تُنسي السيد سلال الشروط الدولية واللبنانية لوقف النار وتأخذه الى كروم الجنوب الواعدة بتفتح الربيع ولو على متن آب.

ولم يكن الكرم على درب الاميركي ولا الفرنسي أو البريطاني والاسباني ولا هو جاء على جناح المصري الذي جاءنا “مرحاً”، لكأنه يزور مدينة عابقة بالحياة ولا ينقصها سوى نزع السلاح.

وفي الايام الاولى من شهر آب، كنا قد بدأنا نضع الحجر الاساس لمبنىً سنشيّده نصراً بعد صبر, فالخسائر كبيرة في صفوف العدو والتقدم البري معطل, وبميزان الرئيس نبيه بري وتقديره لخط سير المعركة فإننا “حققنا انتصارات تعادل مجموع ما حققه العرب في حروبهم جمعاء“.

طويلاً بحثت إسرائيل عن هدية أو جائزة ترضية تقدمها لشارعها والى أولي أمرها الاميركي بحيث تتمكن من هدف واحد حتى ولو جاء على صورة اعتقال “حسن نصرالله البقاعي” أو تثبيت موطئ قدم عند أقدام نهر الليطاني غير أنها كانت تجد أن حربها بلا أهداف, وإن سجلتها, فسيكون ذلك على أجساد المدنيين ما يساهم في اسوداد وجهها أكثر فأكثر أمام الرأي العام العالمي.

كانت صباحات آب تشرق تفاؤلاً على عين التينة رغم الالم والدم. عشرون يوماً من الحرب جاءت بعشرين ألف مقترح وموفد ورسول “انقطعت أنفاسهم” على أمن اسرائيل من سلاح “حزب الله” يعاونهم في مساعيهم لفيف من المتبرعين اللبنانيين الذين استعجلوا استثمار الفرص وتسييل السلاح “خافوا.. فنحن لم نتقدم بشيء” على حد وصف الرئيس فؤاد السنيورة.

مشهد لم يكن بحاجة الى خائفين وكان يستلزم شد عصب ورجالاً يدوّرون زاويا.. يسيرون فوق ماء التفاوض ويستخرجون ملحها.

* * * * *

فتح الأول من آب مرحلة جديدة في الحرب، مع فشل قوات العدو في تحقيق أي اختراق بري برغم توسيع مساحة الجبهة وضخ المزيد من جنود الاحتياط.

كان القتلى بين جنود النخبة الإسرائيلية إلى ازدياد، والمراوحة تُحدث رعباً في عيتا الشعب، وعدم القدرة على الحسم في أي من البلدات يحول الوجهة الإسرائيلية نحو خلق منطقة محروقة، وبرزت محاولة إنزال إسرائيلية في مدينة بعلبك تحاول التعويض عن الفشل في قتل اي من القادة بأسر الاثم الذي يرعبهم حتى ولو كان مزارعاً لا حول له، حيث دفعت اسرائيل نخبة جيشها في هذا الانزال لتأسر المواطن حسن نصرالله وترافقت العملية مع غارات مكثفة، فشلت في تحقيق أي نتيجة.

وتبدى الوهن الإسرائيلي في تصريح الجنود أمام قادتهم بأنهم غير قادرين على خوض مواجهات بالقوة والأسلوب اللذين اعتمدهما المقاومون في قرى حاول العدو دخولها، وبدأت الأسئلة على المستوى القيادي عن القدرة على توسيع الحملة البرية، وفق ما افترضه ايهود أولمرت.

في هذا الوقت، عُقدت القمة الروحية في بكركي وصدر بيان تضمن ما اقترحه الرئيس بري بالأمس، حيث جاءت فيه إشارة إلى أن الوحدة الوطنية كانت وستبقى القاعدة الأساس لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي والتصدي له والتي يشكل “حزب الله” أحد مقوماتها، باعتباره يشكل شريحة أساسية من المجتمع اللبناني.

عند الساعة الحادية عشرة، من صباح الثلاثاء في الأول من آب أيضاً، وصل وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي مع الوفد المرافق إلى عين التينة للقاء الرئيس بري، وقد حضرت اللقاء معه.

استهل متكي كلامه بنقل تحيات القيادة الإيرانية التي اجتمع أركانها، وثمّنوا عالياً دور الرئيس بري في إدارة المعركة السياسية. وقال متكي إنه سأل وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي خلال اللقاء الذي جمعهما في السفارة الايرانية في بئر حسن ليل أمس ما إذا كان ممكناً تطبيق مشروعه كبرنامج كامل في وقت قصير، مقترحاً تجزئته وفقاً للقواعد نفسها التي وضعها الرئيس بري سابقاً على مرحلتين: وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وعودة النازحين، ولاحقاً تناقش الأمور السياسية الأخرى.

بري: حتى الآن كل الأمور جيدة برغم الخسائر الكبيرة في صفوف المدنيين، لقد تحققت انتصارات تعادل مجموع ما حققه العرب في كل حروبهم. المواجهة تحتاج إلى ثلاثة أمور:

1- الواقع الميداني وهو جيد والمبادرة تتحول لمصلحة المقاومة.

2- الوحدة الوطنية، وبرغم بعض التباينات نحن نعمل على حفظها بكل الأشكال، وعلى كل الخطوط، مع الرئيس فؤاد السنيورة والحكومة، واليوم في القمة الروحية، ومشهدها مهم للغاية.

3- في المفاوضات مع الجهات الدولية، نحن حتى الآن لم نخضع لأي ضغط وموقفنا أصبح أكثر تفهماً، حتى عندما التقاك الوزير الفرنسي بالأمس، أنا أعتقد أنه يفاوض نيابة عن الأميركي الذي يدرك أهمية الحاجة إليكم.

في مشروع الحل ـ تابع الرئيس بري كلامه ـ “لدينا بعض الثوابت، لا مانع لدينا من انتشار الجيش اللبناني وبأي طريقة، ولا مانع أيضاً من زيادة عدد الطوارئ وفق مهامها الحالية، وحول بسط سلطة الدولة قلنا نعم للرئيس السنيورة، لكن هذا لا يعني على الإطلاق التخلي عن سلاح المقاومة، وهنا بصراحة الانتباه ضروري، وسوء الظن من حسن الفطن لأن بعض الداخل الذي نتحدث معه أشد من الأميركي في موضوع السلاح ويعتبر الحرب فرصته.

متكي: نحن متفقون على المشروع، وما سأعلنه هو دعم بيانكم مع الرئيس السنيورة في السرايا. لقد اتصلت بي وزيرة الخارجية البريطانية بعدما تغيرت ظروف المعركة وفتحت موضوع التسوية السياسية، نحن سنكرر أننا مع الموقف اللبناني، هذا ما اتفقت عليه مع الرئيس محمود أحمدي نجاد ولا نريد أن نثير حفيظة أحد. في لقائي مع الوزير الفرنسي شكا من أنك كنت صدامياً معه بعد مجزرة قانا.

بري: لقد حاول دوست بلازي التذاكي وأن يجرّني إلى حديث في التسوية السياسية، ونحن متفقون على حصر الأمر في وقف إطلاق النار. بكل الأحوال، أنا أشدد على أهمية أن توسعوا حركتكم الدبلوماسية مع الدول الأعضاء في مجلس الأمن.

متكي: ماذا تنصح أن نعلن بخصوص المساعدات للبنان؟

الرئيس: لا شيء، اتركوا العرب يتحملون مسؤولياتهم ويتبرعون وبعدها تدخلون.

عند الساعة التاسعة صباحاً، وصل الرئيس السنيورة الى عين التينة، يرافقه مستشاره د. محمد شطح، وكان يريد أن يعرف الجواب حول نزع سلاح “حزب الله” في منطقة جنوب الليطاني، وكان ردي أن السلاح يقوم اليوم بعمل بطولي في مواجهة العدو الإسرائيلي وأي نقاش حول مستقبله يتم بعد انتهاء الحرب وداخلياً. في كل الأحوال، أنا شخصياً لا قناعة لدي الآن خصوصاً أن تحرير مزارع شبعا غير محسوم في أي مشروع اتفاق، وحتى باقي البنود ما هي الضمانة لتنفيذها إذا سلمنا السلاح؟

السنيورة مقاطعاً بري: ولكن في جانب آخر، الرئيس إميل لحود يقول إنه لا يقبل أن يذهب الجيش اللبناني إلى الجنوب.

بري: اترك هذا الأمر علينا، لا توجد مشكلة مع الرئيس لحود وأنا أرتب الأمر، أنت ركّز على وقف إطلاق النار وأنا سأصعد على أول جيب عسكري للجيش، وأيضاً أجدد لا مانع من زيادة عدد قوات الطوارئ الدولية.

السنيورة: جماعة أميركا في أوروبا يقفون ضد وقف إطلاق النار، ألمانيا، إنكلترا، هولندا، تشيكيا، وهم يتحدثون عن وقف العمليات الحربية وأدانوا هجمات “حزب الله” على إسرائيل.

بري: هم يريدون تغطية الهجوم البري وإعطاءه فرصة، كلما دخل الإسرائيلي قاتلنا أكثر، لكن البلد سيخسر.

قال السنيورة: أنا خائف، لم نتقدم في شيء.

كان الرئيس السنيورة منزعجاً من بيان القمة الروحية وإيراد اسم “حزب الله” وعدم إضافة “وتعديل مهامها” عند الحديث عن قوات الطوارئ الدولية.. ولم يعط أهمية للبيان الذي صدر من بكركي.

نصرالله لبري: سنصعد غداً قصفنا الصاروخي

عند الساعة العاشرة والنصف صباحا، وصل الحاج حسين الخليل، نقل عن السيد حسن نصرالله أن تخفيف القصف الصاروخي في اليومين الماضيين كان لأسباب تتعلق بإراحة الأجواء لدى الناس، ولكن مع التصعيد الإسرائيلي في الساعات الأخيرة، فإننا سنصعّد غداً بشكل قوي، ومجدداً أطمئنكم أن التحكم والقيادة والاتصال جيدة جداً.

وأضاف الخليل إن الرئيس السنيورة طلب من الوزير متكي عند لقائه أن يعلن الموافقة على البنود السبعة، ثم في نهاية الجلسة طلب منه عدم الإعلان.

وأكمل الحاج حسين أن الفرنسيين أبلغوا الجانب الإيراني استعدادهم للمشاركة في القوة الدولية بالشكل الذي تقرر فيه، ولكنهم لن يقوموا بذلك إلا إذا أخذوا ضمانة من “حزب الله” وحركة “أمل“.

الأربعاء في 2/8/2006 هو اليوم الذي سجل أعلى نسبة صواريخ تطلقها المقاومة على المستعمرات والمدن الإسرائيلية وبمستوى أذهل قادة العدو والمراقبين وأكد المستوى العالي لإدارة المعركة، حيث أننا كنا في أجواء أن اليوم هو يوم التصعيد للتعويض عن اليومين السابقين ولإفهام العدو أن الخطة هي التدرج في استهداف المدن الأبعد، في وقت ازداد الحديث عن تعويض إسرائيلي بالوصول إلى مشارف الليطاني، وهذا ما جعل تركيز المقاومة ينصبّ على منطقة الطيبة لأنها أقرب نقطة إلى النهر إذا ما كانت إسرائيل تريد أن تسجل نصراً وهمياً تعزز فيه معنويات جيشها.

كنا نتابع الوضع ونعرف أن هذا المحور سيفاجئ العدو مع استخدام المقاومين تقنيات جديدة مضادة للدروع ستربك العدو وتعدل كل خططه.

صباحاً تردد الرئيس بري في إلغاء موعد مقرر للسفير البريطاني في بيروت جيمس واط احتجاجاً على موقف بلاده بالأمس برفض الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار، ولكنه عاد واستقبله وعند وصوله صارحه بأنه فكر في إلغاء الموعد، فرد واط أن حقيقة الموقف ليست كذلك وربما وسائل الإعلام تشوه الأمور وأكد أن بلاده ملتزمة بوقف إطلاق النار، وعزز واط قناعة الرئيس بري بأن وزير الخارجية الفرنسي كان يمثل الجانب الأميركي في اللقاء مع وزير الخارجية الإيراني في بيروت، وأشار إلى أن البحث في العمق يتناول طبيعة القوة الدولية التي يجري الحديث عن مجيئها إلى لبنان وأنهم يتجهون إلى الاقتناع بفكرة تجزئة الحل إلى مرحلتين مع الاتفاق على بنودهما معاً والأخذ في الاعتبار البنود السبعة للحكومة.

بري: ولكن الواقع أن طوني بلير ذهب ليطالب جورج بوش بوقف إطلاق النار وعاد ليتزعم المطالبة بعدم وقف النار.

واط: ما أقوله لدولتك حول تجزئة الحل والنقاط السبع هو الموقف الرسمي للحكومة البريطانية، وأنا أنقله لك والى “حزب الله” بواسطتك، ونحن نريد أن نلعب دور الجسر وسنعمل بكل قوتنا لعقد جلسة لمجلس الأمن لصدور قرار من الآن وحتى أسبوع.

سرعان ما تبدلت لهجة الرئيس بري وأشار إلى أهمية دور بريطانيا وضرورة إعلان ما قاله له في الجلسة.

أبو الغيط: نزع سلاح “حزب الله

وقبل أن يستكمل الرئيس بري مواعيده، اتفقنا على إرسال رسالة خطية إلى سماحة السيد نصرالله تتعلق ببعض المسائل الميدانية في جبهة الجنوب ومعلومات حول المسار السياسي وسلمتها إلى رسول بسبب غياب الحاج حسين الخليل “عن السمع“.

ثم التقى الرئيس بري وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط في صالون مكتبه وكان يتحدث بمرح ويأخذ الأمور ببساطة، لكنه استمع جيداً إلى الوقائع الميدانية في المعركة البرية والخسائر التي لحقت بالإسرائيلي واستعدادات المقاومة.

بادره الرئيس بري عند دخوله: هل الرئيس حسني مبارك زعلان لكلامي عنه؟

أبو الغيط: نعم.

بري: أنا نقلت زعل معظم اللبنانيين لأنهم لا يريدون مصر إلا إلى جانبهم وهم اسغربوا كثيراً ان يقال ما قيل.

أبو الغيط: نحن كذلك. نريد أن نكون الى جانب لبنان. وشرح أنهم يريدون القيام بدور ما وهو التقى قبل يومين الرئيس السوري بشار الأسد.

بري: نحن نشجع كل دور عربي، ولكن من المفيد أن تعيدوا الثقة لهذا الدور.

ثم بدأ النقاش السياسي وكان واضحاً أن الموضوع مع الأوروبيين هو نفسه مع المصري، ماهية القوة الدولية، وعرضت الأمور التالية:

الوقف الفوري لإطلاق النار.

وصول قوات دولية بعد 48 ساعة على وقف النار.

بعد 48 ساعة من وصولها يعود المهجرون إلى بلداتهم.

صحح الرئيس بري أن المقبول هو قوات طوارئ وفق المهام الحالية، وبما أنها موجودة أصلاً فلا داعي إلى انتظار عودة المهجرين ولتتم فوراً، وأنا أقول لك لا يهم بعدها نسبة زيادة عديد القوات.

أبو الغيط: وما هو دور القوات وما هو عديد الجيش المطروح أن يشارك؟

بري: الدور الحالي تماماً مع زيادة عديدها، ولكن بالتأكيد لا علاقة لها بنزع سلاح المقاومة.

أبو الغيط: ماذا نكون قد عملنا، هذا لا يصح وغير مقبول، يحب أن تكون هناك ترتيبات ومهام جديدة.

بري: هل تعتقد أن هذا يتم من دون التفاهم معنا. إن سلاح المقاومة وعديد الجيش أمور لبنانية نناقشها فيما بيننا، لكن لا مانع لدينا بأي عدد للجيش اللبناني.

توسع النقاش مدة ساعة ونصف تقريباً اتفقنا في نهايته على:

وقف إطلاق النار.

عودة مباشرة للمهجرين باعتبار طلائع اليونيفيل موجودة.

مهام اليونيفيل تتحدد برضى الطرفين، وفي جميع الحالات لا علاقة لها بسلاح المقاومة وهي ليست قوة ردع.

استطرد أبو الغيط قائلاً: إن الجانب السوري تحدث معه عن تفاهم نيسان وإعادة العمل به، وإنه سمع أن موقف السنيورة هو عدم القبول باليونيفيل في مزارع شبعا.

بري: أنا لم أسمع هذا الكلام من قبل، ربما يكون هناك التباس، وأنت في كل الأحوال ســوف تلتقيه.

موراتينوس مستطلعاً.. واتصالات بريطانية ايرانية

ثم التقى الرئيس بري وزير الخارجية الإسباني ميغيل انخيل موارتينوس الذي لم يحمل شيئاً جديداً، ولكنه كان متفهماً أن أية تسوية لا يمكن أن تحصل إلا بالاتفاق، وتحدث بانفتاح عن دور “حزب الله” وهو مع وقف فوري لإطلاق النار، وأهم ما فهمه الرئيس بري منه أنه سيقوم بزيارة إلى سوريا وسيكون أول وزير خارجية أوروبي يزور سوريا بعد انقطاع طويل.

كما التقى الرئيس بري وزير الخارجية الأردني عبد الإله الخطيب.

عند الساعة السادسة مساء، وصل الحاج حسين الخليل إلى عين التينة، أجاب على الرسالة الصباحية وأوضح بعض النقاط، ووضعه الرئيس بري في أجواء الاتصالات السياسية اليوم، وكان الرئيس بري أكثر تفاؤلاً من الصباح بعد سلسلة اللقاءات التي عقدها، حيث تأكد أن الوقائع الميدانية أعادت ترتيب جدول اهتمامات كل الأفرقاء وأصبحوا أكثر استعداداً للتسوية وفق شروطنا.

ونقل الحاج حسين أن اتصالات بريطانية – إيرانية قد حصلت ويعتقدون أن استراتيجية الإسرائيلي تقوم على احتلال بعمق 3 كيلومترات ويوافقون على إعلان وقف النار في انتظار وصول القوات الدولية وفق ما يريدون.

ركز الرئيس بري أنه علينا المتابعة مع كل الأصدقاء لضمان “فيتو” في مجلس الأمن ضد أي قوات متعددة، وأننا سننتظر ما يمكن أن يفعله المصري ومدى صدقية الموقف البريطاني، ولكن المهم أن نبقى محافظين على رباطة جأشنا في المعركة وأن تكون هناك دوماً مبادرات واستعدادات إيجابية، ثم جرى نقاش حول فكرة الحزب القومي بالدعوة إلى مؤتمر وطني، وكلفت بزيارتهم لمناقشة الأمر وحصره في اجتماع عام للأحزاب خوفاً من حدوث أي انقسام.

كان الرئيس بري يعتقد بإمكانية صدور قرار عن مجلس الأمن بوقف النار يوم الاثنين المقبل، ولكنه كان خائفاً من الموقف اللبناني فيما يتعلق بالقوة الدولية وأن هذه النقطة لم تحسم بعد، وأن تصر الحكومة على تعديل مهامها بما يشمل نزع سلاح “حزب الله” في جنوب الليطاني، وأن الرئيس السنيورة ما زال على هذه القناعة، ولكن المطلوب أن نبقى نسير على حد السكين في هذا الأمر.

ذكّرني الرئيس بري بضرورة أن ألتقي غداً الأمين العام لهيئة الإغاثة لإبلاغه برفض توزيع المساعدات الليبية في مناطق وجود المهجرين، وأن تبقى على الحدود الشمالية لأنها ستثير حساسيات كبيرة، وهذا ما فعلته وبقيت في ثكنة عرمان في الشمال وحصر توزيعها في بعض التجمعات.

——————————-

علـي حســـن خـلــيــــل يـكـشـــف أحــــد أكـبــــر أســــرار حـــرب تـمــــوز 2006:

إسرائيـل تقتـل جندييـها .. والمقـاومـة تكمـل التفـاوض

تبّت يد لهب أسرائيل.. حمالة حطب الارض المحروقة لكن السم الذي طبخته لشعبنا سيتذوقه شعبها ومجتمعها المختبئ والمرتعب من صاروخ على الشمال، فكيف اذا حلت معادلة جديدة «العاصمة بالعاصمة» والغارة بالصاروخ والمبتدأ بالخبر.

ليس عمق إسرائيل من سيتألم وحسب وإنما سيتجرع عدونا ناراً أعدها لنا، فصبت على «سبب الحرب» وهذا ما تكشفه حلقــة اليوم من يوميات دونت سراً واحداً بالخط الذي لا يقرأ.

خمس سنوات تدارى فيها السر تحت خمسين الف بئر عميقة، ولذلك فإنه اليوم سيشاع وسيخرج من طابعه الذي حمل عنوان «سريّ للغاية»، والغاية هنا أن صدقية ما ننشر تحتم علينا إخراج الاوراق ولو من مياه بئر.

بالتاريخ، اليوم والساعة التي لن نعطيها لعدوّنا أقدمت إســرائيل على هستــيريا غارات بلا تحديد الأهداف فكانت هي الهدف الذي أخفته عن الرأي العــام طيلة سنوات ما بعد الحرب.

كانت تمنّي النفس بتقــدم بري أو منصة صواريخ للمقــاومة.. تطــارد أشباحاً لظنها أنها قيــادات أو كوادر عسكــرية واذ بها أمام ناس من ورق أو على أبعــد تقدير في مواجهة «تشابه أســماء».. ولسـوء حظها وحـسن قدرنا فإنه لم «يخــلق لهــا من الشــبه أربعين».

كل هذه الإخفاقات بما فيها الإبادة بحق المدنيين وصولاً الى البقاع، دفعت باتجاه تثبيت أقدام التفاوض غير أننا كنا أحوج الى إقناع الداخل اللبناني بقليل من الصبر واستقدام العصب ولو على سبيل «الإعارة»، ففي الخارج من يشي ويشكك ويعرب الجمل الوطنية بالفرنسية والأميركية، وفي الداخل آخر ينتفض لأحاديته ويعلن بعصبية زائدة واحداً بأن «الأمور لم تعد تطاق.. ولا أقبل بظهور سيد بمنصب رئيس».

تحمّلنا موتنا.. وموت روح الآخرين المعنوية ومع ذلك آثرنا المضي بين حقول ألغام الغرب والعرب ننقح نصوصاً كتبت على حد السيف.

كانت كل المعطيات الميدانية في الثالث من آب تشير إلى أن إسرائيل قد دخلت مرحلة صعبة للغاية مع بلوغ عدد الصواريخ التي استهدفت المدن الإسرائيلية أعلى مستوى لها في أيام الحرب نسبة إلى الفترة الزمنية التي أطلقت فيها والمساحة الجغرافية التي غطتها وعدد القتلى الذي دفع المستويين السياسي والعسكري في إسرائيل إلى التوقف أمام المخاطر الحقيقية الناجمة عن تبدلات الحرب لجهة قدرة المقاومة على المبادرة، في وقت عجزت قوات النخبة الإسرائيلية عن إحداث أي اختراق حقيقي يمكن أن يسجل كإنجاز، وبقيت المعارك على تخوم مارون الراس في القطاع الأوسط وعلى حدود سهل الخيام في القطاع الشرقي.

بداية النهار السياسي للرئيس نبيه بري كانت عقد جلسة لرؤساء ومقرري اللجان النيابية، حيث أبلغهم بثقة كبيرة أن المعركة هي لمصلحتنا والنتائج على الأرض توحي بأن الهزيمة ستلحق بالعدو، متعمداً التحدث بمعنويات عالية لإيصال رسائل إلى كل الكتل المشاركة، بالإضافة إلى وضع أسس لإطلاق ورشة تشريعية تواكب مرحلة ما بعد الحرب واحتياجاتها.

أبلغني الرئيس بري أن السفير الأميركي جيفري فيلتمان حاول الاتصال لأكثر من مرة، وأنه يرفض التواصل معه وما زال على الموقف من مقاطعتهم، لا بل أصبح أكثر تشدداً بعدما سمع بالمشروع الأميركي – الفرنسي، وقال إن فيلتمان عاد وأصر اليوم على اللقاء مقترحاً أن يكون في السر إذا كان الأمر مزعجاً في العلن، لكن الرئيس بري رفض وقال إنه يمانع في المبدأ عقد أي لقاء سري، فكلف علي حمدان أن يتواصل معه ويستمع ما إذا كان لديه أي مشروع جديد، على أن لا يعطيه أي موقف ويؤجله إلى حين طرح الأمر على قيادة الحركة لاتخاذ القرار المناسب.

في اللقاء معه، أعلن فيلتمان أن مساعد وزير الخارجية ديفيد ولش سيأتي إلى بيروت وهو يريد أن يلتقي الرئيسين بري وفؤاد السنيورة وأنه لا يمانع أن يلتقي الرئيس بري في الشكل الذي يريده، وكان جواب الرئيس بري التريث في الإجابة لكن بالتأكيد «لن أقبل بأي لقاء سري».

معادلة «تل أبيب مقابل بيروت»

ليلاً، أطل السيد حسن نصرالله في خطاب متلفز تحدث فيه بشكل شامل عن المجريات الميدانية وقدرات المقاومة والعناصر الجديدة التي أدخلتها إلى ساحة المعركة على المستوى النوعي، والتكتيكات المعتمدة لجهة استدراج العدو إلى معارك برية، وطرح المعادلة الجديدة حول الوقف النوعي لإطلاق النار من جهة، ومخاطباً رئيس الأركان الإسرائيلي:

«إذا قصفتم عاصمتنا فسنقصف عاصمة كيانكم الغاصب».

وحمّل «السيد» الجانب الأميركي قرار الحرب ومسؤوليتها، ووعد أن نتائجها ستؤكد أن لبنان لن يكون موقعاً من مواقع الشرق الأوسط الجديد الذي يريده جورج بوش وكوندوليسا رايس.

بعد خطاب السيد نصر الله، جرى تواصل هاتفي مع الحاج حسين الخليل قبل عقد لقاء مع الرئيس بري في عين التينة، أبلغَنا فيه الحاج ما يلي:

«الوضع الميداني ممتاز، المنصات الصاروخية كثيرة إلى درجة أنه عندما نطلق منها الصواريخ نتركها في أرضها حتى لا نؤثر على مقاتلينا والناس، ولهذا لا قيمة للحديث عن ضرب منصات، هذا هو تكتيكنا المعتمد، حديد بحديد، السيطرة على الصواريخ ما زالت مثل اليوم الأول. لم نفقد التحكم في أي واحدة منها والذخيرة حسب الظاهر أفضل من الإسرائيلي الذي بدأ يُنقل من المستودعات الأميركية على وجه السرعة.

على مستوى المعركة البرية، المقاتلون على الحدود تماماً، نسمح ببعض التوغل لأسباب تكتيكية تضرّ بالعدو، نحن لغّمنا المداخل الطبيعية ولهذا يعمدون عند أي محاولة تقدم أن يشقوا طرقات جديدة وهم مربكون من نوعية الصواريخ المضادة للدروع.

إن فكرة «تل أبيب مقابل بيروت» جاءت لتؤكد أن بيروت تحميها المقاومة وليس الضمانات الأميركية كما يسوق البعض داخلياً».

وتابع الحاج حسين الخليل: «هناك موضوع آخر لا يعرفه إلا عدد محدود جداً من الاخوة المعنيين مباشرة ولن يعرفه أحد لاحقاً سوانا، لقد أدى القصف الاسرائيلي خلال الايام الماضية الى مقتل الأسيرين الإسرائيليين جراء غارة على أحد الاماكن، لقد كان الاخوة حذرين جداً ومتنبهين لكي لا يحصل هذا، لكن توسيع عمليات القصف واستخدام صواريخ كبيرة وعدم تحييد أي مكان أدى الى هذا الامر، إن الشباب عملوا بكل طاقاتهم تحت الخطر من أجل أن يحافظوا على الجثتين وينقلوهما، إنها المفارقة.. إسرائيل تقتل أسيريها التي أعلنت الحرب لأجلهما، من جهتنا كمقاومة، سنكمل معركة التفاوض وكأن شيئاً لم يحصل».

وقال الحاج حسين: في السياسة، يجدد «السيد» التأكيد أن الأمر عندك وفق تطور المباحثات مع الأطراف المختلفة. في قضية مزارع شبعا لا مشكلة عندنا في تسليمها إلى الأمم المتحدة، وإن كنا من حيث المبدأ سنبقى على طرح تحريرها.

وهنا قال الرئيس بري: أساساً أنا أشترط دوماً الأمر بعودة الأهالي إليها لتكون ضمناً مثل أي مدينة جنوبية، والاستثناء الوحيد أن لا يكون فيها جيش.

يكمل الحاج حسين نقلاً عن «السيد»: أنا معك يا دولة الرئيس بأن الأساس هو الانتباه إلى مهام القوة الدولية، الحذر ضروري مع تكرار السنيورة للأمر وأنه سيدرس المسألة في الحكومة، لن نقبل بالمداهمة أو تحديد التجول أو غيرها.. وأنا معك أيضاً مئة في المئة بأن لا نقبل بقوات إسلامية أو عربية، وربما يأخذ أبعاداً طائفية إذا لعب البعض على الوتر.

هنا يسأل الحاج حسين عن المشروع الفرنسي.

بري: قل لسماحته إن هذا ليس مشروع تسوية، هو يريد أن يضمّنه قضايا سياسية أقرب ما تكون إلى اتفاق سلام مع إسرائيل.

الخليل: هل تعتقد أن سعد الحريري والسـنيورة سيكونان ثابتين معنا؟

بري: نحن لن نخسر شيئاً أكثر، كل ما هو مطروح بالنسبة إلينا توسيع مهام القوات الدولية وهذا لن نقبل أن يُبحث في مجلس الوزراء قبل وقف إطلاق النار حتى لا نُحرج في التصويت.

وعلى الباب، قال الرئيس بري للحاج حسين: إني أحضّر أوراق الدعوى ضد ايهود أولمرت، مركّزاً على حملته لإبادة الشيعة، علينا أن لا نسكت.

الحريري يهاجم سوريا وايران من موسكو

في 4/8/2006 دخل البقاع من أبعد نقطة فيه إلى عالم المجازر الإسرائيلية، حيث وقعت مجزرة في بلدة القاع أشبه ما تكون بمجزرة قانا، حيث استهدفت تجمعاً للعمال الزراعيين وترافقت مع اتساع عمليات القصف الذي قطع آخر الممرات الإنسانية بين العاصمة والمناطق المختلفة، وأحدث اختناقاً لعمليات الإغاثة.

هذا الجو التصعيدي لم يترك أي أثر سلبي على حركة المقاومة التي استطاعت أن تحجم محاولات الاختراق البرية في القطاعين الأوسط والشرقي وأوقعت خسائر كبيرة في جيش العدو بالإضافة إلى القصف الصاروخي في عمق الداخل الإسرائيلي، حيث استخدمت للمرة الأولى صواريخ «خيبر» التي يصل مداها إلى 75 كلم، أي أقل بضربة حجر من تل أبيب التي أكدت التجارب وتطور الأداء الصاروخي للمقاومة أنها ليست في منأى عن الاستهداف إذا ما أرادت المقاومة ذلك، وفي وقت كانت أسطورة «الميركافا» قد سقطت بالكامل مع الاستخدام المتميز للمضادات الموجهة من بعيد.

هذه الوقائع أسقطت مشروع العدو في السيطرة على شريط بعمق 6 كلم، كما كانت قيادة الجيش الإسرائيلي قد وضعت هدفاً لها، وأسقطت معها وحدة المستوى القيادي الإسرائيلي الذي بدا مرتبكاً تتعارض فيه الآراء حول قرار توسيع الحرب أو وقفها.

في هذا الوقت، كان الحراك يتسع في مجلس الأمن الدولي ويقوده الجانب الأميركي مع الفرنسي الذي يعمل على قرار بداية الأسبوع المقبل تتوسّع فيه البنود السياسية ولا مكان أساسي فيه للأسيرين الإسرائيليين اللذين وقعت الحرب باسمهما، حيث لم يعد يتم تناولهما إلا كجزء من «إكسسوارات» الحل الذي يطال وفق الحساب الأميركي سلاح المقاومة والحدود مع سوريا وتشكيل قوة دولية يجيزها مجلس الأمن.

بالتزامن كان النائب سعد الحريري في زيارة لموسكو، يتحدث عن حل شامل للمشكلة بالترافق مع وقف إطلاق النار ويشن هجوماً على سوريا وإيران محاولاً إدخالهما طرفاً في المعركة وبأنهما يستخدمان «حزب الله» لأهدافهما السياسية، مع أنه برر وجود الحزب في الحكومة بأنه جزء مؤثر في الحياة السياسية الداخلية.

السنيورة في عين التينة منفعلاً

في موعد طارئ عند الساعة العاشرة صباحاً، استقبل الرئيس بري الرئيس فؤاد السنيورة الذي كان محبطاً ويتحدث بعصبية ظاهرة وبأن الأمور لم تعد تطاق، وقال إنه لا يقبل أن يظهر السيد حسن نصرالله ليتحدث مقابل رئيس الوزراء الإسرائيلي وكأنه ممثل لبنان ودولته، وقال «إننا في لبنان نتصرف كدولتين، أنا لا أحتمل هذا، البارحة كان السيد نصرالله يتحدث ويقدم الاقتراحات ويهدّد وكأنني غير موجود، إن الأجواء في بيروت سيئة والناس لا تحتمل هذا الجو».

بري: لماذا هذا التفكير، ألم تضع أنت النقاط السبع ورغم تحفظنا مشينا معك بها، ألم تسمع بالأمس ما قلته في اللجان النيابية بأننا إلى جانبك فيما قررته؟ عليك الانتباه أن السيد حسن نصرالله يخوض معركة استثنائية، أنت لم يقل لك أحد إنك تفردت في روما بل تبنينا الأمر حفاظاً على الوحدة الوطنية.

السنيورة: إني أفكر أن نعقد اجتماعاً وطنياً عاماً على غرار اجتماع القيادات الوطنية إثر الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 والذي طالبت فيه القيادات «أبو عمار» بالخروج من بيروت.

بري: أنا أرفض هذا الأمر بشكل قاطع، سنة 1982 كنا على أبواب هزيمة وإسرائيل تحاصر بيروت وتدكها بالقصف، وأنا يومها رفضت أن أعطي براءة ذمة لياسر عرفات للخروج بطلب لبناني، وقلت له نحن بين أمرين أحلاهما مرّ… نحن الآن يا دولة الرئيس في حالة انتصار فلماذا الظهور بمظهر الانكسار، علينا أن نشدّ عزيمتنا ونبقى موحدين، أنا بالأمس رفضت مؤتمراً وطنياً كانت الأحزاب تريده وكذلك الرئيس سليم الحص، لأني لا أضمن أنهم سيوافقون جميعاً على ورقتك وبالتالي لا أريد أن نظهّر الانقسام الداخلي.

يا فؤاد هناك ثلاثة أمور:

1- صمود المقاومين على الأرض هذا محسوم، والمعركة تتجه لمصلحتنا. (رد السنيورة: معك حق).

2- الوحدة الوطنية، تجب المحافظة عليها، أنا والحزب غير موافقين على مؤتمر وطني.

3- على صعيد الاتصالات الدولية، الأمور أصبحت واضحة، نحن أعلنّا موقفنا، العالق فيها هو شكل القوات الدولية.

وخاطب الرئيس بري الرئيس السنيورة: «أما أنك تقول إن وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي لا يتبنى طرحنا في موضوع مزارع شبعا، فسجل عندك موقفنا كشيعة في حركة «أمل» و«حزب الله» نقبل ما طرحته عليك ولو رفض كل العالم».

السنيورة: ماذا أفعل؟ طريق الساحل قُطعت باتجاه الشمال، لم يعد يُسمح بدخول بواخر، الأزمة تزيد.

بري: إنها حرب، الأصعب فيها في خطوط المواجهة، لكن علينا أن لا نضعف.

السنيورة: لقد تحدث معي وزير خارجية اسبانيا ميغيل أنخيل موراتينوس وقال إن وزير الخارجية السوري وليد المعلم أبلغه أنه مستعد أن يأتي إلى لبنان وأن لا مانع لديه من قوات طوارئ دولية في مزارع شبعا من دون أن يحصل ترسيم الآن وهم ليسوا ضد «اليونيفيل» أو الجيش في الجنوب.

بري: أنا مستعد أن أستقبله وننسق الأمر.

السنيورة: العرب يريدون اجتماعاً لوزراء الخارجية العرب في بيروت.

بري: لنتفق من الآن، وقف إطلاق نار، النقاط السبع وفق اتفاقنا في مجلس الوزراء وعلى تعريف القوات بأنها قوات «اليونيفيل» نفسها. هل بدّلت؟

السنيورة: لا.

بري: ألم تسمع السيد نصرالله عن عرض وقف إطلاق النار؟

السنيورة: هو يطرح كفارس لفارس، وهذا لا يقبله الإسرائيلي.

بري: لكن هذا موقف يقوّينا في المفاوضات، ومع الأميركي.

السنيورة: هل قررت أن تستقبل ولش؟

بري: نعم، وسأقف عند وقف إطلاق النار وأنت «شدّ همّتك» واصمد، وأعتقد أننا اقتربنا من تحقيق نصر.

بري لحدادة: هكـذا مشينا على حد السكين

بعد خروج السنيورة، استقبل الرئيس بري وفد الحزب الشيوعي اللبناني برئاسة خالد حدادة الذي كرر تبني اقتراح الرئيس الحص بعقد لقاء وطني، وأعاد الرئيس بري التحذير من نتائجه وأنه يخاف من استغلال بعض القوى للتصويب على وحدة الموقف، خصوصاً قبل اجتماع مجلس الأمن الدولي، وقال له «نحن سكتنا على النقاط السبع ومشينا على حد السكين لنحفظ الوحدة».

حدادة: نحن نقوم بمروحة اتصالات مع قوى 14 آذار والحزب التقدمي وشخصيات أخرى.

بري: وأنت تبحث في الحضور عليك أن تقدر ما سيصدر عنه وهذا هو الأهم. لنركز، فنحن أمام تحدي المشاريع المطروحة، الفرنسي مشروعه سلام مع إسرائيل.

تلقى الرئيس بري اتصالاً من الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الذي أبلغه أنه سيأتي إلى بيروت الأحد مساءً، وطرح عليه أن هناك اجتماعاً لمجلس وزراء الخارجية العرب في بيروت وهم يريدون أن يجتمعوا مع الحكومة وبعدها مع الرئيس بري ثم مع لجنة الحوار الوطني.

بري: في لبنان حكومة واحدة، والحوار ليس مؤسسة دستورية، والوضع الأمني لا يسمح للسيد حسن نصرالله بالمشاركة وهو ركن أساسي.

موسى: نلتقي من دون السيد حسن.

بري: حتى لو شارك، نحن لسنا مختلفين، فلماذا نُدخل أنفسنا في هذا؟

بعد الاتصال، قال الرئيس بري لنا: أصبحت أكثر حذراً وخوفاً على الوحدة وصورتها لأن مثل هذا الاجتماع سيُدخلنا في نقاش وسيسمح ربما بمناكفات مع وزراء خارجية عرب.

طلب الرئيس بري أن ندرس مع اختصاصيين أفضل صيغة لقرار محتمل في مجلس الأمن، خصوصاً ما يتعلق بالقوات الدولية.

عند الساعة السابعة وصل الحاج حسين الخليل إلى عين التينة، وضعناه في أجواء اللقاء مع الرئيس السنيورة واتصال عمرو موسى، سأل عن أجواء مجلس الأمن، فقال الرئيس بري إنه حدد موعداً للموفد الأميركي ديفيد ولش يوم غد عند الساعة الحادية عشرة والنصف وعلى ضوئه نعرف توجه الأميركي، وأردف أن النائب سعد الحريري اتصل به(من موسكو) وقال إنه عمل كثيراً لتقريب المشروع الأميركي من الفرنسي وإنه علينا أن نقربهم منا، خصوصاً أن الوضع على الأرض غير جيد. وقال الرئيس بري انه رد على الحريري «على العكس الوضع ممسكوك والمبادرة في أيدينا ولا مشكلة».

ناقشنا بعض الأمور المتعلقة بالمهجرين لا سيما في المناطق المختلطة وضرورة مراعاة مشاعر السكان، وقال الرئيس بري إنه أرسل إلى الجنرال ميشال عون بعض المعلومات قبل مؤتمره الصحافي، وأبلغه أيضاً أن عليه الحذر والانتباه لأن دوره مهم جداً ولا نستبعد أن يكون في دائرة الاستهداف الإسرائيلي.

بعدها أكملت مع الحاج حسين الجلسة نناقش كيفية إسقاط البنود السبعة على قرار في مجلس الأمن، وناقشنا أن نلتقي معاً د. محمد شطح لدراسة الأمر، وأعددنا مسودة كاملة فيها تعليق على كل نقطة وموقعها وطريقة صياغتها، وجوهرها رفض تعديل المهام لقوات الطوارئ، والتدقيق في تعديل اتفاقية الهدنة، وتزامن وقف النار مع الانسحاب إلى «الخط الأزرق».

لقاء مطوّل مع شطح والسنيورة

اتصل النائب ياسين جابر ومعه السفير جهاد مرتضى من لندن ونقل أنه التقى رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير الذي أبلغ سعيه لوقف الأعمال العدائية خلال 24 ساعة وبعدها سلة على مراحل، وأنه سيتصل غداً بالرئيس السنيورة.

اتصل الرئيس بري بالرئيس السنيورة وأبلغه بأني سأنتقل إليه، وأن أتحدث أيضاً مع د. محمد شطح حول ما ناقشناه في مسودة القرار.

انتقلت إلى السرايا الحكومي والتقيت د. محمد شطح عند الساعة التاسعة ليلاً وبعده مع الرئيس السنيورة والنقاش تمحور حول صياغة مشروع القرار من وجهة نظرنا، حيث إن الفكرة المتداولة هي تضمين القرار عناصر البنود السبعة من دون أن يكون هناك تبنٍّ لها لأن هناك فكرة أن يكون وقف إطلاق النار مرتبطاً بتجميد الأوضاع كما هي على الأرض حتى وصول القوة الدولية والجيش اللبناني، ويكون الأسرى والمعتقلون من سلة أخرى والأمور الباقية ممكنة لجهة عودة النازحين فوراً، ومن قبل لبنان يقدم على بسط سلطة الحكومة على كامل الأراضي اللبنانية

أما في اللقاء المطول بين السنيورة وولش فقد طرحت النقاط التالية حسب الرئيس السنيورة:

1- وقف الأعمال العدائية، وطرحنا وقف النار.

2- في الانسحاب حتى الخط الأزرق، لم يعط جواباً وربط الأمر بتسليم القوة الدولية.

3- الانسحاب من شبعا، لم يوافق.

4- يدخل الجيش اللبناني ويتسلم المواقع العائدة إلى الحزب والأسلحة الموجودة فيها بما يجعل منطقة جنوب الليطاني خالية من أي سلاح، وأن ولش سأل ما إذا كان الجيش حاضراً لهذه المهمة وتفاصيل ترتيب دخول قوات الطوارئ معه من أجل إعطاء صدقية مباشرة.

5- تشكل القوة الدولية في سلة ثانية وبقرار آخر نصل فيه إلى وقف إطلاق النار والحديث عن تفاصيل تشكيل القوة وتعديلات اتفاقية الهدنة.

خرجت واتصلت بالرئيس بري وأبلغته أن مجمل الأفكار تحتاج إلى إعادة ترتيب، من الأولويات والصياغة وتنظيم المراحل، واتفقنا أن نلتقي غداً قبل لقائه مع ديفيد ولش.

——————————

السنيورة يخرق الإجماع الوطني برسالة مفخخة لمجلس الأمن وينبش «ملفات قديمة» مع المعلم وزراء عرب يحذرون من كارثة إذا رُفض المشروع الأميركي… وموسى يحذر من ردة فعل واشنطن

صفحات مجهولة من حرب تموز كما يكشفها نبيه بري ويرويها علي حسن خليل 13

يكون التفاوض فأساً أو براويز نجوم أو لا يكون أبداً.. فلدينا من الدماء ما يؤهلنا لصنع تاريخ فكيف بعملية وقف نار أصبحت إسرائيل هي الساعية لإبرامها بعد عجزها عن الحسم العسكري.

وعلى وقع التقهقر من الميدان، دخلنا ليالي القدر وخلالها أصبحت أوراقنا خيرا من ألف شهر. لم نصب بداء الحل السريع ولا نحن رتبنا تسوية كيف ما اقتضى، وليس بين الوفود الغائرة إلا قلة مواقف عربية صلبة والكثير الكثير من روح الانهزام.

وعلى مرمى نصر، كانت الصيغ المحلية والدولية والدولية المعرّبة ترعى في الحقل اللبناني، فتقطف ثمار الصمود وتدوره على شكل هزيل وشاحب يتوسل النهايات البائسة سياسياً وأمنياً.

دخلت المفاوضات عصر العرب، طائرات عربية خاصة كانت تشغل حركة الملاحة في مطار بيروت المكفهر وتخرق أجواءً تلبدت بالغارات وتسمع من الفضاء أصوات أطفال وهم يهمون بالصعود إلى السماء.

ويا لثارات الأطفال.. ودمائهم الطاغية على أي حبر سيحمل وقع الانكسار، لهم تُصنع نقاط الحروف الصعبة وبهم نرسم أُفق الآتي من الحلول، وما دون ذلك لن يعنينا، ولن نتوقف عند إنقاذ عدونا من ورطته.

تحت هذا السقف، ارتسم الموقف لكن «مشكلتنا في الداخل كانت أكبر بكثير من الخارج» جراء مواقف الحكومة اللبنانية التي راسلت مجلس الأمن «تسللاً» واقترحت تعديلات على مشروع القرار الفرنسي الأميركي بينها إنشاء منطقة خالية من السلاح والمسلحين جنوبي نهر الليطاني.

والمشروع نفسه بلا تعديل كان أشبه «بمنطقة خالية» من أي سيادة لبنانية والنتيجة الوحيدة له هي «بدل أن نكون في مواجهة إسرائيل سنصبح ضد كل هذه الدول التي ستوقع عليه» كما أكد الرئيس نبيه بري لـ«السفير» الفرنسي برنار ايمييه ذات لقاء.

انتهى يوم الموفد الأميركي ديفيد ولش والمشروع الاميركي، ليبدأ يوم آخر هو الاحد في السادس من آب 2006، حاملاً نتائج ميدانية قاسية على العدو الذي سقط له العشرات بين قتلى وجرحى بعد قصف صاروخي للمقاومة أصاب تجمعاً للمظليين في مستوطنة كفرجلعادي.

لم تعد اسرائيل تراهن على قدرتها العسكرية بإحداث اختراقات برية توظف سياسياً وأصبح التركيز على الإسراع في تمرير المشروع الاميركي الفرنسي للتعويض عن الازمة التي وصلوا اليها والحيلولة دون اجراء اي تعديلات عليه تتجاوز بشكل خاص بند تشكيل قوة متعددة الجنسيات لانهاء الوجود المسلح لـ«حزب الله».

في هذا الوقت، كان التحضير لانعقاد مؤتمر وزراء الخارجية العرب في العاصمة، قد بدأ مع وصول وزراء الخارجية الى بيروت وأبرزهم الوزير وليد المعلم، لما لحضوره من دلالات لا سيما أنها أول زيارة لمسؤول سوري على هذا المستوى الى بيروت بعد الانسحاب من لبنان قبل اكثر من سنة والتقى خلالها برئيس الحكومة فؤاد السنيورة ونقل اليه تبني سوريا لما يجمع عليه اللبنانيون مع اشارة واضحة الى تأييد موقف لبنان من مزارع شبعا المحتلة.

عندما نزل الرئيس نبيه بري صباحاً الى مكتبه لم يكن مرتاحاً لأجواء مجلس الأمن وناقشنا معه الملاحظات التي أبدتها مندوبتنا في الامم المتحدة كارولين زيادة على مشروع القرار المطروح وأوعز بمتابعة بعض التفاصيل.

منتصف نهار الأحد، وصل السفير الايراني محمد رضا شيباني والتقى الرئيس بري بحضوري وبدأ بقراءة رسالة مكتوبه من مرشد الجمهورية الإيرانيه السيد علي خامنئي وفيها «بعد التحية والسلام عليكم، أنا أتابع مواقفكم بشكل كامل وهي مواقف موفقة وجيدة للغاية وأنا أدعو لكم لكي تستمروا وتنتصروا».

وأبلغنا السفير شيباني قلق وزير الخارجية منوشهر متكي من مشروع القرار السيئ في مجلس الامن وأنه يجري اتصالات مع الجانبين الروسي والصيني برغم ان الروسي لا يدرك عمق الازمة القائمة ولكن المندوبين الصيني والبريطاني في مجلس الامن ابلغا سفيرنا هناك ان لا مصلحة للعمل على عرقلة المشروع لانه سيمر سواء قبلتم او رفضتم او قبل لبنان او رفض، وسأل السفير شيباني عن رأينا وماذا يمكن ان نفعل؟

بري: انا نصحت دوماً بالعمل على تأمين حلفاء في مجلس الامن، نحن امام تحدٍ كبير، القرار يعطي اسرائيل اكثر مما طلبت، يعوضها عن كل هزيمتها في لبنان وبكل الاحوال نحن سنرفض القرار ونواجهه إذا صدر والخوف ان يحصل اختلال في الموقف الداخلي اللبناني.

وقال السفير الايراني ان وزير خارجية بلاده منزعج من حديث السنيورة عنه بعد عودته من لبنان وتحميله كلاماً لم يقله حول مزارع شبعا، فرد الرئيس بري بأنه طلب تفسيراً من الرئيس السنيورة قبل أن يرد عليه في الصحف، وأوضح شيباني لنا ان السنيورة تعمد في اللقاء مع متكي ان يدخله في تفاصيل دقيقه فكان رده ان الموقف الرسمي الايراني هو تبني نقاط الاجماع اللبناني لكن بشكل شخصي، اسجل بعض الملاحظات، وقد تعمد السنيورة تسريبها بشكل مشوه.

الأسد: لا مانع من تسليم الجيش أو «اليونيفيل» مزارع شبعا

بعدها، عقد الرئيس بري مؤتمراً صحافياً قال فيه ان مشروع القرار الأميركي الفرنسي لمصلحة اسرائيل التي لم تنتصر بالحرب وأعطوها كل هذا فيكف اذا انتصرت ماذا كانوا سيعطونها. وفنّد كل بنود القرار ومخاطره، رافضاً اي كلام او مشروع يتجاوز النقاط اللبنانية، موضحاً موقف ايران الحاسم والمؤيد لما يتفق عليه اللبنانيون، وأشار الى ان المشروع تحدث عن اطلاق سراح الاسيرين الاسرائيليين من دون شروط وبالتالي «اعفوني من هذه المهمه وبكل الاحوال لم يعد لي علاقة بالموضوع».

عند الساعة الرابعة والنصف عصرا، وصل وزير الخارجية السوري وليد المعلم، فاستقبلته وبدأنا الاجتماع بأن شكره الرئيس بري على الموقف من مزارع شبعا، فقال المعلم انه تحدث اليوم مع الرئيس بشار الاسد الذي ابلغة بوضوح ان لا مانع عنده من ان يستلم الجيش اللبناني أو «اليونيفيل» مزارع شبعا، وأن يحصل ترسيم لاحقاً ثم شرح له الرئيس بري الموقف وصولاً الى مشروع القرار المطروح في مجلس الأمن، وسألنا المعلم عما يمكن فعله، فشدد الرئيس بري على تبني النقاط السبع والوحده الداخلية.

وبعد مغادرة المعلم، استقبل الرئيس بري الامين العام للجامعه العربية عمرو موسى الذي انتقل من مطار بيروت الدولي الى عين التينه فوراً حيث انضممت والحاج حسين الخليل الى الاجتماع بناءً على اتفاق مسبق مع موسى. كان الحديث في الاجتماع صريحاً، وخلاصته رسالة واحدة تتضمن:

ـ ان المعركة هي مع اللبنانيين ولا علاقة لإيران او غيرها بها وهذا ما يجب ان يعرفه وزراء الخارجية العرب.

ـ أمامنا فرصة لتسجيل نصر وأن لا نعطي لإسرائيل في السياسة ما لم تستطع ان تأخذه في المعركة.

ـ تجاوزنا كل التحفظات على مواقف بعض اللبنانيين لا سيما الرئيس السنيورة وسعد الحريري وقبلنا بالنقاط السبع مع الاحتفاظ بالتفسير حول بعضها.

ـ يجب ان يتحول مؤتمر وزراء الخارجية الى فرصة للمساعدة على تحرير مزارع شبعا ليكون جميع العرب مشاركين بالانتصار.

كان عمرو موسى مستمعاً وقال ان علينا عدم الاستهانة بما يمكن ان يفعله الاميركي من اجل تمرير مشروعه ولكنه حريص على ان يكون الموقف العربي الى جانب الحكومة اللبنانية.

لم تستطع وسائل الاعلام أن تواكب مرحلة المجازر الاسرائيلية التي تنقلت طوال النهار على مساحة كل الجنوب لتصل ليلاً الى مجزرة في الشياح هي الاولى في تلك المنطقة وتحصد العشرات بين شهيد وجريح بعد أن كان الجميع قد عاش نهاراً أصداء مجزرة حولا والتي استعاد معها أهل الجنوب صورة المجزرة الاولى هناك في العام 1948.

السنيورة يبكي مرتين..

كان يوم الاثنين في السابع من آب 2006 من أكثر الايام خسارةً على المستوى البشري وكانت إسرائيل تسعى من خلال عملياتها الى تحصين موقفها في الامم المتحدة قبل انعقاد مجلس الامن. أما الأبرز سياسياً، فكان اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي انعقد في السرايا الحكومية، وسط تباين في الآراء بين المشاركين فيه، حيث كان البعض منحازاً بوضوح الى عدم رفض أي قرار دولي، ويطالب بالتعاطي الايجابي مع المشروع الاميركي ـ الفرنسي في مجلس الامن ويقول إن رفضه «سيشكل كارثة على لبنان»، فيما كان فريق آخر يسوّق فكرة الدعم المطلق للبنان ومقاومته في رفض أي تسوية لا يقتنع بها وتتجاوز الاجماع اللبناني المتمثل بالنقاط السبع.

استهل الرئيس السنيورة الجلسة بخطاب توقف عن استكماله مرتين بسبب الدموع التي انهمرت من عينيه ما دفع الوزراء العرب الى شد أزره بالتصفيق من أجل إكمال الاجتماع، وذلك بالتزامن مع دعوة تلقاها السنيورة من وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني ليوقف الدمع وينتقل للعمل.

انتهى الاجتماع الى رفض اقتراح للوزير وليد المعلم مدعوم من اليمن والجزائر بتضمين البيان الختامي تحية الى المقاومة والدور الذي تقوم به وبالاتفاق على إرسال وفد عربي الى الامم المتحدة لنقل وجهة النظر العربية من مخاطر اتخاذ قرارات غير قابلة للتنفيذ.

قبل اجتماع وزراء الخارجية العرب، التقيت وزير الخارجية السوري وليد المعلم بناء على طلبه في أوتيل البريستول، نقل إلي أجواء لقائه قبل يوم مع الرئيس فؤاد السنيورة وكيف بدأه الاخير بطرح الملفات القديمة المرتبطة بالعلاقات اللبنانية السورية وبطريقة هجومية، وقال المعلم إني واجهته بأننا الآن في صدد التعبير عن دعم لبنان وصموده في مواجهة العدوان، وأكدت له موافقتنا على نشر قوات الطوارئ الدولية في مزارع شبعا وتأجيل الترسيم، كما الموافقة على كل ما يجمع عليه اللبنانيون لجهة التسوية المقترحة وبالارتكاز الى البنود السبعة.

الحريري يبلغنا بموقف فرنسي ينفيه ايمييه!

كان الرئيس بري، في هذه الاثناء، قد التقى السفير الفرنسي برنار إيمييه الذي حاول استيعاب معارضة الرئيس بري لمشروع القرار في مجلس الامن وابدى الاستعداد لمعالجة بعض الهواجس لكن الرئيس كان حاسماً بأن روح القرار وتفاصيله قائمة على مكافأة إسرائيل، وأن الصيغة المطروحة من المستحيل تنفيذها، حتى لو عدلنا موقفنا، لأنها لا تنسجم والمعطيات الواقعية، وأن النتيجة الوحيدة لمثل هذا القرار هي أننا بدل ان نكون في مواجهة اسرائيل سنصبح ضد كل الدول الموافقة ومجلس الامن، ولهذا فإن أفضل خدمة تقدمها فرنسا هي سحب المشروع بصيغته الحالية والاستماع جيداً الى الموقف اللبناني الموحد.

في هذا الوقت، بدأت حركة اتصالات تحضيراً لانعقاد جلسة مجلس الوزراء مساءً وشملت اكثر من مسؤول وصولا الى طرح موضوع انتشار الجيش في الجنوب بعدد 15 الف جندي ونقل النائب سعد الحريري أن هذا الامر منسق مع الجانب الفرنسي غير أن السفير برنار إيمييه نفى علمه به، وذلك عبر اتصال أجراه معه الدكتور محمود بري للاستفسار عن حقيقة الأمر، وقد وعد السفير الفرنسي بأن يأتي بالإجابة الدقيقة لاحقاً.

لكن الرئيس بري تعاطى بإيجابية مع الفكرة والتي كان قد وافق عليها مسبقاً قبل ايام، معتبراً أن دخول الجيش الى كل المناطق الجنوبية بعد الانسحاب الاسرائيلي الى ما بعد الخط الازرق أمر طبيعي.

وقد تابعت الامر خلال جلسة مجلس الوزراء وبعدها مع الحاج حسين الخليل الذي أكد موافقة «حزب الله» على الطرح، واتفقنا على إبلاغ الوزراء بالموافقة في جلسة مجلس الوزراء ليلاً على أن تكون صيغة القرار بشكل مبدئي فيها الاستعداد للقيام بالخطوة خشية أن يحاول الإسرائيلي البناء عليها للضغط باتجاه أمور أخرى تعيد ترتيب الاولويات وفق المشروع الاساسي للاميركيين.

صدر قرار مجلس الوزراء بالاجماع في وقت كانت فرنسا قد طلبت تأجيل مناقشة المشروع في مجلس الامن مما اتاح فرصة لتوسيع حركة الاتصالات في انتظار وصول الوفد العربي الى نيويورك.

انتقلت الى منطقة الشياح وكان المشهد هناك مؤثرا وأنت ترى ما يتجاوز 60 شهيداً ومثلهم من الجرحى والعشرات تحت الركام لم يستطع ان يصل اليهم احد حتى ساعة متأخرة ليلا. كانت مظاهر الغضب تخيم على المكان والدم والغبار والصراخ يؤكد ان لا نهاية لهذه المعركة التي ابادت عائلات كاملة سوى بالنصر الذي وحده يعوض على الناس ثمن ما دفعت من خسائر بالأرواح لا تعوض.

لقاء عاصف مع السنيورة في السرايا

لم يخلُ يوم الثلاثاء في الثامن من آب 2006 من مجزرة، حيث كانت الغازية تكرر مشهد الامس وهي تودع ضحايا مجزرة بواحدة شبيهة اوقعت اكثر من 15 شهيداً وكان رد المقاومة قياسياً بعدد الصواريخ التي سقطت على المستعمرات وبالكمائن والهجوم المباشر على اماكن تمركزه داخل الاراضي اللبنانية وحتى داخل الحدود وكانت اسطورة «ميركافا» تتحطم وسط مشاهد الاحتراق المتكرر على اكثر من محور، وخاصة في سهل الخيام.

كان قرار اليوم السابق بالاستعداد لإرسال قوة من الجيش اللبناني قد خلط الأوراق في مجلس الأمن وأعاد حسابات البعض خاصة ً في ما يتعلق بالاصرار على إرسال قوة متعددة الجنسيات وبدأ الحديث يأخذ منحى آخر.

برغم هذه الأجواء، بدا الرئيس بري عند نزوله إلى المكتب حذراً يترقب ردة فعل الجانب الأميركي، وأشار بعدها الى أن لقاءه مع وزير الخارجية الألماني فرانك شتاينماير يبيّن أن الأخير يحاول أن يسوِّق للمشروع الأميركي من دون الأخذ بالاعتبار الموقف المعلن للحكومة اللبنانية. وكان بعدها لقاء للرئيس بري مع وفد مصري موسَّع من الحكومة وأحزاب المعارضة وشخصيات ثقافية وفنية قدم خلاله مطالعة عن تصدي المقاومة والشعب اللبناني بالارتكاز على الإيمان الذي مكنَّهم أن يحققوا ما لم يستطعه العرب جميعاً طوال نصف قرن.

كانت الأجواء تشير إلى أن مجلس الأمن لن ينعقد قبل يوم الجمعة (11 آب) وفق ما كنا نتداوله في ديوان عين التينة، عندها اتصل الوزير محمد فنيش وأتى لنلتقيه جانباً، كان يحمل نسخة عن الرسالة التي ارسلها الرئيس السنيورة الى نيويورك حول التعديلات على مشروع القرار الفرنسي – الاميركي، وتتحدث احدى الفقرات عن منطقة خالية من المسلحين والسلاح في جنوب الليطاني. انزعج الرئيس بري لعدم إطلاعه على مضمونها وأكد انه ملتزم بما نقلته أنا للرئيس السنيورة حول اعتماد النقاط السبع وبحضور فنيش يومها.

تبين لنا ان الرسالة سلمها السنيورة قبل يومين إلى سفراء الدول الكبرى، وقد اتصل الرئيس بري بوزير الخارجية فوزي صلوخ لاستيضاحه وبعدها بالرئيس السنيورة وقال له ان علي خليل سينزل اليك في السرايا.

عند وصولي التقيت السنيورة في مكتب جانبي، كان مرهقاً ويتحدث بصوت منخفض، بدأنا اللقاء بأجواء غارة قوية حصلت للتو على الضاحية الجنوبية وباحتمالات استهدافها.

خليل للسنيورة: ما هي حقيقة الرسالة الى مجلس الامن؟ لقد اطلعنا عليها قبل قليل من الوزير محمد فنيش وهناك ملاحظات عدة حيالها وهذا ما يعقد الامور ويحدث انقساماً في الموقف اللبناني.

السنيورة: علي، بأي امر وطريقة تفكرون اذا كنتم متوترين من هذه الفقرة فنحن إذاً متأخرون كثيراً عن الحل. لا يمكن بحث اي انسحاب اسرائيلي كما نطالب اذا لم يكن هناك انسحاب شامل من جنوبي الليطاني.

خليل: لكن الرئيس بري ليس في اجواء الرسالة ومضمونها، ربما كان استطاع ان يساعد على صياغة القرار بطريقة تحافظ على وحدة الموقف والرؤية تجاه الحل.

السنيورة: هذا امر محسوم ولا يمكن القبول بغيره.

خليل: ولكن ماذا عن مزارع شبعا وموقعها في الحل قبل الحديث عن السلاح؟

السنيورة: القرار وحدة متكاملة، لكن من الصعب حل قضية شبعا مباشرة، عليكم ان تخبروني عن حقيقة موقفكم لان الامر يتوقف عليه الكثير، يجب ان يكون لدينا مصداقية مع العالم الذي تتحدث معه، ان وزيرة الخارجية الأميركية كوندليسا رايس اتصلت بي ونقلت ترحيبها بقرار الحكومة حول نشر الجيش وأكدت للمرة الاولى انها مع توسيع «اليونيفيل» ولكن وفق الفصل السابع، بينت لها المحاذير لكنها اصرت وقالت ان مساعدها دايفيد ولش سيصل غداّ (الى بيروت) ويتحدث معكم وهو سيحمل معه مسودة مشروع قرار جديد وبعدها نتحدث حول صيغة نهائية.

استكمل الرئيس السنيورة حديثه عن اتصاله مع وزير الخارجية الفرنسي الذي يعتبر ان موقفهم اصبح افضل ولكن مع عدم اقتناع بالانسحاب الاسرائيلي الفوري بعد وقف اطلاق النار.

انطلقت فوراً الى عين التينة، حيث كان الحاج حسين الخليل موجوداً ونقلت اجواء الرئيس السنيورة، وقد عبّر عن انزعاجه وقال ان ما يؤثر بي هو ان مشكلتنا مع الداخل اكبر من الخارج وأبدى قلقه من حديث رايس الذي لم يكن يعلم به. اقترح الحاج ان يتحدث الرئيس بري مع النائب سعد الحريري بالموضوع، ولكنه رفض وقال سأناقش الامر غداّ بشكل مباشر مع دايفيد ولش وأبلغه موقفنا المحدد الذي اعلناه وربما هذه افضل طريقة. كان الوقت قد تأخر وعند مغادرتنا.. حصلت غارة اخرى على الضاحية كان صوتها قوياً لدرجة شعرنا انها على مقربة من مكان وجودنا.

في حلقة الأربعاء المقبل:

÷ ديفيد ولش في بيروت مجدداً وبري يقول له: «أنت مزين بارع لقرار بشع».

÷ الوفد العربي برئاسة موسى يبدأ اتصالاته في نيويورك وفرنسا تعلن انسحابها من مشروع القرار الأميركي.

÷ مجازر جديدة في كل لبنان وصواريخ «خيبر» تدك وسط اسرائيل.

—————————–

اجتماع عين التينة السري: السنيورة يسأل أين تأخذون البلد… وحسين الخليل يرد: حذار الغدر ولش يدعو لتلقف الفرصة «لأن العالم كله معنا»… وبري يجيبه: ماذا سندفع أكثر مما خسرناه؟

صفحات مجهولة من حرب تموز كما يكشفها نبيه بري ويرويها علي حسن خليل 14

كل ساعة تفاوض كانت توازي عمراً سياسياً بحاله، علينا تسييله الى معادلات لا ترمي بنا على رصيف التسويات، ولا نخرج من أرضنا لنهديها الى جنسيات متعددة الولاءات، تمنع عصفوراً من أن يحلق طليقاً.

والباقي من الأيام في الحرب الدامية سيضعنا في مواجهة دولية محلية يرتدي معها بعض اللبنانيين المقررين قناعاً من ذات سحنتهم، فهم لم يسلخوا جلدهم أو يغطونه بل استعملوه حتى آخر المسام.. وبه جُلدنا.

لكن أن تبقى دائماً على تعاقد مع الموت فلن تقع في إغراء الحياة ولن تذوب بين الاوراق الصفر التي تنتظر التوقيع. وتحت هذا السقف «رفضنا.. لأن رفض القرار الصعب ليس أصعب من أن نعلن هزيمتنا ونقبل بما يفرضون» على ما قاله الرئيس نبيه بري في يوم تفاوضي ساخن.

كان ديفيد ولش «يمثل علينا» باعتراف الرئيس فؤاد السنيورة لكنه وجد في لبنان مسرحاً للعرض والطلب واستعداداً محلياً للعب أدوار «الكومبارس» على خشبة مهددة بالسقوط، ومع ذلك فقد جاهد السيد الاميركي لضخ الحياة في نصوص ميتة «كماكيير بارع يزين وجه امرأة بشعة» وهو التعبير الذي لم يستطع الرئيس بري الا أن يمرره لولش بلا ابتسامة تفسد حزن المرحلة.

كانت دبلوماسية عين التينة تقارع على جبهتين الأخطر فيهما هو الداخل الواقع على خط استواء دولي إن لم نتوغل في تشابك الخطوط وامتدادها الى ما هو أعمق وأكثر عقماً وتجلى ذلك بسؤال الرئيس السنيورة الدائم «الى إين تأخذون البلد»؟

وهادساً.. «كان رئيس حكومة تموز وآب يبحث عن اجابات يقدمها للأميركي».. وإذا سألني ما هي صلاحيات الجيش؟ بماذا أجيب؟ ماذا عن السلاح الظاهر؟ وأين هو السلاح المستور؟ وإذا وصلت إخبارية عن وجود سلاح في مكان ما؟

لم يُطرح سؤال واحد عن وطن مفطور القلب ومقطع الاوصال أبناؤه ما زالوا على مقاعد الدراسة على شكل تهجيري، ينتظرون الآتي ولا يأتي.. وبشهر واحد كبروا دهراً من الزمن. وفي موازاة ذلك، فإنه مطلوب منا أن نتبرع بتقديم الاجوبة قبل أن نسترق السمع الى جواب غيرنا.

ما يؤلم في ذاك المشهد أن فريق الحكومة كان يشعر بأنه يفاوض ليس على قاعدة أننا نتقاسم المركب الذي نريده أن يبحر في أزرق رحب فيما تدفع به الامواج الحكومية الى التموضع جنوبي نهر.

على مشارف الشهر من بداية الحرب، شعر قادة العدو أن أسلوبهم في إدارة المعركة لم ينتج إلا فشلاً ميدانياً وأن ظروف الحماية السياسية لعملية التدمير ضد لبنان قد تبدلت وانحسر وقتها، أما المراهنة على استثمار سياسي يأخذ شكل قرار دولي يعوضهم بعض الخسائر فقد أصبحت تستوجب تبدلاً في الوقائع على الأرض، لهذا كان قرار المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر بالموافقة على توصية الجيش بتوسيع العملية البرية، في وقت لم يستطع أن يخفي مقتل وإصابة أكثر من ستين من ضباطه وجنوده في معارك القطاع الأوسط وحده.

صبيحة يوم الأربعاء في التاسع من آب 2006 بدأ الرئيس نبيه بري حديثه معنا باستعادة ما جرى مع الرئيس فؤاد السنيورة بالأمس، كان ما زال يعيش القلق من احتمال حصول انقسام في الموقف الداخلي بعد اجتماعات السنيورة الأخيرة. بادرنا، أحمد بعلبكي وأنا وبحضور ابنه الحاج عبدالله، الى إثارة مسألة أمنه الشخصي وبعض التهديدات التي يجب أخذها في الحسبان. قال الرئيس بري «سأعيش حياة واحدة لا اثنتين، هناك محاولة لإيقافي عن النشاط السياسي، التسريبات الأمنية، موقف كوندوليسا رايس ونصيحتها بعدم عقد لقاء معي، خطورة أن أعمل بشكل علني من دون احتياطات، لن أخون نفسي والناس، بالأمس شاهدت تشييع أربعة شهداء من الحركة والدفاع المدني، بماذا أنا أفضل منهم، يقول الإمام الغزالي الإيمان لا يأتي بالعقل فقط، هو نور يضعه الله في النفوس». لقد نزل عليّ نوع من الاطمئنان، وخرجنا من دون أن نناقشه بكلمة واحدة.

ولش يضغط وبري يسأله ماذا سنخسر أكثر؟

عند الساعة الواحدة، وبعد لقاءات عادية اجتمع الرئيس بري بمساعد وزيرة الخارجية الأميركية ديفيد ولش يرافقه السفير الأميركي جيفري فيلتمان وعدد من المساعدين. بدأ ولش بتأكيد أهمية مشروع القرار الأميركي- الفرنسي وتصويره على أنه الفرصة الممكنة لحل القضية، مستغرباً عدم التقاط لبنان لهذه الفرصة، وطرح تعديلات تحمل التباسات لا آليات لتنفيذها، محاولاً خلال الحديث الإيحاء بأنه يناقشها لكن من دون أن يوافق عليها، وأصر في النهاية على النقاط التالية:

وقف الأعمال العسكرية وليس إعلان وقف إطلاق النار.

لم يتحدث عن انسحاب للجيش الإسرائيلي إلى ما بعد «الخط الأزرق».

صدور قرار تحت الفصل السابع بتوسيع قوات اليونيفيل «الجديدة»، ولكن يطبق مضمون الفصل السادس والأميركي يضمن التنفيذ بهذا الشكل.

عند دخول الجيش اللبناني الذي استفسر عن عديده والألوية والعتاد والسلاح لديه مع «اليونيفيل» الجديدة يبدأ الإسرائيلي بالانسحاب (علماً أن هذا قد يستغرق وقتاً لاستكمال تشكيل «اليونيفيل» فيما لو صدر القرار).

سحب السلاح والمسلحين من منطقة جنوب الليطاني.

الإشارة إلى ان مزارع شبعا تبقى كما هي في مشروع القرار الأميركي ـ الفرنسي.

ثم أنهى السيد ولش كلامه أننا وإن أخّرنا مجلس الأمن لكن العالم كله معنا في مثل هذا التوجه، وأن ذلك سيكون صعباً للغاية وعليكم إن تقبلوا بهذا الأمر.

بري: أنت لم تأت بأي جديد سيد ولش، أنت كوافير جيد وتعرف كيف تضع الماكياج ولكن لامرأة بشعة للغاية. كل ما قلته لا يعدل من أن القرار لا يخدم سوى مصلحة إسرائيل وجعلها تربح في السياسة ما خسرته في المعركة. إنها معادلة لا تستقيم، لقد دفعنا أقصى ما يمكن، ماذا سنخسر أكثر، وما هي الأمور التي ستكون أصعب.

انتهى الاجتماع مع ولش من دون اتفاق

بعد ذلك، التحقت والحاج حسين الخليل بمكتب الرئيس بري الذي كان يهاتف الرئيس السنيورة ويضعه في أجواء اللقاء مع ولش، وقال له إن ولش ألمح إلى أنك ربما تكون قد اقتنعت ببعض أفكاره وإنك تقبل بالصيغة المطروحة، وأضاف بري: عندما تناقشنا في دخول الجيش اللبناني ووفق أكبر عدد ممكن، شجعت ذلك وكذلك «حزب الله»، نحن الآن بدأنا نتعرض لابتزاز خارجي لفرض شروط وتجاوز مطالب.

السنيورة: سأحاول أن أضع ورقة جديدة معدلة للقرار الدولي في البند المتعلق بـ«اليونيفيل» وهي من ضمن البنود السبعة.

بري: لكن ولش وإن قبلَ بالمضمون فهو قال إن الورقة ستصدر تحت الفصل السابع، هذا أمر خطير، في كل الأحوال علينا أن ندرس الأمور بهدوء وسنتشاور مع بعضنا ونعود إلى الحديث، وهذا لا يكفي لأن رسالة كهذه تعني أنك تقبل بكل الصيغة الباقية.

السنيورة: الأمور صعبة وعلينا التعاطي بواقعية، وأعتقد أن هناك تطوراً إيجابياً في الطرح.

بري: التقدم فيه مخاطر تعادل النص الأول.

بري: يصدرون القرار ولا ننفذه

تحدث الرئيس بري إلى النائب سعد الحريري وقال له توجد «خربطة» كبيرة ولا يجب أن تمر الأمور هكذا حتى لا نعمل مصيبة في العلاقات الداخلية، لأن هناك الكثير من نقاط الفراغ في المشروع وهي لصالح الإسرائيلي، خصوصاً عدم الانسحاب الفوري من المناطق المحتلة، والفترة التي سيستغرقها تشكيل قوة «اليونيفيل» وغيرها من التفاصيل، أتمنى أن تدرس الأمر بهدوء ونعود إلى الحديث لأنني سألتقي الرئيس السنيورة لاحقاً.

بعدها تناقشنا مع الحاج حسين في ضرورة أن يطّلع السيد حسن نصرالله على التفاصيل وعدم قناعتنا بالصيغة المطروحة بأي شكل.

حسين الخليل: هل يمكن أن نعيد طرح اقتراح السيد حسن بوقف قصف الطيران مقابل وقف الصواريخ لفترة محددة، حتى لو بقيت الجبهة مفتوحة في البر؟

بري: أعتقد أن الأمور في منحى آخر الآن.

حسين الخليل: البارحة تحدثت مع وسام الحسن ونقل عن وزير الدفاع أن الجيش لا يدخل مع وجود السلاح في المنطقة.

بري: المهم القرار، الجيش يدخل ولا أعتقد بوجود مشكلة، في كل الأحوال إذا لم يكن هناك مشروع متكامل الأمر صعب.

حسين الخليل: إذ صدر القرار وفق ما يطرحون، ماذا نفعل في رأيك؟

بري: نرفضه ولا ننفذ، إنه قرار صعب، لكنه ليس أصعب من أن نعلن هزيمتنا ونقبل بما يفرضون. على كل حال أنا أقترح أن نعقد جلسة مفصّلة مع الرئيس السنيورة هنا، واذهب أنت وضع السيد حسن في الأجواء.

عند الساعة السادسة بعد الظهر، عاد الحاج حسين إلى عين التينة يحمل رسالة من السيد حسن وفيها:

نحن لا نوافق إلا على صيغة وقف إطلاق نار مع انسحاب فوري.

نوافق على انتشار الجيش وتعزيز «اليونيفيل» وفق صيغتها الحالية.

رفض أي قوة دولية تحت الفصل السابع.

لا نقبل بمنطقة منزوعة السلاح، بل عدم وجود سلاح ظاهر أو علني كما في منطقة شمال النهر.

وأضاف السيد نصرالله في رسالته: أشعر أن هناك خديعة ما تحاك ضدنا معاً، وبمعزل عن أي قرار ما زلنا عند رأينا بأنه في حال توقف العدوان على المدنيين نوقف رمي الصواريخ حتى لو بقيت العمليات مستمرة.

قال الرئيس بري إن النائب سعد الحريري اتصل به وأبلغه أنه تحدث مع الرئيس السنيورة واتفقا على أن لا يرسل أي رسالة إلى مجلس الأمن.

اللقاء السري.. والعاصف مع السنيورة!

بعدها اتصل الرئيس بري بالرئيس السنيورة واتفقا على اللقاء مباشرة، حيث وصل بعد وقت قليل ومعه مستشاره د. محمد شطح.

بري: لقد أرسلت رسالة إلى سماحة السيد وطلبت منه أن يشارك معنا في اللقاء الحاج حسين الخليل وأن يكون اللقاء سرياً. لقد أصبحنا عند مفصل حاسم ولهذا علينا الحديث بصراحة ومسؤولية.

السنيورة: لنبدأ بما حصل مع ولش، هو يقول إنهم كانوا يفكرون في قرار واحد، الآن أصبحوا يريدون قرارين.

الجلسة اليوم تمحورت حول:

(1) – يصدر قرار بوقف الأعمال العدائية.

قسم آخر يتحدث عن تزامن أمور عدة مع بعضها.

تبدأ الطلائع الأولية من «اليونيفيل» بالانتشار (لم يحدد عددها ودورها بعد) في الوقت الذي تنسحب فيه إسرائيل إلى الخط الأزرق ولا يكون في هذه المنطقة الجنوبية أي سلاح غير سلاح الدولة والقوات الدولية، وأي سلاح غيره يزال، ومع إتمام هذه العملية يعلن وقف إطلاق النار.

(2) – التثبت من عدم دخول السلاح مرة أخرى إلى لبنان، وقد اقترح الأميركي جملة «أن لا يستعمل فك الحصار لغير الأمور المدنية»، وأن التحقق من هذه العملية هو من صلاحية القوات الدولية.

(3) – قوة «اليونيفيل» تكون خاضعة للفصل السابع، لكني قلت لهم إننا نتحدث عن الفصل السادس، وإن ولش قال نأخذه وفق السابع ولا نطبقه، وأنا أعتقد أن في مقدورهم أن يأخذوه حتى لو رفضنا. في كل الأحوال سيعمل على عديد «اليونيفيل» ومجال عملها والمهام والنطاق الجغرافي.

(4) – أما في موضوع مزارع شبعا فإن الصياغة تعتبر أن الأمر مشمول بتحديد الحدود، وأنا ما زلت غير مقتنع.

هذا ما جرى مع الجانب الأميركي، أما الفرنسيون فلا علم لديهم بكلام الأميركي الذي كان يتحدث مع الإسرائيلي ومعنا ومع وزير الدفاع الياس المر، وكانوا يركزون على استعداد الجيش. هم جلسوا مرتين معه، الاثنين بالليل قبل جلسة مجلس الوزراء، واليوم مرة ثانية. واليوم جاءني مع السفير البريطاني ضابط كبير وأبدى ارتياحه إلى أن الاستعدادات جادة، ووعدوا بأنهم سيتابعون الأمر.

بري: في النهاية، على أي أساس خرجوا من عندك؟

السنيورة: قلت لهم إني سأزورك وبعدها نتحدث، وإنهم سيعملون على موضوع شبعا وتفاصيل عمل «اليونيفيل»، أما موضوع الانسحاب فقد أصبح متزامناً مع انتشار الجيش اللبناني وسحب المسلحين والسلاح. والخلاصة وقف العمليات العسكرية، وبعدها نكمل الخطوات الباقية ليصبح وقف النار سارياً.

بري: بعيداً عن كل الكلام، المشكلة معهم:

تأليف «اليونيفيل»، تحت أي فصل، وما هي مهامها؟

الفترة الفاصلة بين وقف العمليات وإطلاق النار وما هي الصيغة التي تحكمها؟

ماذا عن موضوع شبعا؟

السنيورة: الضمان أنه لا يعود هناك قصف طيران أو تقدم على الأرض مقابل وقف إطلاق صواريخ، وتوقع أن تبقى هناك مناوشات برية أي حصر القتال في الجبهة، ويمكن أن نحضر لائحة بما تعنيه هذه المرحلة وإلى حين وصول القوة الدولية.

بري: في هذا السيناريو ليست المشكلة في وقف القصف مقابل الصواريخ، بل أن يكون هذا في إطار قرار مبرمج لمجلس الأمن يعطي إسرائيل الحق في أن تبقى ولو مرحلياً. الأميركي قال لي: عليك أن تعتبر أن أمر أي حل أو قوة مهما كانت يحتاج إلى 3-4 أسابيع، وهنا تبرز قضية عودة النازحين، لا يمكن لنا بأي شكل أن نترك الأمر معلقاً ولو لفترة قليلة، لا أحد يضمن الآتي وهذا يُحدث مشكلة كبيرة.

حسين الخليل: لا نريد أن نشعر بأننا نغدر

حسين الخليل: يا دولة الرئيس، في بداية الحرب أخذتم قرار بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وغيرها من الأمور وطُرح هذا في عز الحرب وبدا كأنه موجه ضدنا وقبلنا به واعتبرنا أننا مع الحكومة في مركب واحد، الآن نرى أن لبنان يُستدرج إلى مواقف أخرى ولا نريد أن نشعر بأننا نُغدر، أساساً السؤال: ما دام الإسرائيلي قد اتخذ قرار توسيع الحرب، ماذا أتى ديفيد ولش يفعل هنا ويقدم الأمر على أنه تسوية ممكنة.

السنيورة: ولش ادعى أنه فوجئ عندما عاتبته على القرار الإسرائيلي، أنا لا أنفي أنه يمثل علينا.

حسين الخليل: نحن لا يمكن أن نقبل إلا بصيغة وقف إطلاق النار مع انسحاب كامل، أما بالنسبة إلى القوة الدولية، أرسلت لنا مع الحاج علي حسن خليل على زيادة العديد ووافقنا وفق ما طرح الرئيس بري ونحن معه بالكامل بأنه لا يمكن القبول أبداً بأي قوة تحت الفصل السابع، لا برضانا ولا غصباً عنا، وفي مسألة انتشار الجيش اللبناني، لقد قال الرئيس بري لنا وقبلنا أننا موافقون على انتشاره حيث يريد، وأي سلاح ظاهر أو علني لا يوجد، ويمارس سلطته الأمنية جنوب الليطاني كما في شمال الليطاني، أما المداهمات فلا يمكن أن نقبل بها لأن هذا مطلب إسرائيلي واضح.

بري: وأنا أضيف كل مخافر المراقبة على الحدود في مواجهة الإسرائيلي يتسلمها الجيش وعددها 60-70 نقطة.

السنيورة: القاعدة أن لا حدود لصلاحية الجيش عندما ينتشر.

بري: لماذا يا فؤاد تريد أن نكون ملكيين أكثر من الملك، لا تنسى أنه مقابلنا توجد مستعمرات إسرائيلية.

السنيورة: يعني إذا وصلت إخبارية أن هناك سلاحاً في مكان ما، على الجيش أن يداهم ويصادر السلاح.

بري: هذا لا يطبّق في كل مناطق لبنان، يجب أن نعامل الجنوب مثل غيره، هذه الشروط تعقد الأمور.

السنيورة: في هذه النقطة هناك مشكلة مع اللبنانيين.

حسين الخليل: يعني نعاقب الذين يقاومون.

السنيورة: مفهومي واضح، أن لا يكون هناك سلاح غير سلاح الشرعية، ظاهر أو غير ظاهر.

بري: هذا تعقيد للأمور.

السنيورة: أنا أقول لكم، حابين تستمروا بالمعركة، أنا ماشي، قلت لفنيش عندما أتت رايس مثلما تريدون أعمل ولم يجبني، وسأسألكم كل يوم إلى أين تأخذون البلد، نحن أمام وضع نريد أن نجنب البلد مزيداً من المشاكل. إذا سألني الأميركي ما هي صلاحيات الجيش، هل أبدأ بالتفصيل بين الظاهر والمستور.

بري: ببساطة، تقول له لا وجود لسلاح ظاهر.

حسين الخليل: النقاش معك يتطور، في السابق كان حول «اليونيفيل» والقوة الأمنية، الآن الجيش يستلم كل الأمور وبدأ التدقيق في تفاصيل لا أعرف من يسأل عنها، هل إسرائيل تلتزم بوقف اعتداءاتها.

السنيورة: أنتم ضعوا الصياغة حول الخروقات الإسرائيلية لاحقاً وأنا أدافع عنها، ولكن مقابل هذا بماذا أجيب، هل أقول السلاح غير الظاهر مسموح.

بري: لماذا هذا السيناريو، الجيش يقوم بواجبه ونقطة على السطر، هذا دورنا كلبنانيين، كما نتعاطى مع المناطق الأخرى، لماذا نميز الجنوب؟

حسين الخليل: نحن نعمل لوقف العدوان عن البلد، المقاومون يقومون بعمل أسطوري، نحن لا نريد العرقلة ولكن لا نريد أن نكسر ظهرنا وظهركم، نريد أن نبقى معاً على الزمن الرديء، أنت يجب أن تقول لي إجمد في المعركة.

«العربية» تسرب خبر اللقاء.. فينتهي سريعا

السنيورة (مشهّداً مستشاره محمد شطح): قل له كيف تحدثت اليوم مع ولش، قلت له الآن يوجد ألف قتيل ليصبحوا ألفين، وأنا عندي التزامات أساسية.

بري: بهدوء أريد أن أقول، المشترك بيننا كبير وحصل توضيح لبعض النقاط، هناك نقاط أنا لست مع الرئيس السنيورة فيها، الجيش يصعد (الى الجنوب) لشعبه وليس للتنكيل، هو يحفظ الأمن والهيبة، أي سلاح ظاهر أو يجده في سيارة يصادره، أما الدخول إلى البيوت ومداهمة المناطق هذا غير مقبول، هذا في بيروت لا يحصل، لماذا في الجنوب. لا تنسى يا دولة الرئيس أن مقابلنا هناك شعب مسلح في المستعمرات الصهيونية، العامل يركب هناك على جراره الزراعي ويحمل بيده رشاشاً، لماذا يُطرح هذا الأمر وكأن المقاومين في الجنوب قطّاع طرق، هذا لا يصح.

النقطة الأخرى ـ أضاف بري ـ إذا صدر قرار مجلس الأمن بالصيغة المطروحة، ما معنى الفترة الفاصلة؟ ما فهمته من الرئيس السنيورة هو وقف الصواريخ على إسرائيل، وفي المقابل، ممنوع استعمال الطيران والبوارج ويرفضون الانسحاب ووقف النار. هذا الأمر يدفعنا إلى القول إنه إذا صدر القرار لن نقبل بأي شكل بقوات تحت الفصل السابع ولا الالتزام بوقف العمليات إذا بقي الإسرائيلي على أي منطقة من الأراضي التي دخل إليها.

شطح: علينا أن نحدد بالتفصيل طريقة التصرف.

بري: حول ماذا، هل ستديرون المسألة مع مجلس الأمن والأميركي؟

السنيورة: نعمل لنطور الفكرة.

شطح: بمعنى أن نحاول إيجاد صيغة للقرار تحت أي فصل والبحث في الفترة الفاصلة، ويجب أن نقرأ النص المتعلق بشبعا، لو لم نقبل به لكنه جزء من القرار ولا أعتقد أنه في مقدورنا أن نفعل شيئاً.

بري: نقول بالالتزام بالنص المقترح في ورقتنا الأساسية.

السنيورة: إذاً تقول إنك ترفض النص في القرار، هذا موضوع إضافي.

الخليل: لأنه خلاف الإجماع اللبناني.

السنيورة: أساساً لا يوجد نص يقبل بالانسحاب من مزارع شبعا.

بري: المهم أن نبقى نحن على قرارنا.

السنيورة: يجب أن نميز بين ما طلبناه وبين ما هو معروض، نحن طلبنا الانسحاب أما المعروض فهو تحديد للمناطق المتنازع عليها ومنها مزارع شبعا.

بري: لكنك قلت قبل قليل إن الأميركي لم يرفض الأمر وقال إنه سيذهب ليرى ماذا يمكن أن يحصل، فلننتظر.

السنيورة: رأيي أن نبقي التفاوض ونقبل بالقرار ونعمل لاحقاً على المطالب التي قدمناها لتكون جزءاً منه.

بري: نقبل ما يناسبنا ونرفض ما يمس الأمور الأساسية عندنا.

شطح: هذا ليس اتفاقاً بين طرفين لنقبل أو لا نقبل، الأمور ليست بيدنا، يجب أن نعرف أن هناك قوى كبرى أساسية هي التي تفاوض، لا يمكن أن نفرض شروطنا.

بري: لسنا مرعوبين والنتائج بعد كل الذي يحصل على الأرض لن تكون إلا لصالحنا، المهم أن نبقى متماسكين، وفي كل الأحوال لماذا علينا أن نجاوب نحن، لننتظر ما سيأتي به الأميركي ما دمت تقول إنك حمّلته مطالب.

السنيورة: لكن أنا أريد أن أرسل رسالة باسم الدولة أطلب فيها من الأمين العام تعزيز قوة «اليونيفيل» وتوسيع مهامها ونطالب فيها بالفصل السادس.

بري: عندما نصوغ الفقرة حول مزارع شبعا بهذه الطريقة كأننا نشكك في لبنانيتها، وأنا لا أقبل وأصرّ على موقفي.

شطح: أعتقد أننا نبسّط الأمور بهذه المقاربة.

بري: نحن نلامس حقيقتها ولا نبسّطها.

لم نصل إلى صياغة نهائية للموقف المشترك لأنه في آخر اللقاء علمنا أن فضائية «العربية» نقلت خبر اللقاء المشترك وتوتر الجو، وخرج حسين الخليل بسرعة وودعنا السنيورة في المرآب، وحاولنا التدقيق في مصدر التسريب ولم نصل إلى نتيجة.

في حلقة يوم السبت المقبل:

ـ ولش «يقيم» في بيروت.. والرفض اللبناني للمشروع الأميركي يخلط الأوراق في مجلس الأمن

ـ يوم «الميركافا» في الجنوب.. ومجازر إسرائيلية جديدة

—————————–

هذه هي حكاية مفاوضات العاشر من آب من ألفها إلى يائها مع ولش وايمييه.. والسنيورة! بري ينبّه من فخ كبير يُنصب للمقاومة: مصيبتنا الكبرى مواقف مريبة لبعض الداخل

صفحات مجهولة من حرب تموز كما يكشفها نبيه بري ويرويها علي حسن خليل 15

نقلّب بين صفحات آب فنجدها وقد كُتبت الآن، لا ستائر حولها ولا تعثر بين سطورها، تحتسي القهوة في مقهى على رصيف المدينة وتنتظر المارة وفضول العابرين، لكن وفي إحدى تلك الصفحات ضُرب موعد ملعون مع كوب من الشاي في ثكنة مرفوعة الهامة.

شاي مرجعيون سوف «يخمر» كثيراً ويُسكب لطارئين فرضوا أنفسهم على بقعة طاهرة من الأرض الجنوبية، وسيتمدد كالعار الذي ارتكب فعلاً فاضحاً على مستوى القيادة في بيروت قبل أن يُعمّم قرار الاستسلام داخل الثكنة.

كان المرج عيونَ نصر في منطقة تشهد على معرض للدبابات المنكوبة من السهل الى التل، وسيمتد الحريق بعد حين الى قلب مخترع الميركافا «إسرائيل طال» الذي لن يطول به الزمن قبل أن يقضي متأثراً ومكسور القلب والخاطر على جنى الفكر. وفي مقابل صورة السقوط هذه، دُفعت القوة الأمنية اللبنانية المشتركة الى تلقي «أمر اليوم المذلّ» الذي فتت عسكراً يؤمن سواده الأعظم بمهام الدفاع عما يُسمى «شرف الثكنة».

لكن لمَ العتب طالما أن موقعة الشاي هي زاد يومي لدى قوى سياسية كانت ترى في الوطن ثكنة وعلى ضباط إيقاعها السياسي تقديم واجب الضيافة ولو على حساب المؤونة الوطنية وسحب رصيدها وعلى قاعدة أن هذه الحرب لا تعنينا لأنها «ترتبط بصراعات المنطقة.. سوريا وإيران»، على حد ما اعتقد النائب سعد الحريري الذي ضبطته الحركة الدبلوماسية في نيويورك «يعقد الأمور باتصالات بلغت المقر الاممي»، فيما لم يكن الرئيس فؤاد السنيورة أقل تعقيداً وكانت مواقفه «من فوق الطاولة غيرها تحت الطاولة» بإفادة من وزير خارجية قطر.

مواقف رأى فيها الرئيس نبيه بري «ريبة.. إنها مصيبتنا الكبرى وهي أصعب من كل العدوان.. لكننا نحاول معالجتها بالتي هي أحسن».

وفي اليوم العاشر من آب كانت الحرب على الجبهة السياسية قد اشتدت رحاها ودفعت بديفيد وليش الى الاستحصال على سند إقامة في بيروت يبقيه عيناً ساهرة على صياغة حل يفي بالغرض الاسرائيلي.

بعد خروج الرئيس فؤاد السنيورة من عين التينة ومعه د. محمد شطح ليل الأربعاء 9/8/2006، كان سماحة السيد حسن نصرالله يتحدث في رسالة عبر «المنار» رد فيها على قرار الحكومة الإسرائيلية المصغرة توسيع نطاق الحرب البرية، بأننا سنحوّل أرض الجنوب مقبرة لكم وإذا دخلتم إلى بعض المناطق فإن ذلك سيُلحق بكم تكلفة باهظة ولن تستطيعوا البقاء في أرضنا.

وفي إشارة إلى الاتصالات السياسية، وجّه نصرالله رسالة إلى الحكومة بأننا ما زلنا نستند إلى واقع ميداني صلب وقوي، وبالتالي موقفنا الداعم لكم في التفاوض والحفاظ على الحقوق الوطنية يجب أن يطلق إرادة سياسية بمستوى الإرادة الجهادية للمقاومين ومستوى إرادة الصمود الشعبي، وقال: «نحن لن نصدق ما قاله جون بولتون المندوب الأميركي في مجلس الأمن بأنه تفاجأ عندما سمع عن تحفظات لدى الحكومة اللبنانية على مشروع القرار الفرنسي – الأميركي، لأن المسودة نسقت مع حكومتي لبنان وإسرائيل حسب قوله»، وأضاف السيد نصرالله إننا نكتفي بالمطالعة الدقيقة والجامعة التي قدمها الرئيس نبيه بري على القرار.

كان كلام السيد تلك الليلة مكملاً للجلسة التي عقدت مع الرئيس السنيورة وأتت لتعكس تكامل الأدوار والأداء في إدارة المعركة من جوانبها كافة.

فضيحة الشاي في مرجعيون

فجر يوم الخميس في 10/8/2006 بدأ الجيش الإسرائيلي بترجمة قرار التوسع البري من جهة القطاع الشرقي على محور سهل الخيام ومن بوابة فاطمة باتجاه مرجعيون، وعندما التقينا في عين التينة كانت مشاهد دبابات الميركافا المحترقة في سهل الخيام وعلى أوتوستراد مرجعيون قد بدأت تُنقل على الفضائيات، وبالاتصالات مع الشباب المتواجدين في المنطقة بدأنا بنقل وقائع انهيار المجموعات الإسرائيلية التي دخلت وارتبكت ثم انسحبت باتجاه ثكنة مرجعيون.

في تلك الثكنة، كانت تتواجد القوة الأمنية اللبنانية المشتركة، التي تلقت أوامر بعدم الرد على الدخول الإسرائيلي ما سمح للإسرائيليين بتفتيش الثكنة بالكامل واستلام الأسلحة والجلوس مع بعض الضباط والعناصر بطريقة أشعرت الكثير من اللبنانيين بالإهانة نتيجة التعاطي السياسي الرسمي مع القضية التي أوهنت صورة القوى الأمنية بين اللبنانيين، وهم يشاهدون شاشات التلفزة تنقل بعض المشاهد التي تركت أثراً في نفوس اللبنانيين، علماً أن اتصالات أجريت من قبل رئيس الحكومة فؤاد السنيورة والنائب سعد الحريري ووزيري الداخلية والدفاع لمعالجة الأمر بطريقة لم تنل رضى الرئيس بري و«حزب الله».

عقد الرئيس بري مجموعة من اللقاءات أحدها مع الرئيس أمين الجميل الذي استمع جيداً إلى مطالعة حول تطورات الوضع الميداني والقدرة على تحقيق انتصار تاريخي إذا ما صبرنا قليلاً ولم نتراجع في الأداء السياسي إلى ما دون النقاط السبع وما أجمعنا عليه، وشهدت على كلام جيد وتأييد من الجميل لهذا الأمر.

لاحقاً كان تعليق الرئيس بري قاسياً على قراءة كلام للنائب سعد الحريري قاله لقناة تلفزيونية بأن لا دخل للبنان في هذه الحرب التي ترتبط بصراعات المنطقة، ومشيراً إلى سوريا وإيران، وكان كل حديثه عن كيفية بسط الدولة سلطتها على كل مناطق الجنوب من دون أن يعطي أي إشارة إلى ما يحدث هناك من مواجهات وأن الأهم هو محاربة من يريد التدخل في السياسة اللبنانية.

تركزت اتصالات النهار داخلياً على تسويق فكرة القبول بالمشروع الأميركي – الفرنسي مع بعض التجميل، وخارجياً لملمة الجراح الإسرائيلية كي تستطيع تمرير الأيام المتبقية بأقل قدر من الخسائر.

لم يحصل أي اتصال بيني وبين الحاج حسين الخليل طوال فترة ما قبل الظهر، عندما أرسل رسالة خطية يسأل فيها عن التطورات الحاصلة على صعيد الاتصالات، في هذا الوقت، كان النائب سعد الحريري قد اتصل مرتين بالرئيس بري وطرح عليه بعض الاقتراحات.

أجبت على رسالة الحاج حسين خطياً وعلى الورقة نفسها، وفيها الموقف من طروحات النائب الحريري (راجع كادر رسائل متبادلة بين الخليلين).

عند الساعة العاشرة ليلاً، وصل الرئيس السنيورة إلى عين التينة وبدأ بالقول إن الأمور صعبة للغاية في مجلس الأمن وعلينا أن نفتش عن مخارج ولا يمكن أن نبقى متصلبين في ما طرحناه، وقال إنه فيما يتعلق:

1- بمزارع شبعا يمكن القبول بالنص المقترح في المشروع الأميركي – الفرنسي وبعدها نحاول أن نحسن الأمر.

2- هناك إصرار على أن تكون القوات الدولية تحت الفصل السابع.

3- هناك فترة زمنية بين وقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي وبالتالي علينا أن ننظم كيفية التعاطي معها.

كان رد الرئيس بري هو الآتي:

في ما يتعلق بمزارع شبعا: علينا التمسك بالنص اللبناني، ورفض أي كلام عن الفصل السابع إن كان «يونيفيل» أو قوات متعددة، وأنا أبلغت الحريري اليوم بهذا الأمر، وفي الفترة الفاصلة يجب أن يكون موقفنا أن المقاومة لها الحق في القيام بالعمليات والمواجهة لهذه القوات الموجودة.

السنيورة: لكن المطروح أن لا يعود هناك أي وجود مسلح لغير الجيش اللبناني و«اليونيفيل».

بري: هذا جزء من خطة كاملة تنظم وضع الجميع، ولا يمكن القبول بما يقبل به الأميركي خدمة لإسرائيل، فالمقاومة لا يمكن المساومة على دورها بوجود الاحتلال.

ذهب الرئيس السنيورة وهو مقتنع بأن القرار سيصدر وفق الرغبة الأميركية، لكنه وعد بعد إصرار الرئيس بري أن لا يعلن الموافقة عليه قبل أن يراجع ويتفق على صيغة موحدة.

كلام فوق الطاولة.. وعكسه تحتها

صباح يوم الجمعة في 11/8/2006 كنا مع النائب علي عمار عندما قال لنا الرئيس بري بمرارة إن أصعب ما يمكن هو أن تكون المشكلة مع الداخل، مشيراً إلى صعوبة جلسة البارحة ليلاً مع الرئيس السنيورة.

استقبل الرئيس بري السفير الإيراني محمد رضا شيباني الذي كان قد اتصل في وقت متأخر من ليل أمس ليطلب موعداً عاجلاً، ونقل أن وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم الموجود في الأمم المتحدة كجزء من الوفد العربي أبلغهم أنه يحتار من الموقف الرسمي اللبناني حيث لكل واحد من الموجودين موقف خاص، من الوزير طارق متري، إلى السفير وباقي المندوبين، وأن النائب سعد الحريري يعقّد الأمور باتصالاته التي يجريها، كما أن للسنيورة موقفاً فوق الطاولة غير الموقف الذي يُنقل عنه من تحت الطاولة، وقال «لقد اتصل الحريري بالبعض حتى من ضمن الوفد العربي ونقل أننا نريد قوة متعددة الجنسية وفق الفصل السابع ولهذا فإن المطلوب هو أن يقوم الرئيس بري بمراجعة للموقف اللبناني وضبطه لا سيما أن مندوب لبنان في الأمم المتحدة ضعيف ومرتبك، حتى أنه طلب من سفير قطر أن لا يتدخل لأجل تعديلات في القرار لمصلحة لبنان».

كما نقل السفير الإيراني أن الجانب الأميركي يعبّر عن القبول بقوة متعددة الجنسية وأن لا يقال إنها تحت الفصل السابع كتابة في القرار، على أن يعلن كوفي أنان في كلمته الشفهية أنها تحت الفصل السابع.

لكن فرنسا رفضت هذه الصيغة على اعتبار أنها ستكون على رأس القوة الدولية المشاركة، وبالتالي فهي تريد كلاماً واضحاً في القرار والتقرير.

وسأل السفير الإيراني عن الموقف كي يبلغه إلى قيادته ومندوبهم في الأمم المتحدة.

رد الرئيس بري: أنا أعلم طبيعة المواقف المريبة الصادرة عن بعض القيادات اللبنانية، إنها مصيبتنا الكبرى وهي أصعب من كل العدوان ولكننا نحاول أن نعالجها بالتي هي أحسن وكل يوم لدينا لقاءات واتصالات حتى لا نصل إلى مشكلة وانقسام. أما بالنسبة إلى الطرح حول القوات الدولية والفصل السابع فأنا أرفض الأمرين مجتمعين ومنفصلين، ولا عبر إدخالهما في النص المكتوب أو في التلاوة الشفهية. هذا فخ كبير يجوّف كل الاحتياطات التي أخذناها ويشكل خطراً مباشراً على وضع المقاومة ومستقبلنا.

وأضاف السفير الإيراني إنه بخصوص مزارع شبعا فإن القرار المقترح يتضمن أن الأمين العام سيتابع المسألة المتعلقة بالمزارع وأنها ستدرس في إطار الحل السياسي العام، وأن وزير الخارجية القطري ارسل للجانب الاسرائيلي في الأمم المتحدة أن توافق حكومته على هذا الموقف.

كان رد الرئيس بري: أنا لم أفهم شيئاً، وهذه النقطة تبقى للنقاش وعلى ضوء الموقف من البنود الأخرى وتلبية مطالبنا يمكن أن نخفف أو نزيد.

سجل السفير الإيراني الملاحظات وأضاف إن الجانب الروسي لا يعطي أهمية للموقف الحكومي اللبناني ويتابع مواقفكم، وإن الموقف الصيني أصبح أفضل بكثير ويمكن اعتباره جيداً لمصلحتنا.

بعدها التقى الرئيس بري السفير الفرنسي برنار إيمييه الذي قال إنه أراد اللقاء قبل وصول المندوب الأميركي ديفيد ولش، ونقل تحيات الرئيس الفرنسي جاك شيراك وقال إن النص الذي تدعمه فرنسا أصبح على الشكل التالي:

1- وقف الأعمال العدائية.

2- انتشار الجيش اللبناني في الجنوب.

3- تقوية «اليونيفيل» من دون إشارة إلى الفصل السابع أو القوة المتعددة.

4- لا تدخل في مسألة نزع السلاح من منطقة جنوب الليطاني.

5- إضافة للمبادئ الأساسية السياسية الواردة في متن مشروع القرار الفرنسي – الأميركي.

بري: ماذا عن موضوع مزارع شبعا؟

ايمييه: يمكن العمل من أجل وضع ملفها بيد الأمين العام للأمم المتحدة الذي يرفع تقريراً لاحقاً بالأمر.

بري: ما هي الفترة الزمنية بين وقف الأعمال الحربية ووقف إطلاق النار، وبينها وبين انسحاب إسرائيل إلى خلف الخط الأزرق؟

وأضاف الرئيس بري: لنفترض سيناريو للأمر:

– 12 آب صدور قرار وقف الأعمال الحربية.

– 20 آب تحصل أمور عدة مترابطة مع بعضها:

÷ دخول الجيش.

÷ طلائع «اليونيفيل».

÷ انسحاب إسرائيل إلى خلف الخط الأزرق.

ايمييه: التفسير يحتاج إلى وقت.

بري: أنا أقول هذا الكلام لأنه علينا افتراض أنه في الفترة الفاصلة حصلت عملية ضد القوات الإسرائيلية، كيف ستردّ وهل نعود إلى القصف من جديد؟

عاد السفير ايمييه ليلخص الموقف وسأل: هل هناك ملاحظات أخرى وهل يمكن القول إنك راض عن الصيغة التي قلتها؟

بري: لا، لا يمكن أن أعطي رأيي النهائي من دون أن تصلني مسودة المشروع النهائي، علينا قراءة كل كلمة وحرف، بالإضافة إلى أننا لم نتحدث في عودة المهجرين، وهذا أمر أساسي.

ايمييه: أنا أوافقك الرأي في هذا الخصوص.

بري ـ ولش:

«لقاء متعب ومثمر وممتاز»

عند الساعة الثانية، وصل المندوب الأميركي ديفيد ولش يرافقه السفير جيفري فيلتمان.

بدأ الحديث بتناول الرئيس بري القصف الليلي على الضاحية والمشاكل التي تعترضنا كلما فتشنا عن صيغة حل، وسأل ولش: ماذا فعلت في موضوع مزارع شبعا كما وعدت؟

ولش: أبداً، لا شيء، يبقى النص كما هو في المشروع.

بري: إنكم لا تريدون أن تعطوا المقاومة انتصاراً يسجل لها، تقفون عند حدود خاطر إسرائيل في كل تفصيل.

ولش: أنت تجعل أوقات العمل مؤلمة وصعبة.

بري: وصلت الرسائل بالدم في الشياح، الإسرائيلي يقول في وسائل الإعلام إنهم يقاتلون من أجــل أميركا وإنهم لم يكونوا يريدون المعركة.

ولش: لندخل في صلب الموضوع، لماذا أنت ضد الفصل السابع؟

بري: لأنك أنت ضد الفصل السادس.

ولش: ولكن كيف تعمل قوات «اليونيفيل» وكيف تدافع عن نفسها؟

بري: القرار 426 يؤمن حق الدفاع عن النفس وفقاً للفصل السادس، وفي كل الأحوال الجانب الفرنسي هو الذي سيكون على رأس القوة وقد أبلغني أنهم يسيرون بالفصل السادس.

ولش: أنا أريد أن أؤكد أنه لن تكون هناك قوات متعددة الجنسية، لكن يبقى تحت أي فصل، وفي كل الأحوال نحن سنرى كيف سيصدر القرار.

بري: ليكن (6 فاصلة واحد على اربعة)

ولش: الرئيس السنيورة تحدث عن 6,90

بري: في النقطة المهمة حول الفترة الفاصلة بين وقف الأعمال العدائية والمرحلة الثابتة، ماذا سيحصل وعلى افتراض بين 12 آب و20 آب؟

ولش: الرئيس السنيورة تحدث بشكل عام، لم يدخل معنا في هذا التفصيل.

بري: لا، هذا أمر مهم يجب الاتفاق عليه، وملخصه:

1- «حزب الله» لا يضرب صواريخ تجاه إسرائيل في هذه الفترة.

2- إسرائيل ممنوعة من استعمال الطيران أو البوارج أو المدفعية والصواريخ على كل المنشآت والأماكن.

3- إذا حصلت أي عمليات على القوات الإسرائيلية في مناطق احتلالها يُمنع الرد بقصف القرى والأماكن السكنية.

4- عودة المهجرين إلى قراهم.

بدا ولش مرتبكاً ولم يكن جاهزاً للرد على هذا الاستفسار، وقال إنه لم يعر هذا الموضوع الاهتمام الكافي سابقاً وإن السنيورة لم يلفت نظره إليه، وبدأ بالحديث لدقائق مع مستشاره القانوني الموجود معه ، ثم قال: معك حق في هذه النقطة.

بري: أنا أتحدّث بشكل موضوعي فهذا يطيّر كل شيء، لأن الإسرائيلي يمكن أن يتذرع بعد أي عملية ويقول إنه يريد أن يبقى في المناطق التي احتلها وبالتالي علينا افتراض أن يكون من مصلحة أحد تأخير الانسحاب وإعطاء ذرائع، كما أنه يمكن أن يتأخر وصول التعزيزات للطوارئ.

ولش: الوقت يداهمنا، هذه النقطة تؤخر القرار، لأنها تستوجب أن أعود إلى إسرائيل لأتحدث معهم.

بري: سيد ولش، أنا لست مخـطئاً، أصــبح لي يومان أجتمع مع الرئيس السنيورة وأنبّه إلى هذه النقطة، وقلت له إنه من المصلحة أن يطلب إليك بالأمس العودة من لارنكا لهذه الغاية، لأنني أيضاً أريد ضمانة منكم ومن الأمم المتحدة بأن تنسحب إسرائيل بعد انتهاء الوقت المحدد.

ولش: نحن نفكر فيما يلي:

يُمنع على إسرائيل استعمال الطائرات والقصف.

يُمنع على «حزب الله» الصواريخ.

تراقب الحكومة «حزب الله» حتى لا يعيد تسليح نفسه.

أما النقطة التي طرحتها فهي جديدة عليّ.

بري (بعدما أشار إلى علي حمدان لتحضير أوراق) قال: أنا أقترح أن نعود في هذه النقطة إلى مضمون «تفاهم نيسان» ونضمن التنفيذ معاً ومع الأمم المتحدة.

عندها أشار ولش إلى المستشار القانوني الذي سحب ملفه وقرأ نص «تفاهم نيسان».

ولش: نظراً إلى ضيق الوقت وإذا كان القرار سيصدر اليوم، ما رأيك في مخرج أنه عند التصويت على القرار في مجلس الأمن تخرج السيدة كوندوليسا رايس لتفصّل الضمانة وتذكر صراحة أن هذه الفترة تخضع لقواعد «تفاهم نيسان» عام 1996.

بري بعد ان أخذ هذا الالتزام: في كل الأحوال ربما أكون قد تجاوزت صلاحيات غيري، هذا يجب أن يُبحث أيضاً مع رئيس الحكومة لكن أحتاج إلى ضمانة حول هذه الأمور لأنني مسؤول مع «حزب الله» والمقاومة، أما الباقي فيُبحث مع الرئيس السنيورة ليفصّل ماذا يريد، نحن نتمنى على السيدة رايس لكن الأمر ليس عندنا، في كل الأحوال، هي ستشاور بالتأكيد لكن أريد أن أذكر قولاً لفيلسوف عربي (ابن المقفع): سأل يوماً من هو الملك، أجاب: البلاط، بمعنى أن رايس ستفعل ما تقوله.

ولش: بقدر ما هو متعب هذا اللقاء، هو مثمر وممتاز.

في حلقة الاثنين المقبل:

ـ ولادة القرار 1701 في نيويورك ولبنان يوافق مع تحفظات عن بعض بنوده

ـ وادي الحجير مقبرة للدبابات الاسرائيلية وأكبر انزال اسرائيلي منذ العام 1973 في الليطاني

—————————-

صفحات مجهولة من حرب تموز كما يكشفها نبيه بري ويرويها علي حسن خليل

سعد الحريري يرفض تعديل حرف واحد مع الأميركيين نصرالله لبري: لن نسلّم السلاح أو نستسلم مهما كلف الأمر… ولتستمر الحرب

هو زمن النار الهادر كشلال، وعلى حبال النار كان علينا أن نتسلق سياسياً في أكثر عمليات التفاوض خطورة ودقة. لفظنا البنود جمراً وعدلنا المفردات بأقلام من رماح وكلما اقتربنا من النهايات المكتوبة، كان الخاطر يتأهب ويسترجع دمعاً نام بعدما أدماه الحزن أو مجزرة ً وقعت ضد بياض. ومتى ضربنا شريط الذكرى، نصبح بلا قلب، نتحدر من شجر شرس، نغمض عيوننا على أحلام من رحلوا ولا نرتضي بالقليل الدولي حتى لا نزعج موتانا في نومهم الابدي.

نعترف أنهم تربصوا بنا وأنهم عرقلوا التفاوض وجمدوا حراكاً أممياً وعربيا كان قد بدأ يُترجم على صيغة قرار. نقر بكامل قوانا العقلية أن للموت علينا حقاً.. وان شهداءنا سيّرونا وأداروا معركتنا الدبلوماسية فوقعنا في أسرهم لا نلوى على استسلام، ومن علامات أيام الغضب أن «الأمينين» على الجبهة، عسكرياً وسياسياً، كانا على استعداد في لحظة قرار دولي جائر أن يعودا الى أول نقطة على السطر «ولتستمر الحرب ولن نقبل بقرار دولي يلبي شروط إسرائيل» بحسب المراسلات مع السيد حسن نصر الله.

لمع الغضب ذاته في عيون الرئيس نبيه بري الذي أصبح مسكوناً بالرفض تتلبسه جان الحروف، يدسها بين العبارات القاتلة لوجودنا ويحذفها متى كانت لزوم ما يلزم أميركياً وإسرائلياً لأنه «لا يعقل أن نبحث عن المقاومة لنعاقبها بدل أن نمجدها» كما يقول بري معترضاً على المنطقة منزوعة السلاح.

لم تكن أيام القرار 1701 مسجلة على روزنامة آب من العام 2006 بوصفها اياما وحسب، ليس فيها ليل ونهار كبقية نهارات السنة، بل كانت كل ساعة منها توازي ما بين أسبوع الى قرن من الزمن. تمر ببطء سريع وتستثمر إسرائيل آخر دقائقها حتى آخر غارة قد تعود بريعها الى مكسب سياسي في مجلس الامن يعوضها الفشل في الميدان. وكان الميدان بدوره يسجل انحيازه الى رجال من عند الله أجروا مسحاً للبر وحاصروا عدوهم من وراء غصن شجرة زيتون وورقة صفصاف ومنعوه من شعب عيتا ومن سوق الخميس في بنت جبيل ومن التمخطر عند صف الهوا أو الارتواء بعين عيناثا عشيةً.. ومهما توغلوا في مارون فإنهم سقطوا عند الرأس.

وبجنون القصف والغارات وانتشار الموت من الجنوب الى أقصى الشمال، سيطلع فجر القرار الدولي الرقم 1701 ومن غاب عن الوطن في أشد محنته، حضر على جناح فرنسي طائر ليوافق من دون تعديل وذلك على قاعدة «اللهم لا اعتراض على ما صاغه الاميركيون».

هو اليوم نفسه الجمعة 11/8/2006 الذي حمل أوسع المشاورات وأدقها وأصعبها مع المندوب الأميركي ديفيد ولش من جهة، ومع الجانب اللبناني من جهة أخرى والذي كان يعيش مناخاً أميركياً أراد أن يضيف خيارات وحدوداً يحفظ فيها مصالح إسرائيل ويعوضها عن خسائرها الميدانية القاسية.

وهو اليوم نفسه الذي أصبحت دقائقه محسوبة بميزان الدم، حيث السباق بين صياغة مشاريع القرارات وتفاصيل الكلمات، وبين عمليات التدمير المستمر والشامل الذي جمع بين عشرات الأبنية المدمرة في الضاحية الجنوبية والمجازر الجديدة التي أضيفت إلى سابقاتها، امتداداً من عكار إلى قافلة مرجعيون التي اصطادتها الطائرات الإسرائيلية في كفريا في البقاع الغربي، بعدما رُتب خروجها على أعلى المستويات المحلية والدولية، لكنها لم تنفع في كبح روح الانتقام المتحكمة بقادة العدو، وهي القافلة نفسها التي ضمت 35 عسكرياً أُعطوا الأوامر السياسية بتسليم سلاحهم بالأمس في ثكنة مرجعيون، بعكس صور شباب يسطرون أروع البطولات في بنت جبيل، لم ينتظروا إذناً من وزراء الزمن الغابر، وكانوا يضيفون خلال هذا اليوم إنجازاً ميدانياً تجاوز تدمير مزيد من دبابات الـ«ميركافا» عند مثلث طيرحرفا في القطاع الغربي، إلى مثيلتيها في بيت ياحون وعيتا الشعب في القطاع الأوسط، لتتوّج بتدمير قطعة بحرية من نوع «سـوبر ديفوار» مقابل شاطئ المنصوري جنوب مدينة صور.

كل هذا الجنون الحربي الإسرائيلي، كان يعكس اضطراباً في الموقف الداخلي مع الإحساس بساعة القرار في مجلس الأمن، حيث تقاطعت مصالح أكثر من طرف ودخلت الحسابات الحزبية على خط القرارات المرتكبة أصلاً والتي أوصلت إلى قرار متأخر بتوسيع العملية البرية في محاولة للضغط، في اللحظة التي بدا فيها أن الجو الدولي لم يعد يستطيع أن يستمر في تغطية الحرب بعد النتائج المخيبة وعدم القدرة على تحقيق أي اختراق ميداني وسياسي.

عندما خرج ديفيد ولش من عين التينة يحمل آخر الأفكار ليراجع بها الإسرائيلي كما قال، كان الرئيس نبيه بري يبادر إلى تحصين اقتراحاته بالاتصال بالرئيس فؤاد السنيورة ووضعه في آخر الأجواء، ثم أرسل ليضع الجانب الإيراني في صورة التطورات مع الفرنسيين والأميركيين لأنه كان على تواصل مع ما يجري في مجلس الأمن خصوصاً مع الجانبين الروسي والصيني.

ولش يسمع الملاحظات من بري والحريري لا يريد أن يسمع

وضعنا الحاج حسين الخليل في تفاصيل ما جرى مع ديفيد ولش وسجل الصياغة الأخيرة التي تقدم بها الرئيس بري مع الملاحظات، ونقل من جانبه عن السيد حسن نصرالله بعض التفاصيل المتعلقة بأسلوب التعاطي مع المرحلة الفاصلة بين وقف النار والخطوات الإجرائية اللاحقة.

عند المساء، كان اتفاق على لقاء بين الرئيس بري والنائب سعد الحريري الذي عاد بعد الظهر إلى لبنان للمرة الأولى منذ بداية الحرب في 12 تموز، على متن طوافة عسكرية فرنسية والتقى الرئيس السنيورة في السرايا، ليصل الى عين التينة، عند الساعة 6,45 دقيقة، وبعد جلسة لمدة ساعة، كانت الخلاصة أن الحريري أتى ليؤكد ضرورة الموافقة على القرار الذي سيصدر عن مجلس الأمن ومن دون اعتراض، مبيناً بعض المعطيات التي كوّنها من اتصالاته الخارجية، ولم يكن مستعداً لسماع الملاحظات التي أبديناها لديفيد ولش معتبراً أنها غير مهمة لكي يسجل من أجلها تحفظاً، وكان حريصاً على أن يكون في صورة المشهد عند الوصول إلى حل.

بعدها التقى الرئيس بري الرئيس سليم الحص، مؤكداً أهمية ما حصل حتى الآن وضرورة الانتباه إلى التفاصيل عند اتخاذ موقف من القرار المفترض.

ناداني الرئيس بري بعدما وصله مشروع القرار الدولي بصيغته النهائية وطلب أن نكلف من يستطيع الترجمة الحرفية والدقيقة للانتباه إلى التعابير واستخداماتها، وكان مستعجلاً لأن الوقت بدأ يغلبنا قبل بدء الاجتماعات في مجلس الأمن.

وصل د. محمد شطح موفداً من الرئيس السنيورة، في وقت كان الرئيس بري قد بدأ بتسجيل ملاحظاته على الفقرات والبنود الواردة، وطلب مني دعوة الحاج حسين الخليل الذي انضم لاحقاً إلى الاجتماع.

بدأ د. شطح محاولا تجاوز الملاحظات التي يبديها الرئيس بري، متشاطراً في تبسيط خلفياتها على الرغم مما تحمله من التباسات كانت تلتقي مع خلفية ما يفكر فيه، خصوصاً ما يتعلق باستعمال مصطلحات تفسَّر لصالح نزع السلاح في منطقة جنوب الليطاني واستخدام كلمة القوة الدولية بدل قوات الطوارئ أو «اليونيفيل» والبند المتعلق بمهامها، حيث كان موقف شطح متجاوزاً حتى نص القرار لجهة المهام الموكلة للقوة، كما كانت هناك ملاحظة حول فتح المطار وفك الحصار من قبلنا، كما التحفظ على النص المتعلق بموضوع الأسرى.

في هذه الأثناء، كان النائب الحريري يتصل لأكثر من مرة دافعاً باتجاه عدم تسجيل ملاحظات «والسير بالمشروع كما هو حتى لا يتعرقل صدوره» وفق رأيه، كما اتصل الرئيس السنيورة بوجود شطح وتحدث في الاتجاه نفسه، وسأله الرئيس بري عن الموقف الإسرائيلي ولماذا علينا أن نعطي موقفاً قبله.

وفي نهاية الجلسة مع د. محمد شطح، سجل الرئيس بري مجموعة من الملاحظات أرسلت إلى الرئيس السنيورة، وهي على الشكل التالي:

1- التزام وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليسا رايس بأن تقول في خطابها (في مجلس الأمن) حول مبررات التصويت إنه خلال الفترة بين وقف العمليات العدائية والانسحاب الكامل الإسرائيلي حتى الخط الأزرق ستعالج الأمور وفقاً لقواعد تفاهم نيسان 1996.

2- رفض op8 – الفقرة 2 حول منطقة خالية من السلاح والمسلحين.

3- تحفظ op11 الفقرة التي تدخل «اليونيفيل» في معالجة المسائل المتعلقة بالفقرة التي سبقت op8

٤تحفظ op12 منعاً لأي التباس، شطب تعبير قوة دولية والتأكيد على قوات «اليونيفيل».

5- عدم إعطاء موقف نهائي من القرار قبل أن يوافق الإسرائيلي.

6- عدم اتخاذ أي موقف علني مع أو ضد أو تحفظ إلا بالتفاهم فيما بيننا.

نصرالله: لن أسلم سلاحي مهما كلف الأمر

عند الساعة 10,15 جرى اتصال من الشيخ حمد بن جاسم وزير الخارجية القطري الموجود في مجلس الأمن وطلب أن يزود بملاحظاتنا على المشروع، وسأل عن تعهد رايس.

شدد الرئيس بري على ملاحظة مهمة ولا يمكن تجاوزها حول تغيير عبارة «خالية من السلاح» إلى «خالية من أي سلاح ظاهر».

الشيخ حمد: يمكن أن نورد هذا في الخطاب.

بري: هذه خطيرة ولا نقبلها بأي شكل وتحتاج إلى تصحيح، وإذا أخذوها فليكن غصباً عنا ولا يمكن أن نوافق.

وشد بري من عزيمة وزير خارجية قطر وقال له «أنك الوحيد اليوم من الوفد العربي الذي نستطيع أن نتحدث معه»، وأشار إليه بأمور عدة أخرى يتحفظ عليها وهي:

1- وضع المسؤولية في مقدمة القرار (التمهيد) على لبنان وهذا مخالف للحقيقة ويحرمنا من المطالبة بالتعويض.

2- عدم الإشارة إلى المجازر ضد الحجر والبشر.

3- التمييز بين الأسيرين الإسرائيليين والأسرى اللبنانيين.

بعدما خرجنا لفترة قصيرة، اتصل الحاج حسين الخليل طالباً العودة إلى عين التينة، صعدنا إلى الرئيس بري في غرفته الخاصة في المنزل، كان الحاج حسين منفعلاً، وقال للرئيس أن السيد حسن اطلع على النص المقترح وفق التفصيل الذي نقلته له، ويقول إنه مع الملاحظات التي سجلتها لا سيما في ما يتعلق بالسلاح، وإلا فإنه لن يسلّم أو يستسلم ولتستمر الحرب ولن نقبل بقرار يلبي شروط إسرائيل وإنه يصرّ معك على تعديل الفقرة ومعها النص الملتبس حول دور «اليونيفيل».

بري لحسين الخليل: معه حق (السيد) في ما يتعلق بالسلاح، برغم أن الشيخ حمد بن جاسم أكد أنه سيقول إن الأمر يعود للبنان، ولكني أصريت على أن ترد العبارة وأن تُستبدل بتعبير «خالية من أي مظاهر مسلحة».

أضاف بري: لنعد إلى النقاط الأخرى، القوة الدولية ستعدل وسيصدر كلام واضح عن الأمين العام بأنها اليونيفيل، وأن لا علاقة لها بالسلاح والمسلحين، وهذا أمر يخص الجيش اللبناني. أما بخصوص الأسيرين (الاسرائيليين)، يقول الرئيس السنيورة إن مضمون القرار يتعلق بواجبات الحكومة اللبنانية ولا علاقة للحزب بالأمر.

اتصل الرئيس بري بالرئيس السنيورة وأبلغه من جديد الاقتراح المتعلق بالسلاح والمظاهر المسلحة، وكان رده أن هذه القصص هي بيننا وبينكم ونحن من سيعطي التعليمات حول ماذا سيحصل لاحقاً.

سأل الحاج حسين: هل يحتاج الأمر إلى قرار في مجلس الوزراء؟. في كل الأحوال موقفنا أن أي قرار من هذا النوع هو مشروع حرب ومواجهة مع الجيش اللبناني ونحن لا نريدها، ولكن لن أسلم سلاحي مهما كلف الأمر، يقول السيد حسن نصرالله.

في كل الأحوال ـ أضاف الحاج حسين الخليل ـ فإن خلاصة الموقف بحسب رأيه (السيد) هي:

إذا صدر القرار مع التعديلات وبقيت المقدمة السياسية وفيها ظلم فإن موقفي أنه قرار ظالم في جانب منه لأنه يحملنا مسؤولية الحرب ويتجاهل مسؤولية إسرائيل ولا يدينها عن الاغتيالات والمجازر، وهو قرار جائر في بعض مواده ونحن نعترض عليه لكننا سنتعاطى معه بإيجابية.

أما إذا لم يؤخذ بالتعديلات: نقول هذا القرار الذي صدر لا يعني لنا شيئاً كمقاومة وفي جوانب منه ظالم وجائر وسوف أتعاطى معه بواقعية ومسؤولية وطنية.

بري: انهم يعاقبون المقاومة

بدل تمجيدها

كنا نشاهد عبر الفضائيات، وقائع انعقاد جلسة مجلس الأمن، ولأكثر من مرة كنا نرى الشيخ حمد بن جاسم وهو يحمل هاتفه ليتصل بالرئيس بري الذي كان ينقل ملاحظاته ونرى كيفية متابعتها مباشرة إلى أن وصلنا إلى الصيغة التي صدر بها القرار الدولي الرقم 1701، ومعه الكلام الذي أدلت به كوندوليسا رايس حول تفاهم نيسان كما جرى الاتفاق، وللمرة الأولى، ذُكرت مزارع شبعا لكن من دون صياغة واضحة تُلزم إسرائيل بإجراءات ما، تماماً كما الالتباس في مسألة توقيت وقف النار عند الساعة الثالثة من فجر يوم السبت في 12/8/2006.

غير أن البند الذي اعترضنا عليه والمتعلق بالمنطقة المنزوعة من السلاح والمسلحين بقي كما كان في مشروع القرار الأميركي، ولم يعترض مندوب لبنان عليه كما كنا قد أرسلنا مع د. محمد شطح للرئيس السنيورة، وهذا ما أغضب الرئيس بري كثيراً وقال لا يعقل أن نبحث عن المقاومة لنعاقبها بدل أن نمجدها لأنها انتصرت على إسرائيل.

انتهى اليوم الطويل في فجر اليوم الطالع ليعود كل منا إلى مكانه يحمل الكثير من الهواجس ويفتش في الوقت نفسه عن الصيغة التي سنتعاطى فيها مع طلوع النهار.

كان صباح السبت 12/8/2006 مختلفاً عن سابقاته من الصباحات، حيث بدأت تُرسم ملامح صورة جديدة للبنان بعد الصمود البطولي والإنجازات التي تحققت على الأرض، في وقت فرض القرار الدولي نفسه على الحركة السياسية وعلى الناس العاديين الذين انتظروا الموقف الرسمي وموقف قوى المقاومة.

ساد الحذر من خطورة الوقت الضائع ومن أن يزيد الإسرائيلي من حفلة الموت والانتقام التي بدأها ومحاولة تحقيق انتصار ربما يحتاجه الجيش والحكومة معاً، ولكنه دفع أكبر ثمن من الخسائر البشرية في كل أيام الحرب إذ سقط له أكثر من خمسة وعشرين ضابطاً وجندياً وأكثر من عشرين دبابة تحول معها وادي الحجير إلى مقبرة للإسرائيليين، واتسعت المواجهات العنيفة على كل المحاور ولم يستطع معها العدوان تحقيق أي اختراق أو إنجاز يعزز وضعه قبل إعلان وقف إطلاق النار سوى أنه هدم المزيد من المراكز والبيوت في غارات متكررة توسعت لتغطي كل المناطق وصولاً إلى أقصى الشمال في عكار والمناطق عند الحدود السورية.

وبقدر ما كان اليوم صعباً على المستوى الميداني، إلا أنه عزز الروح المعنوية وظهّر صورة النصر التي ستُحفر طويلاً في ذاكرة اللبنانيين والعرب كما في الكيان الإسرائيلي الذي بدت عليه ملامح اختلال بنيوي مع سقوط أسطورة الجيش الأقوى وهذا الضياع على المستوى السياسي بمختلف مستوياته.

في حلقة الأربعاء المقبل:

ـ بري يجمع وزراء «أمل» و«حزب الله» ويوفد علي حسن خليل وحسين الخليل الى السرايا الكبيرة

ـ سعد الحريري «ينشد» موافقة دمشق وطهران على الـ1701 ووفد 14 آذار يسأل رئيس المجلس: كيف سيتم نزع سلاح «حزب الله»؟

—————————-

شطح: لماذا لا تسلمون سلاحكم ومواقعكم وصواريخكم للجيش اللبناني… وترتاحوا؟ الخليلان يردان: هل تريد تقديم النصر لإسرائيل… نحن لم نهزم حتى نعاقب بنزع سلاحنا

صفحات مجهولة من حرب تموز كما يكشفها نبيه بري ويرويها علي حسن خليل 17

لأجل لبنان

انتهى دوركم.. قاومتم.. أمدكم الله بطول العمر لكن هاتوا سلاحكم وكفاكم شر القتال.

لم يكن المقاومون قد عادوا من الجبهة بعد، وجلهم لا يزال ندي عرق القتال, عندما وصلتنا تلك البرقية الحكومية التي تستعجلنا السلاح.

صدر القرار الدولي ومعه سوف يصدر القرار المحلي وبفصل سابع معجل مكرر يدعونا لأن نلملم قطعاتنا على وجه السرعة ونرحل من جنوبي النهر حتى لو كلف ذلك رمي صمودنا في بحر.

هي أيام كانت فيها المعارك لا تعترف بالحبر الأزرق الدولي. لم تسمع بالواحد بعد السبعمئة والف أو لكأنها أعتقدت أن على عدونا قصفنا بألف وسبعمئة وغارة قبل أن يعلن نهاية القتال.

لقد جاءت أيام نحاسب فيها بعضنا على صمودنا وسيتجلى ذلك في التحضير لأول جلسة مجلس وزراء ستوافق على القرار 1701. هي أيام سوف تشهد على أخطر السجالات بيننا وبين رئيس الحكومة وخلاصتها المضمرة أن السلاح خارج جنوب النهر لن يشكل خطراً على اسرائيل, إسحبـوه وألا «أنا مش ماشـي» بحسب تهديد فؤاد السنيورة.

نقاش سوف يبدأ به حك المعادن السياسية، ومن هناك سينطلق ما عرف بالفحوصات في الوطنية التي غالباً ما يرفض السنيورة الخضوع لها وإذ بنتائج حمضها النووي يظهر من دون أخذ عينات وإنما كان يكفينا جدل كهذا لنتبين النتيجة السريعة.

فالمحضر كُتب على مرآه, وكلامه مدموغ بخطنا. صحيح هو قال إنه لن ينكّل بنا لكن الاداء والنقاش وجنوبي النهر منزوع السلاح كلها شواهد على ما يتجاوز التنكيل السياسي ويبلغ عمق إنشاء خط آمن لمن بات يخافنا.

نعترف أن رئيس الحكومة أدّى تلك المهمة بإمانة وما كان يستصعب طرحه يتركه لمستشاره غير الموزر بعد محمد شطح الذي لم يطلب الكثير.. «فقط ما رأيكم لو سلمتم سلاحكم للجيش»؟

حماه الله على أفكار استلزمت منه ارتكاب فعل التفكير ملياً وهنا.. بدأ الخلاف يظهر..

مجدداً، صباح يوم السبت في الثاني عشر من آب 2006. بدأ اليوم السياسي بالتدقيق في الترجمة الحرفية لنص القرار 1701 وشكل الصياغة التي انتهى إليها، في وقت بدأت تتوضح صورة اللحظات الأخيرة قبل صدور القرار، حيث كان الفرنسي يعاكس الأجواء التي نقلها إلى بيروت ويصر على اعتماد الفصل السابع تحت عنوان الحرص على مشاركة أكبر عدد من الدول الخائفة على مصير جنودها، وجون بولتون (ممثل الولايات المتحدة في مجلس الأمن) يجاهر علناً في اللقاءات أنه يريد المحافظة على معنويات ايهود أولمرت داخل الكيان الإسرائيلي، وبالتالي لن يسمح بأي مسّ بالشروط التي وضعها، إلى ما لم يخبئه وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم آل ثاني بأنه يتواصل مع الوفد الإسرائيلي في نيويورك وكما يقول «من أجل تمرير الصيغة الأفضل».

بعد أن قرأ النص الحرفي أكثر من مرة، بدأ الرئيس نبيه بري بتسجيل تقييمه الأولي عليه مؤجلاً النقاش إلى ما بعد لقائه ممثل السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا الذي كان موجوداً في لحظة لا يستطيع فيها تأمين شيء سوى التمنيات للقرار بأن يطبق ودعوة الحكومة اللبنانية إلى تبنيه من دون أن يكون لديه أي تصور عن الآليات والخطوات اللاحقة أو الموقف الإسرائيلي منه والذي سأله عنه الرئيس بري.

بعد سولانا الذي أجرى لقاءات عدة في بيروت، التقى الرئيس بري وفداً من نواب قوى 14 آذار الذين كانوا متحمّسين للقرار الدولي وفق مفهومهم، وركزوا في أسئلتهم على سلاح «حزب الله» وماذا سيحل به وكيف سيسلم جنوبي النهر وكيف سيتم التعاطي مع القرار الدولي الرقم 1701، وغيرها من الأسئلة التي رد عليها الرئيس بري بإظهار أهمية الموقف اللبناني الموحد وترك الأمور الإشكالية للحوار الداخلي وعدم الانسياق وراء المناخ الذي يريد الأميركي أن يخلقه ليشوش على العلاقات الداخلية.

اتصل النائب سعد الحريري أثناء وجود السيد نصري خوري أمين عام المجلس الأعلى اللبناني السوري في عين التينة ليقول إنه عليكم العمل لكي لا يرفض الجانب السوري القرار وأن يأخذ موقفاً معتدلاً، وقال أيضاً إن الجانب الإيراني قد اتخذ موقفاً رافضاً وهذا ما يعقد الأمور، وسأل ما إذا كان هذا سيترك أثراً على موقف «حزب الله»؟

كان رد الرئيس بري: إننا ندرس بمسؤولية كيف سنتعاطى مع القرار برغم الظلم الواضح في بعض بنوده ولا علاقة لأحد بما سنأخذه.

بري يجمع وزراء «أمل» و«حزب الله»

بعدها دقق الرئيس بري في حقيقة ما نقله الحريري عن الموقف الإيراني، وكان جواب السفير الإيراني محمد رضا شيباني إن الموقف الإيراني الحرفي هو «إن القرار الأحادي الذي كان قد أعدّ لمصلحة الكيان الصهيوني قد أدخلت عليه بعض الإصلاحات المطلوبة على الرغم من عدم رضى بعض حماة الكيان الصهيوني، وذلك لم يكن ليتم لولا الجهود التي بُُذلت ولولا الموقف اللبناني الموحد».

دعا الرئيس بري إلى عقد اجتماع للوزراء ممثلي حركة «أمل» و«حزب الله» في عين التينة، بحضوري والحاج حسين الخليل تمهيداً للجلسة المقررة لمجلس الوزراء حيث كان تقدير من الجميع أن النص الأخير فيه تقدم عن كل المشاريع التي طرحها الإسرائيلي والأميركي منذ البداية والتي بنى بعض الداخل الأحلام حول توظيفها لتصفية حسابات سياسية داخلية خدمة لمشاريعه والتي لم يتورع هذا البعض عن المجاهرة بها، لا سيما ما يتعلق بنزع سلاح المقاومة واستغلال طرح سيادة الدولة على كامل أراضيها للتسويق لما تبقى من القرار 1559، وكان الرئيس بري يستذكر في تلك اللحظة مراحل المفاوضات الصعبة التي مرت، وكيف تطور الكلام عن تسليم فوري للأسرى الإسرائيليين إلى الحكومة اللبنانية، إلى تسليم بأن الأمر لن يتم إلا عبر مفاوضات غير مباشرة بين «حزب الله» وإسرائيل وفق ما كان الموقف عليه منذ اللحظة الأولى لعملية أسر الجنديين.

جرى نقاش طويل تناول التعديلات الإيجابية التي حصلت على مشروع القرار الدولي وأهمها إلغاء الفصل السابع والقوة الدولية واعتماد قواعد تفاهم نيسان وتقصير المهلة بين وقف الاعتداءات ووقف النار، إلى الملاحظات السلبية على كل بند من البنود لا سيما ما سيتفق عليه حول السلاح والتعاطي معه في منطقة جنوب الليطاني برغم كلام السنيورة الذي قال فيه قبل صدور القرار بأن الأمر مرتبط بالتعليمات التي نعطيها للجيش اللبناني، وكان تركيز على الفقرة op8 وتفسيرها «بأن المنطقة خالية من المظاهر المسلحة» وهذا ما يجب أن يصدره مجلس الوزراء بقرار وأن يسجل أن التعاطي مع منطقة جنوب النهر هي كما التعاطي مع شماله ورفض فكرة استنجاد الجيش بقوات الطوارئ الدولية.

في مجلس الوزراء لا نسكت ولا نفجر الموقف

في نهاية الاجتماع، تم الاتفاق بأن يدخل الوزراء في نقاش جدي حول كل البنود لكي نأخذ توضيحاً وفق رؤيتنا من دون أن نسلّم بأي مسألة تمس الثوابت التي تحفظ المقاومة وحمايتها وأن نشدد على البند op8 وتفسيره، وبالتالي نعلن في مجلس الوزراء ما يلي:

«إن القرار الذي صدر يحمّل لبنان و«حزب الله» المسؤولية عن الحرب، وهذا فيه ظلم كبير كما بعض البنود التي تمس بالمصالح اللبنانية ولهذا نحن نتحفظ عليه، ولكن لن نشكل عائقاً أمام أن تأخذ الحكومة قراراً بالموافقة وتبلغ مجلس الأمن بها وسنتعاطى مع موجبات القرار بموضوعية وبما تمليه المسؤولية الوطنية».

واتفق أيضاً على أن يصرّح الوزير محمد فنيش إلى الإعلام بهذا المضمون باسم الجميع.

كما ناقشنا السيناريوهات المحتملة لسير الجلسة وإمكان أن يحاول البعض الحديث عن السلاح في المنطقة ونزعه والقيام بمداهمات، واتفق على عدم السماح بهذا الأمر وأن لا يسكت الوزراء عندها مع إعطاء الأولوية لعدم تفجير الجلسة وانفراطها، وكانت هناك مخاوف كبيرة من أن يكون فيلتمان قد دخل على الخط وقام بحملة تحريض عند الوزراء قبل انعقاد الجلسة.

ثم ناقشنا إمكانية أن يعمد الرئيس السنيورة نفسه إلى التصعيد وأن يرفض فكرة التحفظ ويبدأ بالتهويل، وكان إصرار على أنه مهما حصل سنبقى على التحفظ مع الموافقة على قرار الحكومة.

بعد انتهاء الاجتماع، اقترح الرئيس بري أن أنزل أنا والحاج حسين الخليل للقاء الرئيس السنيورة والاتفاق معه على صيغة القرار قبل جلسة مجلس الوزراء واستباق أي مشكل ممكن أن يحصل، وبالفعل اتصل به لهذه الغاية وقال له: سيأتي علي لعندك لبحث بعض المسائل.

المحضر الكامل لجلسة الخليلين والسنيورة وشطح في السرايا

انتقلت أنا والحاج حسين الخليل بعدها بسيارة لقوى الأمن الدخلي إلى ملجأ السرايا الحكومية لنصعد من باب مباشر إلى جناح الإقامة داخل السرايا عند الساعة الثالثة وعشرين دقيقة عصراً لنلتقيه بحضور د. محمد شطح في جلسة طالت وجرى فيها نقاش طويل.

وكان قد سبقنا موقف نُقل عن لسان الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان أن رئيسي وزراء لبنان فؤاد السنيورة وإيهود أولمرت وافقا على وقف القتال يوم الاثنين (14 آب) الساعة الثامنة صباحاً بتوقيت بيروت، وكانت كل الأجواء المتواترة من إسرائيل تتحدث عن محاولة استغلال لبعض الإبهام في مضمون القرار من أجل بقاء قوات الاحتلال في أماكنها بعد وقف العمليات العدائية.

كانت المعارك ما زالت على أشدها وتتوسع في كل مناطق التماس لتعكس هستيريا العدو مقابل قدرة المقاومين على المبادرة في المعركة البرية التي انتظروها طويلاً، ولم يكن قرار مجلس الأمن فجراً قد ترك أي أثر على الأرض يخفف من حدة المعارك التي أصبحت أكثر ضراوة، وكانت كل مناطق الجنوب قد أصبحت بلا كهرباء مع القصف الإسرائيلي الذي طال محطة التحويل الرئيسية في صيدا.

عند دخول الرئيس السنيورة بادرته بالقول إننا أتينا لنخفف عنك في جلسة مجلس الوزراء. لقد قطعنا المرحلة الأصعب وبحاجة الآن لكي نرتب تفاهماً حول تفسير بنود القرار الدولي وموقف الحكومة منها لأنه من الواضح أن هناك ظلماً وتحيزاً، والرئيس بري يقول إن الأهم هو أن لا يحدث في هذه اللحظة انقسام داخلي.

ردّ السنيورة بسرعة: أمور التفسير ليست عندنا، هذا أمر دولي، نحن عملنا قبل صدوره، الآن الأمور اختلفت.

حسين الخليل: لنبدأ بالأصعب، وبما قاله الرئيس بري عند الواحدة من ليل أمس, فالبند op8 كنا صريحين منذ البداية في رفضه، الآن نجدده، تحملنا الكثير مع بعضنا وصبرنا حتى لا يحصل أي خدش داخلي، والسيد حسن نصرالله قال «ألف مشكلة مع الإسرائيلي أهون من مشكل واحد داخلي».

في هذا الوقت، تلقى الرئيس السنيورة اتصالاً من رئيس الحكومة البريطاني توني بلير فاعتذر لكي يجيب عليه، وأكملنا الحديث مع د. محمد شطح فسألته: ماذا يريد الإسرائيلي من التصعيد اليوم؟

شطح: الإسرائيلي جيشه مجروح، لكن بالعودة إلى موضوعنا، لا معنى لموافقة الحكومة على القرار أو تفسيره كما قلت، هذا قانون دولي، القرار جيد، هو يتحدث عن وقف الاعتداءات وهذا يشمل كل إطلاق النار وليس نوعاً معيناً، والآن الرئيس السنيورة يضغط لكي يحدد وقتاً معيناً لوقف إطلاق النار، علينا أن نظهر القرار انتصاراً للبنان.

حسين الخليل: المقدمة سيئة جداً.

شطح: إذا أخذنا الأمور كلها، وما يطلب من الحكومة اللبنانية فإن النتيجة جيدة، وبصراحة لم يكن من الممكن أن نحصّل أكثر من هذا.

عاد الرئيس السنيورة بعد انتهاء حديثه مع بلير، ليكمل الجلسة معنا.

حسين الخليل: لنكن على بينة قبل جلسة مجلس الوزراء، إن السقف الذي نستطيع أن نحمله في تفسير بعض بنود القرار هو التالي:

÷ فيop8 : اعتبار أن البند يتحدث عن «إلغاء المظاهر المسلحة» وليس منطقة خالية من السلاح والمسلحين.

÷ لا علاقة لقوات «اليونيفيل» بموضوع السلاح، وهذا أمر يعالج مع الجيش اللبناني ونحن في كل الأحوال كحزب مشاركون في الحكومة وموافقون على انتشار الجيش، ولسنا في وارد وضعه في اي احراج، ولكن لن نتحمل فكرة نزع السلاح تحت أي ذريعة، السلاح لن يكون ظاهراً بالتأكيد.

÷ علي خليل: كلنا معنيون، الالتزام السياسي هو الأساس، المعركة لم تنته مع العدو، هو لم يلتزم بالانسحاب من مزارع شبعا، وأي كلام يفسر على أنه موافقة على نزع السلاح فيه إضعاف للبنان وليس لـ«حزب الله» فقط، لكن لن يكون هناك أي شكل من الاستفزاز.

السنيورة: أنا أريد أن أحتضن الشيعة

السنيورة: نحن نريد أن نتعاون لإيجاد قواعد واضحة يلتزم بها الجميع، للدولة اللبنانية حقوق قبل أن يصدر قرار مجلس الأمن وبموافقة الجميع بالإجماع. نحن لا نريد مشاكل مع بعض، أنا أريد أن أحتضن الشيعة أكثر من أي وقت آخر، الآن يوجد جرح أريد أن أداويه.

الآن الوضع هو التالي:…

علي خليل مقاطعاً: دولة الرئيس، نحن لسنا مهزومين لكي تتحدث عن احتضان، نحن معك في مركب واحد وقد صمدنا، وأعتقد أن ما تحقق هو نصر لنا جميعاً وانت تعرف ما فعله الرئيس بري لكي تبقى صورة المقاومة والحكومة واحدة.

السنيورة: الآن لا نريد تسجيل مواقف لنرى ما هي الحقائق المتفق عليها:

ـ نحن متفقون أن لا يكون هناك سلاح في جنوبي الليطاني ويمكن أن يسحب الحزب سلاحه إلى الشمال.

حسين الخليل: بدأنا نختلف.

السنيورة: لنكن واضحين، أي سلاح أجده سأصادره، الجيش سيدخل وإسرائيل ستكون خارج الجنوب خلال 15 يوماً. إذا هذا حصل، أن يبقى السلاح في تلك المنطقة «أنا مش ماشي». نقول في الحكومة متأسفين نحن لا نستطيع أن نمشي.

حسين الخليل: نحن قبل القرار وبعده لا نستطيع أن نتحمّل نزع السلاح، ما نستطيعه هو أن يدخل الجيش ويمارس سلطته وفق ما قاله الرئيس بري بالأمس وأنت وافقت عليه.

السنيورة: الرئيس بري قال عن الفترة الفاصلة بين وقف النار والانسحاب الإسرائيلي، وأنا قلت له نعم.

حسين الخليل: نحن نتحدث عن الفترة التي يستقر فيها الجيش.

السنيورة: أنا أتحدث عن 15 يوماً هي الفاصلة.

علي خليل: لماذا يذهب النقاش إلى هذا المنحى، أنت قلت عند الرئيس بري إن القرار عند الحكومة في صلاحية الجيش ودوره، وكان الحديث عن أن جنوب النهر كما شماله، لماذا يُطرح الأمر هكذا الآن؟

حسين الخليل: هل تطرح يا دولة الرئيس أن تحصل مداهمات؟

السنيورة: الرئيس بري قال إنكم تسلمون الصواريخ وغيرها، وهذا حصل أمامك يا حاج حسين.

حسين الخليل: أبداً لم يقل هذا الكلام، كرر الرئيس بري أكثر من مرة أن الأمر يتعلق بالسلاح الظاهر، وتذكر يا دولة الرئيس أنه قال لك إن المزارعين في المستعمرات الشمالية يسيرون بسلاحهم.

السنيورة: إذاً ما هي البنود السبعة وكيف الالتزام بها إذا كنتم تريدون أن يبقى السلاح بأيديكم؟

حسين الخليل: نحن لن نترك السلاح هكذا.

السنيورة: عندما تقول إن السلاح سيبقى، يعني أنك تقول للعالم نحن نعتذر عن القرار ولا نريد الالتزام به.

علي خليل: أنت تفتح مشكلاً الآن، في وقت الإسرائيلي ما زال في أعلى درجات هجومه، نحن كيف نطمئن؟

حسين الخليل: الرئيس بري ربط أساساً أي نقاش بمزارع شبعا وتحريرها.

السنيورة: هو ربط السلاح خارج الجنوب.

علي خليل: نحن جميعاً كنا موجودين ولم نسمع مثل هذا الكلام.

حسين الخليل للسنيورة: نحن لسنا «زقاقية»

حسين الخليل: الالتزام الوحيد عندنا هو أنه إذا وجد الجيش بندقية ظاهرة يصادرها، نحن لا نتحمل التفتيش والمداهمة، نحن لسنا «زقاقية»، الشباب من أشرف العائلات، وكما عبر الرئيس بري أمامك هؤلاء لا يعاقبون على جهادهم.

شطح: هل نفهم أن هناك قراراً عند الحزب بعدم تسليم السلاح أولاً؟

السنيورة: أنا فهمي أنكم مليون مرة قلتم نعم، نحن نسلّم، وهذا سمعته بأذني، أمام الرئيس بري.

حسين الخليل: أنا لم أسمع هذا أبداً، سمعت غير ذلك وأنا تحدثت أيضاً بغيره.

السنيورة: مجلس الوزراء يجب أن يأخذ موقفاً بالموافقة على القرار أو عدم الموافقة عليه.

علي خليل: من قال إننا أمام نعم أم لا، في مجلس الأمن كانت هناك تحفظات، ألا يحق لنا نحن المعنيين إذا رأينا ظلماً أن نقول لا أو أن نتحفظ؟

السنيورة: نحن لن ننكل بكم. الصواريخ إما تسلّمونها أو تسحبونها إلى خارج جنوبي الليطاني.

حسين الخليل: راجع الرئيس بري، نحن لن نتفق.

السنيورة: أنا ذاكرتي وعقلي جيدان، أنا أكيد.

شطح: أنتم تنتقلون نقلة نوعية بعد هذه الحرب، لماذا لا تقولون إنكم تسلمون كل سلاحكم ومواقعكم للجيش، تسلمونه قواعد الصواريخ والمدفعية وترتاحون.

حسين الخليل: لماذا لا تتزحزح إسرائيل بموضوع مزارع شبعا ونحن نوافق على تسليم السلاح؟

علي خليل: رأيي مجرد النقاش بهذه الطريقة فيه انهزام لنا.

السنيورة: اذهبوا للرئيس بري واتفقوا، إذا قال لا لقرار مجلس الأمن أنا حاضر، ولكن عليكم أن تعرفوا أنه إذا كان تفسيركم هو «إلغاء المظاهر المسلحة» فقط، فمعنى هذا أن «الدك» علينا سيبقى إلى يوم القيامة، أنتما الاثنان التقيتكما في 12 تموز وقلتما إن لبنان ليس مثل غزة «وحرقوا ديننا ولم يكن معكم حق». أنا أقول ربما يكون العالم ظالماً، ولكن لن أقول أمام العالم إنني لا أنفذ.

علي خليل: يا دولة الرئيس، لماذا نقول له نعم، نحن أصبح لنا شهر نتعرض لقصف، أنت عشت كل المرحلة، لولا صمود اللبنانيين وقدرات المقاومة لم يكن الأميركي ليتراجع، لماذا نعطيه ما طلبه منذ البداية؟ البارحة الرئيس بري وقبل صدور القرار بلحظات بقي يتابع ويعمل من اجل تحسين القرار وكان متحفظاً على بعض النقاط وسمعنا كيف تحفظ القطريون، كيف لنا ان لا نتحفظ نحن.

شطح: لكن أقنعوني، لماذا تبقى الصواريخ في تلك المنطقة بعد الحرب، هل تريدون حرباً جديدة؟

حسين الخليل: ربما إسرائيل تريد حرباً جديدة، بماذا نرد؟

شطح: أنتم خضتم أشرس معركة وانتهت، لمن تريدون إخفاء الصواريخ؟

حسين الخليل: هذا مطلب إسرائيلي.

شطح: سلّمه للجيش، أنا مكانك أقول أصبحت سرايا في الجيش.

علي خليل: هذا أمر نناقشه فيما بيننا على طاولة الحوار، أساساً بدأنا النقاش فلماذا تستبق الأمور؟

شطح: نحن لا نستبق، ولكن هناك وقائع على الأرض وكأنكم خارج السياق.

علي خليل: لأننا في السياق نرى أن ما يُطرح يجعلنا نخسر ما حققناه حتى الآن.

حسين الخليل: ما تطرحه يا د. شطح يعني أن نقدم النصر للإسرائيلي.

السـنيورة: نحن عملياً صمدنا وتدمّر البلد، لكن نجحنا في الدبلوماسية على عكس ما كان يرغب الإسرائيلي، وماذا لديكم من رأي غير أنه هناك ظلم في القرار؟

حسين الخليل: الحكومة تقول إنها موافقة، لا مانع عندنا، ولكن نحن سنقول إننا متحفظون على القرار لأنه ظالم في تحميل المسؤوليات وغير متوازن غير أننا سنتعاطى معه بواقعية ومسؤولية وطنية.

السنيورة: لديكم الخيار التالي: أن تُخرجوا الأسلحة الثقيلة إلى شمال نهر الليطاني أو أن تسلموها للجيش. أنا سأقول إنه ليس هناك سلاح غير سلاح الدولة وأي سلاح أعرف بوجوده سأعمل على مصادرته.

شطح: هذا منطق الدول.. ومنطق اللبنانيين.

حسين الخليل: المشكلة في هؤلاء اللبنانيين ومنهم الوزراء.

السنيورة: أنتم أخذتم اللبنانيين إلى مكان لن يستطيعوا أن يكملوا معكم.

علي خليل: لماذا تتحدث وكأن الحق علينا في كل ما يحصل؟

السنيورة: أنا أقول عن تصرف الحزب.

علي خليل: أنت تتحدث الآن عن كل من يقول إنني مع المقاومة. الرئيس بري قال لك سابقاً انه لا يقبل ان تعاقب المقاومة.

السنيورة: وأنا كنت مع المقاومة، لكن أنا فؤاد السنيورة غير مقتنع بوجود السلاح وبقائه، وهذا رأي 80% من اللبنانيين وبمنتهى الصراحة، أنا عشت مع اللبنانيين، لن أكذب عليهم إذا عرفت أن هناك سلاحاً لن أقول لهم إنه غير موجود، لن أفعل ذلك، لا معهم ولا مع العالم الذي أعطانا ثقة، صمدنا ونريد إعادة إعمار البلد وهذا لا يمكن أن يحصل إذا شعر اللبنانيون أن هناك سلاحاً. أنتم تقولون جنوب النهر مثل الشمال، أنا ماشي، أن لا يكون هناك سلاح في كل لبنان وهذا من البنود السبعة، أنا أقص رقبتي ولا أشارك في عملية كذب على الناس.

علي خليل: نحن لا نريدك إلا صادقاً معهم، لكن في هذه اللحظة هناك معارك يخوضها الناس في الجنوب، صدقنا معهم أن لا نفاوض على سلاحهم وهم يقاتلون الآن، ليس كل اللبنانيين يفكرون كما تقول، السلاح نقطة في مؤتمر الحوار الوطني ويمكن أن يتابع نقاشها لاحقاً.

حسين الخليل: نحن صريحون أمام كل العالم، خذ القرار الذي تريده أنت في الحكومة، ولكن لا يمكنك أن تمنعني من أن أقول رأيي.

السنيورة: قل رأيك الذي تريد لكن في النهاية إما نأخذه أو لا نأخذه ونقول متأسفين للعالم عندها.

أنهينا الاجتماع من دون أن يكون هناك اتفاق واضح على ما سيحصل في جلسة مجلس الوزراء.

في حلقة السبت المقبل:

ـ ماذا قرر مجلس الوزراء بعد اجتماع الخليلين بالسنيورة وشطح؟

ـ نصر الله يصف القرار 1701 بأنه غير منصف وجنبلاط يرفض نزع سلاح المقاومة بالقوة

ـ ايهود اولمرت: 1701 يمهد لتنفيذ 1559

—————————-

نصر الله يتحفظ عن بعض بنود 1701.. والحريري يردّ: إذا بقي السلاح فماذا نكون قد فعلنا؟ جلسة الحكومة في 12 آب 2006: «قوة ضاربة» ضد السلاح يقودها السنيورة وفتفت وحمادة

صفحات مجهولة من حرب تموز كما يكشفها نبيه بري ويرويها علي حسن خليل 18

تدلّت مواقف الداخل كعناقيد غاضبة متخوفة متوجسةً رؤيانا لما بعد القرار الدولي، وبدأت مرحلة تقليم الأظافر وتصفية الحساب على قاعدة أن ما لم يشر إليه القرار 1701 تفصيلياً ستطبقه الحكومة عملياً وسيمنع علينا مجرد إبداء التحفظ على بنود مجحفة بحق لبنان.

لم يكن الإجحاف دولياً فحسب، وإنما لبنانياً، تملكه الحذر والتخوف من خط وهمي يفصل بين جنوب النهر وشماله، لا ضير في السلاح شمالاً والى أبد الآبدين، لكن الخطر، كل الخطر، أن يبقى السلاح جنوباً فيقلق الخاطر الإسرائيلي ويشكل خطراً عن أمنه.. وهنا مربط الخيل.

كان مجلس الوزراء اللبناني مستعداً لتقديم نفسه على أنه أكثر حرصاً من مجلس الأمن الدولي نفسه، ومن آراء عدد من الدول التي ساندتنا، ورأت في القرار 1701 «عدم توازن»، وأبدت تفهماً لخياراتنا السياسية، ولعل أكثر ما يتجلى ذلك في رسالة وزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم التي تلقاها الرئيس نبيه بري والمتضمّنة ملاحظاتنا على القرار الذي «لم يتطرق إلى ويلات الدمار ولم يتعرض بوضوح إلى مسؤولية إسرائيل الإنسانية والقانونية عن ذلك الدمار ولم يعالج مسألة الأسرى والمختطفين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية بشكل متوازن».

عرف القطري كيف يقود صياغة تسير على جمر البنود وتقفز عن لهيبها فعاد الى معادلة تفاهم نيسان في حال الخروقات ووضع المظاهر المسلحة في الجنوب «ضمن مسؤوليات الحكومة اللبنانية». لكن الرئيس فؤاد السنيورة كان يفتش عن «عويسية» ليصادرها بعد أن يلتقط الصورة التذكارية معها ليقدمها للعالم شهادة حسن سلوك في نزع السلاح.

رئيسٌ يستغل لحظة، هكذا عبر الرئيس نبيه بري عن انزعاجه من مواقف السنيورة وشعر بمرارة تحوير كلامه، مستدركاً أن المخاطر أصبحت في مكان آخر.. فأقفل على نفسه في شبه اعتكاف.

تناوب فؤاد السنيورة وسعد الحريري على المهمة تفسها، فما يكاد رئيس الحكومة يعرب عن تخوفه حتى يباغتنا سعد الحريري بتهويل دولي «موقفكم سيعطل وقف إطلاق النار.. لن تقبل أي دولة معنا.. ماذا نكون قد فعلنا إذا أبقيتم على السلاح»؟ والى ما للتهويل من مفردات وتعبيرات

هي نصف الدنيا عند السيد حسن نصرالله، ومنه رسالة بحجم المخاطر والتحديات، مفرداتها الحرفية غير قابلة للنشر لكن بعضاً منها وصل إلى من يعنيهم الأمر «وبعد وقف إطلاق النار، فليأتِ وينزع السنيورة السلاح إذا كان قادراً كما يطرح وسنرى عندها موقف اللبنانيين، وهل سيغطون حكومته أم يسقطونها».

السبت الثاني عشر من آب 2006. وهذه تفاصيل إضافية عن هذا اليوم الطويل. اليوم المختلف عن سوابقه. يوم بدأت معه ترتسم ملامح صورة جديدة للبنان بعد إنجازات المقاومة على الأرض، ولو أن بعض الداخل أراد أن يبددها.

عدنا أنا والحاج حسين الخليل من السرايا الكبيرة، إلى عين التينة بمناخ من الصدمة، فحتى لو كانت خلفية الرئيس فؤاد السنيورة هي ما سمعناه. كان من الممكن أن يراعي الظرف واللحظة وأن يترك الأبواب مفتوحة، خصوصاً أن الجانب الإسرائيلي لم يعلق بعد على القرار ولم يعط ِ موقفه منه.

ارتحنا قليلاً حيث كان الرئيس بري في منزله واتفقت مع الحاج حسين على أن رسالة مكتوبة لن تعكس لسماحة السيد حسن حقيقة الموقف المطروح، واتفقنا على اللقاء لاحقاً للمتابعة.

شرحت للرئيس بري عند نزوله ما جرى مع الرئيس السنيورة. انزعج كثيراً في الشكل والمضمون، وتأثر من نقله كلاماً غير دقيق عن لسانه، في وقت كنا شهوداً على حماوة النقاش الذي تناول موضوع السلاح في منطقة جنوب الليطاني، وكيف أعطاه الرئيس بري مثلاً حول الطبيعة المسلحة للمستوطنين مقابل قرانا الحدودية، واعتبر في المضمون أن موقف السنيورة من موضوع السلاح هو استغلال للحظة لكي ينفذ ما طرحه وفكر فيه منذ اللحظة الأولى وسوّقه في أوساط بعض اللبنانيين والخارج بأنه الوقت المناسب لتصفية الحسابات السياسية، وإلا ما معنى هذا الإصرار والتحدي في وقت انحازت دول كثيرة في العالم إلى الموقف اللبناني وأصبحت أكثر تفهماً لخياراتنا، علماً أننا سجلنا الكثير من الإيجابيات في القرار، وما تبقى لا يحتاج سوى إلى قناعة بعض اللبنانيين عند التطبيق ليأتي منسجماً مع مصالحنا الوطنية.

وفي هذا السياق، أبلغني الرئيس بري نص الرسالة التي تلقاها من النائب الاول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وفيها تأكيد على الدور الذي لعبه الرئيس بري من أجل إقرار تعديلات أساسية على مشروع القرار 1701 والتحفظات على بعض البنود.

وفي ما يلي نص الرسالة القطرية كاملاً:

دولة الرئيس/ نبيه بري الموقر

رئيس مجلس النواب

الجمهورية اللبنانية

بـيـروت.

تحية طيبة وبعد،،

يسرني أن أرفق لدولتكم تفسير التصويت لوفد دولة قطر الذي ألقيناه في الاجتماع الرسمي لمجلس الأمن بشأن الحالة في الشرق الأوسط: لبنان وإسرائيل في نيويورك 11/أغسطس/2006م.

وحسب ما اتفق عليه بيننا هاتفياً وبعد عرضه على وفدي فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وإبلاغهم أن هذه التفسيرات جاءت بناءً على رغبتكم وأنني سوف أتلوها على أعضاء مجلس الأمن قبل التصويت على القرار الخاص بالحالة في الشرق الأوسط: لبنان وإسرائيل ومن ثم تمت تلاوة هذه التفسيرات قبل التصويت، وبعدها تم التصويت بالإيجاب على القرار المشار إليه أعلاه وكما تم الاتفاق عليه بيننا.

وتفضلوا دولتكم بقبول فائق الاحترام والتقدير،

حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني

النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء

وزير الخارجية

وفي ما يلي نص «تعليل التصويت لوفد دولة قطر» في الاجتماع الرسمي لمجلس الأمن في 11 آب 2006:

«بسم الله الرحمن الرحيم

السيد الرئيس

أود بداية أن أتوجه بالشكر إلى وفدي فرنسا والولايات المتحدة على الجهود التي بذلاها في الفترة الأخيرة للعمل على تحسين صيغة مشروع القرار المقدم من قبلهما إلى المجلس بشأن الحالة في الشرق الأوسط.

وفي الوقت الذي أشكرهما على الأخذ بعين الاعتبار بعض النقاط الهامة التي أثرناها بشأن مضمون مشروع القرار، أود تأكيد موقفنا بأنه كان من الأحرى بمجلس الأمن اعتماد قرار يقضي بوقف فوري لإطلاق النار منذ اليوم الأول لاندلاع الصراع الحالي، من أجل حقن دماء الأبرياء، ومن ثمّ تجري معالجة المسائل الأخرى بعد ذلك.

غير أن هذه القناعة لا تعني بالضرورة أننا راضون عن إصدار قرار ينقصه التوازن ويغفل العوامل الجيوسياسية والاجتماعية والتاريخية المعقدة التي تراكمت لتفرز الوضع الحالي في تلك المنطقة، حيث لم يأخذ مشروع القرار في الاعتبار بشكل كافٍ مصالح لبنان ووحدته واستقراره وسلامته الإقليمية، ولهذا فما زالت لدينا بعض الملاحظات على هذا القرار.

إذ لم يتطرق بشكل واضح وصريح إلى ويلات الدمار التي تسبب فيها العدوان الإسرائيلي على المدنيين الأبرياء والبنى التحتية اللبنانية، كما لم يتعرض بوضوح إلى مسؤولية إسرائيل الإنسانية والقانونية عن ذلك الدمار، ولم يعالج مسألة الأسرى والمعتقلين والمختطفين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية بشكل متوازن، حيث أن تبادل الأسرى والمحتجزين هو الوسيلة الواقعية والمنطقية لتسوية هذا الموضوع.

ورغم ذلك قبلنا هذا القرار بصيغته الحالية من أجل حقن دماء الأبرياء وتجنيب لبنان والمنطقة المزيد من ويلات الدمار.

إن فهمنا هو أنه بمجرد صدور هذا القرار، فهو يلزم الطرفين بوقف الأعمال العسكرية وانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان بشكل فوري، وأن أي خروقات خلال الفترة الواقعة بين وقف الأعمال القتالية وتحقيق الانسحاب والتوصل إلى وقف إطلاق النار سوف يحكمها تفاهم نيسان لعام 1996. كما أن هذا القرار يؤدي إلى فتح المطارات والموانئ اللبنانية، وعودة النازحين إلى ديارهم فور صدور هذا القرار.

كما أن فهمنا لهذا القرار هو أن التعامل مع المظاهر المسلحة في الجنوب هو من مسؤوليات الحكومة اللبنانية دون غيرها، كما أن المنطقة ما بين الخط الأزرق ونهر الليطاني تخضع لسيطرة الحكومة اللبنانية وحدها.

إننا نرحب بما تضمنه القرار من الاكتفاء بتعزيز قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) وأن ولايتها سوف تستمر في إطار الفصل السادس من الميثاق، وأن أية إشارة للقوات الدولية في مشروع القرار، وحسبما أكد لي مقدمو المشروع، تعني اليونيفيل. وبهذه المناسبة، ندعو إلى أن تقوم الدول المساهمة أو الدول التي تنوي المساهمة في قوات اليونيفيل بإرسال قواتها على وجه السرعة (…)».

نصرالله يتحفظ على بعض بنود الـ 1701

كان النائب سعد الحريري قد اتصل أكثر من مرة بالرئيس بري، في هذه الأثناء، مستغرباً مضمون النقاش الذي حصل مع الرئيس السنيورة، ومتبنياً وجهة نظره وأنه لا يمكننا أن نسجل ملاحظات على القرار، ورد الرئيس بري مكرراً أن هناك مسائل من حقنا التحفظ عليها، وذكّره بالدول التي تحفظت وأن هناك أموراً يجب الاتفاق عليها في ما بيننا، وشرح له ما نقله السنيورة بشكل غير صحيح عن لسانه، خصوصاً لجهة الخلط بين المظاهر المسلحة والمنطقة المنزوعة السلاح، ولكن مع كل هذا الشرح، لم يقتنع النائب الحريري فطلب الرئيس بري مني أن أذهب لألتقيه بعد أن اتفق معه على هذا الأمر.

كان السيد حسن نصرالله قد تحدّث عبر تلفزيون «المنار» معتبراً أن القرار 1701 غير منصف وغير عادل في تحميله المقاومة مسؤولية العدوان وعدم الإشارة إلى الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل، وأشار إلى التحفظ على بعض بنود القرار على أن يناقش في تفاصيلها بعد وقف إطلاق النار وأن مناقشتها تتم في الحكومة وعبر الحوار الوطني، لكنه قال إن انتشار الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية سيلقى منا كل التعاون والتسهيل. وكان شرح مفصل من سماحته حول النتائج المهمة التي تحققت بفضل الصمود الكبير للبنانيين بمختلف مواقعهم، وشدّد على التزام المقاومة بوقف الأعمال العسكرية فور التزام إسرائيل بذلك وأن هذا كان موقفنا منذ البداية.

الحريري: أنا قلق من كلام «السيد»

عندما وصلت إلى منزل النائب سعد الحريري في قريطم، بدأ ينقل مخاوفه من أن موقفنا الذي سمعه عن القرار الدولي سيعرقل وقف إطلاق النار وتشكيل قوات الطوارئ، حيث إنه لن تقبل أي دولة أن تشارك قواتها إذا كان هناك تشكيك وعدم التزام واضح بالقرار.

علي حسن خليل: لماذا تقارب الأمور بهذه الطريقة، المسألة لها شقان، نحن قلنا إننا سنتعاطى بكل إيجابية مع القرار ونسهل انتشار الجيش وقوات الطوارئ، والتحفظات في معظمها لن تؤثر على المشاركة لأنها تتطلب تفسيراً في الحكومة وتتعلق بمسؤولياتها وليس مع غيرها، والنقاش مع الرئيس السنيورة أنا كنت موجوداً فيه ولم يتطرق أبداً إلى عرقلة تنفيذ القرار، وكل التركيز كان على تفسير «منطقة خالية من السلاح» أو «خالية من المظاهر المسلحة».

الحريري: هذه مشكلة أساسية، ماذا نكون قد فعلنا إذا بقي السلاح في هذه المنطقة، كل الأنظار متجهة إلينا ولا أعتقد أن أحداً من الدول يقبل معنا بهذا الكلام؟

خليل: العالم قال إنها مسؤولية الدولة اللبنانية، ونحن معكم نشكل قرارها، لنتفق على ما نريد وكل العالم يقبل.

الحريري: أنا قلق وحذر بعد كلام السيد حسن عن تحفظه، وهذا سيثير حفيظة الكثير من الدول وأنا لا أعرف ماذا سيحصل، أنا متخوّف لا أفهم كيف تفكرون أن يبقى سلاح في منطقة جنوب النهر.

خليل: وما الفرق بين جنوب النهر وشماله سوى أن إسرائيل رسمت هذا الخط الوهمي.

لم يقتنع النائب الحريري وبقي على موقفه وطلب أن أشدد على ما قاله للرئيس بري.

عندما نقلت مضمون حديث الحريري للرئيس بري لدى عودتي الى عين التينة، غضب وانزعج وقال: أبلغ الحاج حسين الخليل أنه لم تعد لدي نية لكي أتابع الاتصالات، لأنني لم أعد أحتمل مثل هذا النقاش الذي يأتي خارج سياق المنطق.

اتصلت بالحاج حسين الذي وصل سريعاً إلى عين التينة. تحدث الرئيس بري بمرارة عن تحوير الرئيس السنيورة لكلامه في السرايا وعن خلفية محمد شطح وما جرى مع سعد الحريري وكيف أن المخاطر أصبحت في اتجاه آخر.

السنيورة: حتى «العويسية» سيأخذها الجيش

عقد مجلس الوزراء جلسته الاستثنائية المخصصة لبحث القرار 1701 والموقف منه، وكانت التعليمات واضحة للوزراء بتسجيل التحفظ على النقاط التي ذكرناها سابقاً، وهذا حق مارسه الذين صوتوا في مجلس الأمن فكيف بالذين يقفون تحت النار وأن هذا هو القرار النهائي حتى ولو «خربت الأمور». وقد حضر الجلسة قائد الجيش (العماد ميشال سليمان) ومدير الاستخبارات (العميد جورج خوري) ومدير قوى الأمن الداخلي (اللواء أشرف ريفي) وحصل نقاش طويل ومعقد وبرز تباين في مقاربة بنود القرار وصلت إلى حد الخلاف برغم اعتراف الذين أصروا على تبنيه بالكامل بأن هناك نقاطاً مجحفة بحق لبنان، ومع هذا كان إصرار السنيورة على رفض أي تحفظ حتى ولو تمّ القبول بالقرار.

وكان ملخص النقاش على الشكل التالي وفق ما ورد في المحضر الخاص بجلسة مجلس الوزراء:

السنيورة: علينا أن نتدارس لنعطي الجيش التعليمات الواضحة التي تمكّنه من أداء مهامه لنكون محافظين على صدقيتنا، لأننا سنكون أمام قوة «يونيفيل»، وهي لم تعد لعدّ الأهداف فقط، هي ستُحسب علينا.

محمد فنيش: لن نكون أقلّ من أمين عام الأمم المتحدة في التعبير عن زعزعة ثقة العالم في مجلس الأمن بسبب تباطئه المتعمد وصمته الطويل عن العدوان، ولن نكون أقل مما عبر عنه المندوب القطري حول القرار وأنه لم يكن متوازناً وأضيف إنه لم يكن منصفاً ولا عادلاً وفيه تبرئة لإسرائيل عن تدميرها. ويا دولة الرئيس.. مجلس الأمن رحب بالتزام الحكومة ولم يلتزم بالنقاط السبع بخصوص الانسحاب الفوري، وبالتالي الفترة الفاصلة تعطينا الحق كمقاومة أن نعمل وهذا لن نفرط فيه، وأيضاً مصير شبعا غير واضح، ما يتعلق بالسلاح هو مرتبط بالحل الدائم لموضوع مزارع شبعا وهذا ليس وارداً في القرار.

أحمد فتفت: ماذا عن السلاح في جنوبي الليطاني عند انتشار الجيش الذي قال وعلى لسان وزير الدفاع إنه لن ينتشر إذا كان هناك سلاح؟

فنيش: لا نزع سلاح، وهذا لا يقرره الجيش أو زير الدفاع، كل الحكومة مسؤولة.. هذا غير وارد.

فتفت: حتى جنوب الليطاني، هل هكذا تفكرون؟

فنيش: أكيد.

مروان حمادة: موضوع السلاح جزء من الصفقة حتى تعود إسرائيل إلى الوراء ونفتح موضوع شبعا والأسرى، القضية ليست تذاكياً على المجتمع الدولي، إذا تحفظ الشباب وسيُعرف هذا، كأننا نعطي ورقة للإسرائيليين بأن يستمروا في القصف على لبنان كله.

تدخل الوزير طراد حمادة مؤكداً ما ورد على لسان الوزير محمد فنيش ومفصلاً الملاحظات.

ثم كانت مداخلة للوزير محمد جواد خليفة عارضاً موقف الكتلة الرافض أي كلام عن نزع السلاح وتسجيل معارضة له وطالباً أن يحدد وزير الدفاع (الياس المر) رأي الجيش بهذا الخصوص.

ثم قدم الوزير ميشال فرعون مداخلة أصرّ فيها على الالتزام بما ورد في op8 وأنه لا يمكن من دونه للحكومة أن تلتزم بشيء تجاه المجتمع الدولي.

السنيورة: الآن المشكلة ليست في التحفظ أو عدمه، في النهاية المطلوب كيف ننفذ موضوع السلاح جنوب النهر، وماذا نقول للجيش بعد عملية الطبخ التي حصلت.

فنيش: نتابع عملية الطبخ مع الجيش.

السنيورة: انتبه، لا، لنكن واضحين، هذا الموضوع ليس معناه أن يبقى السلاح، هناك مبدأ أساسي قائم عليه، كله قائم على مسألة وحيدة، أن لا يكون هناك سلاح غير سلاح الجيش اللبناني، هذا هو القائم.

فنيش: السلاح الظاهر.

السنيورة: الظاهر والباطن.

وطال النقاش على المنحى والمستوى نفسه إلى أن قال السنيورة: إذا علم الجيش و«اليونيفيل» بوجود «عويسية» (سكين) سيأخذونها.

ثم حصل استطراد في النقاش إلى أن قال مروان حمادة: القوى الدولية ستسأل إذا كانت المنطقة تحتوي على سلاح فلن يكون هناك انسحاب إسرائيل.

جوزيف سركيس (وزير «القوات»): استهلّ بكلام إيجابي عن شباب المقاومة وختم أن النص واضح، ولماذا نريد أن نحرج الجيش وأنفسنا، كيف يمكن أن نسجل تحفظاً من صاحب السلاح المعني، علينا أن نسهل الأمر ونقول للجيش: هذا السلاح تسلّمه.

وكانت ردود وتوضيحات عدة وصلت في النهاية إلى صدور قرار عن مجلس الوزراء مع تسجيل التحفظات.

اتفق في نهاية الاجتماع على عقد جلسة لمجلس الوزراء غداً (الأحد 13 آب 2006) يناقش فيها مسألة دخول الجيش إلى الجنوب وانتشاره والموقف النهائي من موضوع السلاح في منطقة جنوب الليطاني، وأصرّ على انعقادها صباحاً ولكنه قبِلَ تحديدها بعد الظهر بناء على إصرار عدد من الوزراء حتى يتسنى معرفة الموقف الإسرائيلي من القرار.

كان الحاج حسين الخليل قد نقل لسماحة السيد حسن نصرالله ما سمعه من الرئيس بري بعد أن وضع الوزير محمد فنيش سماحته في أجواء مجلس الوزراء، ثم وصلت عبر الحاج حسين رسالة شفهية من السيد يعلمنا فيها أنه لن يقبل بما يطرحه الرئيس السنيورة ومساعدوه حول السلاح، مضيفاً إنه بعد وقف النار فليأتِ وينزع السلاح إذا كان قادراً كما يطرح وسنرى عندها موقف اللبنانيين أين سيكون وهل سيغطون حكومته أم يسقطونها؟

في حلقة الاثنين المقبل:

ـ بري يغيب عن السمع ولا يرد على السنيورة والحريري

ـ نصر الله يستعد لابلاغ الحكومة موقفا قويا من السلاح

ـ سوريا تتبنى موقف الحكومة من القرار 1701

ـ مآثر جديدة للمقاومة ومجازر اسرائيلية مستمرة قبل توقف القتال

—————————–

السنيورة يقود معركة دولية لنزع السلاح… وشيراك وأنان يهددان باستمرار الحرب ÷ بري: تحمّلنا الكثير ولم يعد يهمنا التهديد ÷ ميشال سليمان: سنردّ على أي خرق إسرائيلي

صفحات مجهولة من حرب تموز كما يكشفها نبيه بري ويرويها علي حسن خليل 19

أغلب الظن أنه لن يأتينا يوم ينطوي على تعاطف خصم سياسي مع عدو أساسي فتنتج المعادلة خسائر في الأرواح البشرية وخسارة كبيرة للروح السياسية تصيب شريكنا في الوطن.

ليس أصعب من أن نتلقى في اليوم الواحد نبأ الغارة على مجمع الإمام الحسن في الضاحية ثم تليها غارات سياسية متتالية تبدأ طلعاتها من هنا ولا تنتهي هناك في نيويورك، وربَّ لحظة سيتحول فيها كوفي أنان الى موظف ملحق بمجلس الوزراء اللبناني يتصل مستفسراً عن سبب تأجيل انعقاد جلسة الحكومة، لكأنه كان يستعد لتلاوة مقرراتها بنفسه من على منبر الأمم المتحدة متى تأمّن في بنودها ما يروي الغليل الدولي والرغبة المحلية.

ونقسم بالإمام الحسن وشهداء داره المغدورين على الشبهة أن حروبنا الداخلية كانت تميتنا ألف مرة قبل أن نقرر العبور الى الحياة من جديد، زينتنا سلاحنا برجال مقاومين ما زالوا على قيد القتال، لم يتركوا الساح ومن العار استعجالهم نزع السلاح؟

كان استهداف المجمع أول هدايا القرار 1701 ونية إسرائيل التزامها به لكن العدو سال لعابه على خبر ضال.. ظن أنه سيجد فيه ضالته وإذا به أمام حفنة دماء جديدة من قادة الناس العاديين احتموا بعباءة إمام مات مسموماً من أقرب الناس ولم يدركوا أن التاريخ غالباً ما يكون دائم التكرار وإن بوسائل متطورة.

هي معركة دماء وسلاح وفريق مد شبكة اتصالات مع الخارج ليأتينا بالأنباء العاجلة: كوفي أنان يقول لكم إن لبنان سيهدم على رؤوس أبنائه.. جاك شيراك يتنبأ بأن الحرب ستستمر ما لم يسلم «حزب الله» سلاحه.. قيادات 14 آذار تلتقط اللحظة الدولية لتعلن أن ساعة الحقيقة قد دقت.. لكننا أدركنا أن هذه القيادات تعمل وفق ساعة يعوزها فرق التوقيت لأن زمن ما وراء البحار ما كان زمننا يوماً ولن نسير تبعاً لعقاربه.

«لقد تحملنا الكثير ولم يعد يهمنا التهديد» عبارة للرئيس نبيه بري زامنت ما بين الاعتكاف وقرار عودة التواصل بعد أن وجد في الوطن رئيس حكومة لا يؤتمن على نقاش ويهوى التسريب العابر للاتفاقات.

صباح الأحد في 13/8/2006، عقدت الحكومة الاسرائيلية برئاسة إيهود أولمرت اجتماعاً لإبداء موقفها من القرار الدولي الرقم 1701، وعلى الضفة اللبنانية، كان الرئيس نبيه بري على موقفه بعدم تلقي أي اتصال أو القيام بمتابعة ما يجري على مستوى مجلس الوزراء ورفض الرد على اتصالات عدة من الرئيس فؤاد السنيورة والنائب سعد الحريري وغيرهما وغاب كلياً عن السمع حتى لأقرب المقربين.

عند الساعة الواحدة ظهراً، اتصل الحاج حسين الخليل ليبلغني أنهم بعد النقاش في الحزب، اتفقوا على أن ينقل الوزير محمد فنيش موقف الحزب وأمينه العام السيد حسن نصر الله إلى مجلس الوزراء الذي سينعقد بعد ظهر اليوم نفسه ويتضمن الآتي:

ـ إذا طُرح موضوع نزع سلاح المقاومة أو نقله إلى خارج حدود جنوب الليطاني فستخوض حواراً جدياً ومنفتحاً وإيجابياً، لكن إذا حصل إصرار وعدم تفهم لموقفنا فإنه سيبلغ مجلس الوزراء:

1- أن مس السلاح مرفوض من قريب أو بعيد («دونه المهج وخوض اللجج»).

2- إذا كنتم تريدون مشكلاً داخلياً فنحن لا نريده ولكن إذا أصررتم، فتحملوا المسؤولية.

3- قرارنا هو عدم وجود أي مظهر مسلح وتسهيل مهمة دخول الجيش اللبناني وانتشاره وإلى جانب قوات الطوارئ («اليونيفيل»).

بعد تبلغي هذا الموقف من الحاج حسين الخليل، واقتراب موعد انعقاد جلسة مجلس الوزراء بادرت إلى طلب التحدث مع الرئيس بري الذي كان قبيل اعتكافه، قد ابلغ عامل الاتصالات (في عين التينة) بأن يحولني إليه استثنائياً إذا طلبت وهذا ما حصل حيث نقلت له التطورات الحاصلة وموقف السيد حسن نصر الله الأخير.

كان الرئيس بري ما يزال متأثراً بأجواء اليوم السابق (السبت 12 آب) وازداد غضبه عندما عرف بإصرار الرئيس السنيورة على موقفه وطلبه عقد جلسة مجلس الوزراء اليوم من أجل استكمال نقاش موضوع السلاح وربطه بانتشار الجيش اللبناني، وبرغم ذلك، طلب مني أن أتصل بالحاج حسين الخليل لأبلغه أن موقف وزراء حركة «امل» سيكون نفسه موقف الوزير فنيش، وهذا ما أبلغته إليهم.

بعد أن أنهيت كلامي مع الرئيس بري، التقيت الحاج حسين الخليل الذي سأل مجدداً عن الرئيس بري، فأبلغته أنه ما يزال خارج السمع، لكن وزراءنا سيلتزمون موقف الوزير فنيش، وفي اللحظة التي كنا نتحدث فيها في طابق سفلي، حصلت واحدة من أعنف الغارات التي سمعناها خلال الحرب، أحسسنا بارتجاج وصدى رهيب أسكتنا عن الكلام، لنبقى في حالة ذهول ننظر إلى بعضنا البعض، لأكثر من دقيقة من دون أن يتفوّه أحدنا بكلمة، بعدها بدأنا نسأل أنفسنا ماذا حصل؟

كان من الواضح أن حجم الغارة يعني استهدافاً استثنائياً في البشر أو الحجر، كانت الاتصالات الخلوية شبه معطلة، لا قدرة على التواصل مع أحد لنعرف ماذا يمكن أن يكون قد حصل، بعدها شاهدنا على احدى القنوات خبر استهداف قيادات، تم نفيه بسرعة، استطعنا بوسيلة ما أن نتواصل، عرفنا أن مجمع الإمام الحسن في منطقة الرويس في الضاحية الجنوبية لبيروت، قد تم استهدافه وسوّي بالأرض، كانت تلك إحدى المجازر الإضافية التي دونتها إسرائيل في سجلها الذي كتبته بدم الأبرياء، وكان فشل جديد لتقدير أجهزتها الأمنية والعسكرية في أن تختم حربها باستهداف أحد قادة المقاومة.

نصر الله لبري: سأسمي الأمور بأسمائها

أكملنا جلستنا حيث كتبت رسالة السيد حسن نصر الله للرئيس بري على الشكل التالي:

«إن السيد حسن منزعج جداً بعد الذي جرى بالأمس في مجلس الوزراء وما سمعه من كلام ويقول إن كل ما صدر عنه في وسائل الإعلام خلال المرحلة الماضية كان تحت سقف الوحدة الوطنية الداخلية، ولكن الطرف الآخر قد تجاوز كل الحدود وبالتالي هو يفكر أن يطل إعلامياً ليسمي الأمور بمسمياتها وأدوار كل فريق وشخص، والأذى الذي يُحدثه في عملية التفاوض وصياغة الموقف وأن ما يلتزم به هو:

تسليم المواقع على «الخط الأرزق» للجيش اللبناني.

لن يكون السلاح ظاهراً في أي من المناطق.

أي عملية مداهمة أو تفتيش أو ملاحقة لأحد من الحزب سنرفضها بقوة ولن نسمح بها مهما سيحصل.

أنا حريص على وقف النار إذا حصل والحفاظ على صورة وسمعة الجيش اللبناني، ولكن في النهاية، نحن هُدم الكثير من مناطقنا وسقط لنا شهداء وبقيت كرامتنا، وسلاحنا وتسليمه مسّ بهذه الكرامة وهذا ما لن نقبل به. وإن هذا الموقف سيبلغه الوزير محمد فنيش في جلسة مجلس الوزراء وينسحب من الجلسة من دون أن يعلن استقالة أو تعليق المشاركة بل لعدم الشهادة على قرار يتعلق بالسلاح».

أكدت للحاج حسين الخليل أن الرئيس بري، طلب مني أن أبلغ الوزراء الحركيين الالتزام بالموقف الذي يُتخذ وهذا ما حصل، لكن مسألة الانسحاب من الجلسة أمر يحتاج إلى إعادة تدقيق وعلينا أن نحسبها جيداً وسأنقلها للرئيس بري.

عند حديثي مع الرئيس بري، كان حاسماً بضرورة التزام الوزراء جميعاً الموقف نفسه وأن أتحدث معهم سريعاً لهذه الغاية وأن ينسحبوا إذا وصلت الأمور إلى هذا الحد، وطلب أن ألاقيه فوراً في عين التينة.

السنيورة: تسليم الصواريخ من النقاط المحسومة

بعد أن شرحت للرئيس بري مباشرة تفاصيل ما حصل خلال الساعات الماضية، طلب مني الاتصال بالحاج حسين الخليل، من أجل أن يأتي بعدما أوقف اعتكافه القصير، وأجرى الرئيس بري اتصالاً بالرئيس فؤاد السنيورة وطلب منه تأجيل جلسة مجلس الوزراء من أجل المزيد من التشاور وصولاً إلى تفاهم على موقف مقبول حتى لا نصل إلى انقسام وانسحاب من الجلسة، وبالتالي سيتعمق المشكل الداخلي في هذه اللحظة الحساسة.

وافق الرئيس السنيورة على أمل معاودة التواصل بعد استكمال بعض الاتصالات المحلية، لكنه أعاد تأكيد موقفه من مسألة تسليم الصواريخ وأنها «من النقاط المحسومة» حسب رأيه وأنها لم تلق اعتراضاً منا معاً.

فقال الرئيس بري رافضاً: لا يعقل يا فؤاد أن تطرح ما تريد وتقنع نفسك أنه الصواب وتبني موقفك على أساسه، هذه ليست سياسة، وفي كل الأحوال ما دمنا اتفقنا على التأجيل نتابع البحث لاحقاً.

بعدها تسرب من القصر الحكومي أن تأجيل جلسة مجلس الوزراء أتى بطلب من الرئيس بري لأن «حزب الله» لا يريد أن يسلم سلاحه، وحصل ارتباك كبير ومداخلات من عدد من الوزراء الذين كانوا قد بدأوا بالوصول إلى السرايا، ما اضطر الرئيس بري إلى إصدار توضيح بأن هذا الأمر «لا أساس له من الصحة» ثم اتصل بالرئيس السنيورة لمعاتبته والقول له إنه كان في مقدورك أن تقول إن المجلس سيبحث موضوع عودة النازحين وإعادة الإعمار وإن هناك ملفات غير جاهزة ولكنك تريد أن تفتح عيون العالم على المشكلة.

استغل وزراء وشخصيات محسوبون على 14 آذار ما حصل ليقودوا حملة سياسية ـ إعلامية على المستوى المحلي من خلال القول إنه عندما دقت ساعة الحقيقة رفض «حزب الله» تسليم سلاحه، وعلى المستوى الخارجي تحريض مجلس الأمن وبعض الدول الأوروبية حول مخاطر القبول ببقاء السلاح بيد «حزب الله» في منطقة جنوب نهر الليطاني.

عند وصول الحاج حسين الخليل، أبلغه الرئيس بري ما حصل قبل قليل مع السنيورة وأن جلسة الحكومة تم تأجيلها، وفي هذا فوائد كثيرة وهي أننا نكون قد تأكدنا من ثبات وقف النار والتزام إسرائيل به وتصبح أمامنا فرصة للتفكير الهادئ حول مصلحتنا ومصلحة البلد، وفي الوقت نفسه أفكر في أن أتواصل مع قيادة الجيش اللبناني من أجل التدقيق في بعض التفاصيل.

قال الحاج حسين الخليل إن مدير الاستخبارات في الجيش العميد جورج خوري (سفير لبنان في الفاتيكان حاليا) التقى مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في «حزب الله» الحاج وفيق صفا بناء على طلبه وأبلغه أن قائد الجيش (العماد ميشال سليمان) يؤكد موقفه الذي أبلغه سابقاً بأنه حريص على التنسيق وعدم الاختلاف معكم.

رد الرئيس بري: أنا أفكر في أن يذهب علي خليل ليلتقي قائد الجيش ويتحدث معه حول رؤيته للقرار 1701 وتطبيقه وينقل ملاحظاتنا وموقفنا من الموضوع برمته، وبالفعل اتصل الرئيس بري بالعماد سليمان وتوجهت فوراً إلى مقر قيادة الجيش في اليرزة.

ميشال سليمان: سنحافظ على إنجازات المقاومة

أخذت طريق فرن الشباك باتجاه غاليري سمعان صعودا، وما إن تجاوزت التقاطع باتجاه الحازمية بأقل من مئــتي متر حتى أطلقت طائرة من دون طيار صاروخاً وقع على المثلث تماماً، ما جعل مرافقي يقود بأقصى سرعة للوصول إلى مكتب قائد الجيش على بعد مئات الأمتار.

جلسنا في مكتبه ذي الزجاج الغربي الكبير الذي يجعل منظر الضاحية أمامك منبسطاً بكل تفاصيله، وما إن جلسنا لنبدأ الحديث وسط خرائط عدة وأوراق متفرقة يعمل عليها حتى وقعت سلسلة من الغارات المتتالية التي أحسسنا أنها في محاذاتنا وتصاعد دخان كثيف وأدخلنا هذا في الحديث المباشر عما يجب علينا فعله وبسرعة.

نقلت له رسالة الرئيس بري بأننا حريصون على وقف إطلاق النار وعدم إطلاق أي صاروخ والانتقال إلى مرحلة جديدة، وأن الحزب مستعد لتسليم الجيش المواقع الحدودية وأن مسؤولية الجيش منع المظاهر المسلحة بالكامل، ولكن لا يمكن الحديث بأي شكل عن نزع سلاح الحزب أو القيام بمداهمات لهذه الغاية.

ميشال سليمان: أنا طلبت من مجلس الوزراء بموجب رسالة خطية أن أعرف حدود مهمتي، وأن المشكلة هي في أن تعرف قوات الطوارئ بمخازن أسلحة وتطلب من الجيش المصادرة والمداهمة، وهم بالتأكيد لديهم علاقات مع اللبنانيين وسيعرفون الكثير، وما يُطرح أيضاً هو التنسيق في كيفية نقل السلاح إلى خارج المنطقة وإيجاد آلية تنسيق وضمانات من الأمم المتحدة حتى لا تقصف إسرائيل هذا السلاح لأنها تراقب المنطقة على مدار الساعة، وأريد أن أعمل ليخرج بشكل مشرّف من دون أن يمس بمعنويات المقاومين، وأنا في كل الأحوال، أبلغت مجلس الوزراء أني سأرد على أي خرق إسرائيلي مهما كان وبالسلاح المتوافر لدي لأنني أعتبر نفسي مسؤولاً ولهذا لا أستطيع أن أتحمل أي ميوعة في القرار، وسأسمي عملية دخول الجيش «الإرادة الوطنية الجامعة» ولقد بدأت التحضير لإصدار «أمر اليوم» وفيه تحية إلى دماء الجيش اللبناني والمقاومة والشعب الصامد، وسأعمل نصباً تذكارياً في أكثر من موقع تكريماً للمقاومة. أنت تعرف أن هناك الكثير في الحكومة يقولون إننا لا ننفذ أمرها وندعم المقاومة وهناك حوادث كثيرة حصلت خلال الحرب تؤكد دعمنا ولهذا ضربت إسرائيل مواقع الجيش، إن الجيش في صلب مهامه الحفاظ على مكتسبات المقاومة وإنجازاتها ولهذا عليكم أن تسهّلوا دوري لأني «لا أقبل أن أفرط بمصداقيتي وأذهب للبيت أفضل».

عند عودتي إلى عين التينة أبلغت الرئيس بري بما حصل مع قائد الجيش ونقل لي أنه بوجود ناشر «السفير» الأستاذ طلال سلمان، اتصل الرئيس السنيورة ليبلغه أن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان اتصل به مستفسراً عن تأجيل جلسة مجلس الوزراء، فكان رده أن هذا حصل بناء على طلب الرئيس بري وأن أنان أجابه بأن قوات الطوارئ لن تأتي إذا لم يسلم الحزب سلاحه وبالتالي فإن الحرب ستستمر ولبنان سيهدم على رؤوس أبنائه وأنه سيتصل بالرئيسين السوري بشار الأسد والإيراني محمود أحمدي نجاد لإبلاغهما بهذا الأمر.

بعدها اتصل النائب سعد الحريري للمرة الثانية بعدما كان قد طرح أن يُنقل السلاح المخبّأ في المستودعات إلى خارج منطقة الليطاني بعد أن تنسحب إسرائيل ويدخل الجيش وقوات «اليونيفيل»، وأبلغ الحريري الرئيس بري أنه تحدث مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي نقل إليه ما يشبه حديث الرئيس السنيورة لجهة استمرار الحرب والتدمير إذا لم يسلم الحزب سلاحه وأن شيراك طلب منه أن يبلغ الرئيس بري شخصياً بهذا الأمر.

كان رد الرئيس بري: لقد تحملنا الكثير ولم يعد يهمنا التهديد، والمطلوب أن نصبر ونصمد في موقفنا الداخلي الموحد ولن يستطيع أحد أن يحقق ما لم تستطع إسرائيل أن تحققه خلال كل الحرب.

في حلقة يوم الأربعاء المقبل:

ـ 14 آب 2006 يوم تاريخي كبير

القتال العسكري يتوقف والنازحون يعودون

ـ بري يحيي المقاومة ونصر الله يطلق إشارة الإعمار

—————————–

الجنوبيون يزحفون إلى قراهم المدمرة.. والجيش للمرة الأولى على طول الحدود الجنوبية سقوط اقتراح جنبلاط بعقد لقاء رباعـي يضمـه وبـري ونصـر اللـه والحريـري

صفحات مجهولة من حرب تموز كما يكشفها نبيه بري ويرويها علي حسن خليل 20

هو يوم الرحيل إلى القرى، اشتاقت وجوه العائدين إلى مرايا الماء.. وأعلن القمح صعود الخبز. نذكر حينها أن الشمس انتظرت ذوبان قرص القمر لا بل تحرشت به واحتلت ضوءه وكادت تشرق قبل موعدها لتعلن للناس مسيرة الرجوع.

تواطؤ بين خيوط الليل والرئيس نبيه بري ضبطته آخر ساعات الثالث عشر من آب، عندما حرّض الرئيس النازحين على الهجرة المعاكسة وحثّهم على التسرب من مدارس الصيف وأماكن الحاضنين وسلوك خط العودة ولو على أنقاض المنازل.

الثامنة صباحاً موعد سريان وقف النار لكن إسرائيل استنفدت كل نارها وسابقت الزمن لقطف آخر الحقد الذي توزع بقاعاً وعمق جبل.

تحركوا كالريح.. وبهم شوق إلى مصطبات البيوت وأكواز الرمان المنسية والزيتون الحامل إرث جبل عامل، تدافعوا جنوباً جنوباً لتفقد ورق التبغ وقد غدرهم موسم «شك الدخان»، أما «الضاحيون»، فساروا إلى منازل ما عادت معالمها واضحة، لكنهم افترشوا دمارها والتحفوا العراء واعدين موعودين بيوم شموس يخلق من الضاحية أربعين.

كملح الأرض كانوا في مسيرة عودة لم تنتظر الضمانات وكان ممكنا لعودتهم أن تتحول إلى مأساة، غير أنهم تجاوزوا التردد وحقول الألغام ووثقوا برئيس لن يغامر بهم بل أرادهم أول من يتسلم الأمانة متشبثين به، لأن أجمل ما في الأرض.. أن يكونوا عليها.

من ذاك المشهد، استنبط الرئيس بري معادلته الذائعة الصيت: الجيش والشعب والمقاومة والتي دخلت لاحقاً كتب البيانات الوزارية ووقفت كحبة دستور بين المواثيق والأعراف المحلية.

كان الرابع عشر من آب 2006، يوماً انتقالياً تبدلت فيه مسيرة أيام مرت تحت ضغط العدوان والتفاوض، وبدأت اتصالات من نوع آخر سيطول الحديث عنها في أيام لاحقة.. وكتابتها ستأتي في سياق آخر للشهادة على ما يمكن أن نواجهه من تحديات تركت أثراً على مجمل الوضع السياسي الداخلي في لبنان، وفتحت آفاقاً جديدة رأينا من خلالها كم هو صعب أن تحاول كسر قواعد اللعبة المرسومة وترفض الهزيمة كقدر مكتوب، وأن عليك أن تكيف نفسك مع الوقائع المفروضة لا أن تحاول صناعة المشهد كما يجب أن يكون عليه.

على الرغم من المناخ المرتبك داخلياً حول التعاطي مع المرحلة المقبلة، كنا قد بدأنا نعيش أجواء التحضير لمرحلة وقف إطلاق النار عند الثامنة من صباح الاثنين في الرابع عشر من آب، وهذا بحد ذاته سيفتح الباب أمام خلق وقائع جديدة شعبياً وسياسياً ستبدل في مواقف الكثيرين كما قال الرئيس نبيه بري، مشيراً إلى أهمية الارتكاز على تفاهم نيسان في ما يتعلق بالفترة الفاصلة، وأن هذا يُبقي الحق للمقاومة في الرد على أي عدوان أو استمرار الاحتلال.

كما تابعنا وصول التعميم الصادر عن قيادة حركة «أمل» بتحضير كل الأجواء لأوسع حملة لعودة النازحين إلى مناطق التهجير فور دخول وقف النار حيز التنفيذ، ومن دون إعطاء أي فرصة لأن هذا سيكون أقوى رد على المترددين والمشككين في حقيقة الانتصار.

وقبل أن ينتهي اليوم وبعكس ما أشيع عن رفض الدول المشاركة في قوات الطوارئ الدولية، كان الكثيرون ممن جرى الاتصال بهم قد أكدوا مشاركتهم في عمل هذه القوات من دون شروط مسبقة أو تفسيرات وفق ما يرغب بعض اللبنانيين.

في هذا الوقت، استمرت إسرائيل في الانتقام وشنت غارات استنفدتها حتى اللحظة الأخيرة موقعة المزيد من الشهداء، وكان ختامها قبيل ساعتين من توقف القتال، ارتكاب مجزرتين في بلدتي الجمالية وبريتال البقاعيتين سقط بنتيجتهما 13 شهيدا، وفي الوقت نفسه، بقيت صواريخ المقاومة تسقط على مختلف المناطق الإسرائيلية في رسالة تحد وإثبات وجود وقوة ظهرت بصورة أوضح مع ازدياد عدد الدبابات المدمرة في سهل الخيام لتنضم إلى مثيلات أُحرقت قبلاً وجاءت إسرائيل لسحبها.

صباح الاثنين 14 آب كان يوماً استثنائياً أكد فيه الشعب اللبناني عموما والجنوبي خصوصا قدرته على الحياة والخروج من المحن أقوى وأكثر صلابة وإيماناً، وأنه يعرف قيمة الانتصار ولو كان الثمن غالياً، لهذا كانت مشاهد عودة عشرات الآلاف بعد لحظات من دخول وقف إطلاق النار وسلوكهم كل الطرق باتجاه الجنوب والضاحية ومناطق البقاع التي غادروها باتجاه سوريا.

هذا في مقابل أن إسرائيل لم تفوت لحظة واحدة قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ حيث استمرت في القصف لتصل بصواريخها إلى منطقة كيفون في الجبل قبل دقائق من بلوغنا الساعة الثامنة.

هو يوم يطول الحديث السياسي فيه وعنه لأنه كان فاتحة مرحلة طويلة من اللقاءات والنقاشات الدبلوماسية والسياسية التي طالت قبل أن تنتهي بفك الحصار وعودة الحياة الطبيعية وبداية تشكيل مشهد جديد في الحياة السياسية اللبنانية أصبح فيه الفرز بين القوى أوضح ومعاييره مختلفة عما سبق.

بداية هذا اليوم حملت نداء من الرئيس نبيه بري وجّهه إلى اللبنانيين وفيه شكر لكل الشعب اللبناني على وقوفه في وجه المجازر والأطماع الإسرائيلية منذ وجود الكيان، وعلى احتضانه للأهل الذين تهجروا. وتوجه إلى كل هؤلاء طالباً العودة إلى ديارنا، عزتنا، نبع المقاومة ونهر التصدي، وأن من وجد منزله عاد إليه ومن لم يجده فليتشبث في أرضه بكل الطرق حتى نتمكن من إعادة إعماره.

وأرسى بري مثلثه الذهبي يومها عندما قال إن علينا مؤازرة الجيش و«اليونيفيل» لنقف صفاً واحداً مع المقاومة والشعب، وأصر بري على دعوته تلك على الرغم من أن البعض حاول التحذير من مخاطر العودة السريعة نتيجة وجود ألغام وقذائف لم تنفجر، لكن المسألة كانت تحتاج إلى تضحية حتى لا تجهض لحظة الانتصار من خلال التردد.

في اليوم نفسه أيضاً، توجه سماحة السيد حسن نصر الله برسالته إلى اللبنانيين، وفيها أننا أمام نصر استراتيجي وتاريخي للبنان، كل لبنان، وتوجه بالشكر لهم جميعاً ملتزماً تقديم كل المساعدة للمباشرة سريعاً بالترميم والعودة إلى السكن، وقال إنه لن ينتظر آليات الحكومة المعتمدة عارضاً برنامجا متكاملا في هذا المجال يعالج إيواء العائلات والمباشرة بإعادة البناء.

وتناول السيد نصر الله موضوع سلاح المقاومة، وقال إنه أثناء خوض الحرب كان هناك نقاش حول صورة الوضع في الجنوب وجنوب الليطاني تحديداً وحول دور المقاومة وعلاقتها بالجيش و«اليونيفيل» وموقعها المستقبلي وسلاحها وكيف ستتصرف، وكانت النقاشات جدية وتدار بواسطة أخينا الأكبر الرئيس نبيه بري الذي يشكل ضمانة وطنية كبيرة، وأنا أتمنى على كل الذين فتحوا هذا الملف أن يصغوا إليه ويستمعوا إلى صوته ويقفوا عند كلمته في معالجة هذا الأمر الحساس والخطير والمصيري.

جنبلاط يقترح اجتماعاً رباعياً.. وبري يرفض

بعد أن تابعنا بالتفصيل بداية وصول الناس إلى القرى والبلدات والمشاهد الإنسانية المميزة التي رافقت ذلك وكانت تسجلها كاميرات التلفزيون مباشرة، عاد الرئيس بري ليطرح السؤال عن المخارج من النقاش الذي فتح في مجلس الوزراء حول انتشار الجيش في الجنوب وما هي علاقة مجلس الوزراء بموضوع السلاح ومستقبله وهو نقطة على جدول أعمال طاولة الحوار، ليعيد تبويب وجهة نظره للتعاطي وفق الآتي:

1ـ سحب الموضوع من مجلس الوزراء.

2ـ انتشار الجيش وقوات الطوارئ ومصادرته للسلاح الظاهر أينما يجده.

3ـ بعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى خلف «الخط الأزرق»، يعاد تموضع سلاح المقاومة بما لا يتعارض مع القرار 1701 وفق تفسيرنا مع الرئيس فؤاد السنيورة وضمن تفاهم بين الجيش والمقاومة حتى ولو كان شفهياً.

بعدها استقبل الرئيس بري الوزير غازي العريضي موفداً من الوزير وليد جنبلاط ليقدم شرحاً من وجهة نظره لما حصل في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، ملقياً المسؤولية على الطرفين وعارضاً للتردد الذي كان حاصلاً تجاه ما يجب فعله بعد صدور القرار من المعنيين مباشرة، لا سيما في وزارة الدفاع.

طرح الرئيس بري فكرته بأن يُسحب النقاش من مجلس الوزراء حول انتشار الجيش وطلب منه أن يطرح الأمر على جنبلاط والسنيورة، على أن يتابع الرئيس بري جهده ليرى ما يمكن أن يحصل في الساعات المقبلة.

التقينا عند الساعة 7:15 الحاج حسين الخليل الذي نقل أن السيد حسن نصر الله مرتاح جداً إلى مشهد اليوم وعودة الناس وكيفية تعاطيهم مع المجاهدين، وقال له إن الجميع سيعودون إليك يا دولة الرئيس ليقبلوا اقتراحك غياب المظاهر المسلحة فقط.

وأخبرنا الحاج حسين أن العقيد وسام الحسن اتصل بالحاج وفيق صفا وأبلغه عن لسان النائب سعد الحريري أن الجو سيئ جداً في الخارج وأنه تحدث مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي تفهم خصوصية المرحلة، لا سيما أن الحزب خارج من معركة قوية وبالتالي هناك إمكانية لمعالجة موضوع السلاح، واعداً ببحث هذا الأمر مع الرئيس السنيورة وإقناعه.

رد الرئيس بري أنه إذا كان هذا موقف الحريري فأنا أتحدث مع السنيورة، وكنت قد أبلغت العريضي اقتراحي بسحب موضوع السلاح من مجلس الوزراء وتكليف الجيش اللبناني معالجة الأمر وترك المسألة له وأن العريضي طرح اجتماعاً مشتركاً بين السيد حسن نصر الله وسعد الحريري ووليد جنبلاط وبيني ولكني رفضت الأمر بسبب وضع السيد حسن الذي إذا قبل الآن فأنا لا أقبل به.

عاد الحاج حسين واتصل بالحاج وفيق صفا ليلخص ما توصل إليه مع وسام الحسن، وأن السيد نصر الله طلب إبلاغه أن الجواب عند الرئيس بري حول صيغة الحل.

السنيورة مجددا يسأل: ماذا عن السلاح؟

طلب الرئيس بري مني أن أذهب لألتقي النائب الحريري الذي تحدث معي إيجابيا عن أن الجو الدولي أصبح أفضل وأنه مستعد للسير بصيغة لا مظاهر عسكرية ولا مداهمات، على أن يصدر مجلس الوزراء قراراً عاماً بتكليف الجيش المهام في المنطقة، ولكن هذه الأمور تحتاج إلى نقاش مع السنيورة واني أمشي في أي صيغة يتفاهم فيها مع «حزب الله».

عدت من قريطم، إلى عين التينة حيث كان الرئيس بري مجتمعاً مع الرئيس السنيورة ود. محمد شطح ويعرض له ما نُقل عن لسان النائب الحريري، وسألني الرئيس بري عما حصل فشرحت له، وأضاف الرئيس بري أن معلوماته أن الإسرائيليين سينسحبون بالكامل يوم الأربعاء (16 آب) وأنه يمكن أن تنتشر قوات الطوارئ الموجودة على «الخط الأزرق» والجيش ينتشر يوم الخميس (17 آب).

بادر السنيورة منفعلاً: أنا لا علم لي بكل هذا الكلام، والسؤال هو هل سيبقى هناك سلاح في المنطقة؟

بري: ببساطة إذا مر أحدهم اليوم في بيروت ومعه سلاح وأوقفه الجيش يحال إلى المحكمة العسكرية وكذلك إذا حصل مشكل وإطلاق نار، وهذا الأمر تماماً يطبق في الجنوب، وأنا لا أرى ضرورة أن يناقش هذا الأمر في مجلس الوزراء، يناقشه الجيش مع المقاومة، وأيضاً لا مصلحة في تأجيل الجلسة ويمكن أن نقول إنه طرأت علينا مسألة تسهيل عودة النازحين وتأمين خدماتهم وعملنا عليها.

السنيورة: هذا ليس كافياً، اليوم استدعيت سفراء الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن الدولي من أجل الحصار والمرافئ وكنت قد تحدثت مع الرئيس الأميركي جورج بوش ووزيرة الخارجية كوندليسا رايس بهذا الخصوص، اليوم السفراء قالوا نعم، لكن عليكم واجبات ضبط الحدود وهذا التزام يجب أن يكون واضحاً لكم، ولهذا أنا أحضرت وزراء الدفاع والداخلية والأجهزة لمناقشة الأمر.

بري: لنعد إلى موضوعنا، ما هي مشكلة التفاهم التي طُرحت حول السلاح؟

السنيورة: 1ـ لا يمكن أن يكون هناك أي مكان محظور على دخول الجيش اللبناني، لو كان بيتي هناك يمكن أن يفتشه. وأقبل.

2 ـ لا وجود للقواعد، لا مظاهر مسلحة.

3 ـ اذا أتت وشاية بوجود أسلحة يحق للجيش أن يداهم.

4ـ وجود أي سلاح هو غير شرعي ويجب مصادرته.

تدخّل شطح ليقول: علينا أن نعرف أن هناك مراقبة من الجو من أجل معرفة ماذا يحصل بالصواريخ، والأهم أنه إذا وصلنا إلى انتشار للجيش والطوارئ وما زلنا في حالة عداء والسلاح موجود وهو غير معترف به فإذا حصل أي مشكل فسنصبح نحن مسؤولين عنه.

بري: إذا حصلت مشكلة واعتدى الإسرائيلي، فكلنا معنيون بالمواجهة، لن أستحي بالسلاح، لكن أنا أعرف أنه نحن لن نخرق إلا إذا اعتدى الإسرائيلي.

شطح: ومن يضمن أنه لا عمليات على الحدود أو «الخط الأزرق».

بري: أساساً ما كان مطروحاً هو من أجل الأسرى، أنا أقول إن مسؤولية «الخط الأزرق» هي في عهدة الجيش اللبناني بالكامل.

وبعدما حاول شطح النقاش في التفاصيل حول هذه المسألة، قال الرئيس السنيورة: يمكن أن نعد ورقة ونرسلها إليك لاحقاً حول رأينا بهذا الخصوص.

الجيش اللبناني للمرة الأولى الى «الخط الأزرق»

في الأيام اللاحقة، كانت لقاءات للرئيس بري مع وزراء خارجية وسفراء ورؤساء حكومات وشخصيات عربية ودولية، بدأت مع وزير خارجية إيطاليا ماسيمو داليما الذي وصل مباشرة إلى الضاحية الجنوبية في زيارة لها دلالات كبيرة كون بلاده ستشارك في أكبر عدد ضمن قوات الطوارئ الدولية، إلى عبد الله غول وزير الخارجية التركي يومها الذي استفسر عن أي تحفظ على مشاركة بلاده، فمازحه الرئيس نبيه بري ان «كل اللبنانيين عليّ وبيبقى عليك الأرمن»، إلى وزير خارجية فرنسا دوست بلازي الذي كان يدقق في خطاب الرئيس بشار الأسد حول لبنان وانعكاسه على الوضع متطرقاً إلى دور إيران إذا ازداد الضغط عليها في العقوبات، ورد الرئيس بري أن لإيران أذرعاً كثيرة ولا تحتاج إلى ذراع لبنان لتضغط سياسياً.

هي أيام شهدت التخبط الإسرائيلي بعد مظاهر الخيبة التي سادت على المستويات السياسية والعسكرية بعد نتائج الحرب وعدم تحقيق أي من أهدافها وبقاء المراهنة على بعض تفاصيل في القرار 1701 للتعويض مقابل تصاعد المطالبة الاسرائيلية الداخلية بلجان تحقيق مع القيادات المختلفة، في وقت بدأت عمليات الانسحاب المفروضة بحكم وقائع الميدان تتسارع مقابل تحضيرات الجيش اللبناني للانتشار في المنطقة (جنوب الليطاني).

عقد مجلس الوزراء جلسته التي تأجلت يوم الأربعاء عند الساعة الخامسة والنصف وحضرها قائد الجيش العماد ميشال سليمان ومدير الاستخبارات العميد جورج خوري الذي التقى قبلها الرئيس بري، واتفقنا معه على اللمسات الأخيرة لقرار الانتشار والاستناد إلى قانون الدفاع في توصيف طبيعة المنطقة.

وصدر عن مجلس الوزراء قرار قضى بانتشار الجيش للمرة الأولى منذ عقود طويلة في كامل المنطقة حتى «الخط الأزرق» في ظل إجماع وطني وتأكيد على تسهيل مهمته ودوره بعد أن سُحب النقاش السياسي من المجلس حول مستقبل سلاح المقاومة، وبقي الأمر من خلال التنسيق مع الجيش وفي إطار القوانين المعمول بها في باقي المناطق اللبنانية.

فيلتمان يلوح بحصار بحري وجوي

في صبيحة اليوم التالي كان كل الجنوب في عرس يستقبل جيشه بالاحتفالات التي امتدت من صيدا حتى كل المناطق على الشريط الحدودي مترافقة مع التحضيرات الدولية لتشكيل القوة الإضافية المشاركة في «اليونيفيل»، وكان هذا يحصل مع اتضاح صورة البطولات التي قام بها المقاومون في مختلف مناطق المواجهة والروايات العديدة التي تصلح لتكون دروساً في حروب المقاومة من جهة وفي تجارب الصمود لشعب استثنائي من جهة أخرى.

في المقابل، بدأت تظهر صورة مختلفة في المشهد السياسي اللبناني مع تصاعد الخطابات التي طرحت قضايا خلافية وبدت كأنها عملية تصفية حسابات ترتبط بتموضع وموقع كل طرف في المعادلة الداخلية والإقليمية، لا سيما بعدما ظهرت للجميع أهمية الانتصار الذي تحقق وأثره على المستوى العربي والدولي والارتدادات التي تركها على الواقع الوجودي لإسرائيل.

تسارعت الأحداث في الأيام اللاحقة، كانت إسرائيل تسرّع انسحابها، وقوافل الشهداء إلى مثواها الأخير في مسيرات تشييع بعشرات الآلاف تؤكد على الصمود والوفاء للشهداء، والجيش يصل للمرة الأولى إلى شبعا وكفرشوبا ومناطق العرقوب.

يدخل السفير الأميركي في بيروت جيفري فيلتمان مجدداً على الخط لينقل إلى الرئيس بري يوم الجمعة في 18/8 أن هناك تهريباً للأسلحة من سوريا، ما يشكل خرقاً كبيراً للقرار 1701، وأن إسرائيل ترصد هذه العملية وعدم قصفها للقوافل هو بطلب من أميركا، وأبلغنا بوجود إصرار على عدم فتح المطار والمرفأ، وكان هذا إيذاناً بأننا دخلنا فصلاً جديداً لمواجهة من نوع آخر عنوانها العمل من أجل فك الحصار.

في حلقة السبت المقبل:

ـ اكتمال عودة النازحين وانتشار الجيش

ـ إسرائيل تشدد حصارها البحري والجوي واعتصام نيابي مفتوح في ساحة النجمة

—————————–

بري يقنع السنيورة بزيارة الضاحية… ويبلغ كوفي أنان قرار الأسد إقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان أمير قطر في بيروت يخاطب حمد بن جاسم: لأنك تتعاطى براحة مع الإسرائيلي.. اطرح فكرة التسوية!

صفحات مجهولة من حرب تموز كما يكشفها نبيه بري ويرويها علي حسن خليل الحلقة الأخيرة

يا أهل النصر، لقد أصبح جرحكم يقطر ورداً، الغيم فوق أكتاف العائدين والرماد تحت أقدامهم، وكم هو طيب شلال الناس الذي حوّل الحرب إلى ملتقى حب، فالمطارح ما عادت هي هي، لكن شاغليها وضّبوا لها سريعاً ملف ذكرى، عمره لا يتجاوز شهرا بكثير وراحوا ينقبون بين البيوت المدمرة عن أقاصيص طرية.. ومقتنيات محطمة.. بالأمس كانت هنا.. يملكون الدنيا لدى عثورهم على صورة للعائلة.. على مكاتيب محترقة، أو على لعبة طفل عاشت بين الدمار تدمع لغياب من كان يلهو بها.

كرنفال رجوع شارك فيه صغير وأمير، ومن فرط ميلنا الى تقاسم طعم النصر، دعونا الى عصرنا الجديد من غامر بنا وتوقع لنا مصيراً من رماد.

لم نكن على مستوى تصفية الحسابات السياسية وسقطنا في لعبة الاحتكار وبالغنا في صناعة أبطال من ورق، لكن العتب كان مرفوعاً والدين السياسي ليس ممنوعاً وكلنا شركاء اللحظة لأن لنا عدواً واحداً ما يزال مفتوح الجبهة، يحاصر سماءنا وبحرنا ويطوق برنا.

آب النصر لم يتسع لنا وتحركت الريح داخل الروح لتشير للآخرين كي يلحقوا بنا الى حيث الدم لا يصبح ماء، والتراب يمجد من صاروا تحت التراب، والشاهق من البناء يمد يد العون لجاره المدمر، تلك كانت رؤيتنا للحجر فكيف للبشر ممن هم أصحاب شأن ومنصب، والذين اعتقدنا أنهم كانوا في لحظة تخلٍ غررت بتقديراتهم السياسية، ووصية الله اليوم علينا وصل الأرحام.

ومن حبل السرة، سيقرع الغياب باب الحضور، فقد تعب الشوق من الانتظار، وسلة التين والعنب تنشد تحريرها من اليباس وقد تمردت على الأفواه واعتصمت تترقب لقاء من وضّبها بمن لم يتذوق حلوها بعد.

وحاصداً غلة النصر، مكتسياً جديد العصور، يحمل بيمناه تاريخاً من شهر وبيسراه شوق العمر، مضى أمين السياسات التفاوضية للقاء السيد الأمين.

لم نتخيل بل رأينا. لم نتذكر بل ما تزال اللحظة نابضة. فقدت العيون ميزة الرمش وظلت محدقة تستحرم الومضة لأن حرارة التلاقي قتلت اليابس وغزلت الأخضر.

لقاء السيد ـ الرئيس جاء موشحاً متفتحاً مضيئاً كشمع في دير، تسكنه حرارة الارض وقد وزع فائضاً على موج البحر. سلام هو مصافحة أو عناق بل وكأننا أمام غيمة حبست مطرها في انتظار البرق.

لا أذكر أني عاينت مشهداً مماثلاً وثّق لإعلان موسم الحصاد المقاوم وارتفعت معه سنابل القمح ممتنة لقتل عصر الجفاف.

شكلت تلك اللحظة ورقة من أوراق صفحات لم تعد مجهولة، لم تكتب إلا لدرء خطر التأويل ولم تكن عبارة عن مواقف سياسية استهوينا تسجيلها.

سنضع اليوم نقطة على سطر تلك الصفحات مع احتفاظنا بكلمات ظلت بين السطور، لكن تاريخاً ورقياً جديداً سيعيد إيقاظها من دفاتر الايام.

أصبح لليوميات بعد الآن سياق آخر نتجاوزه لنطل على المشهد بشكل عام وتطوره بعدما تداخلت أحداث كثيرة، الثابت فيها أننا دخلنا المواجهة السياسية الجديدة، وكانت عشرات اللقاءات الداخلية مع رئيس الحكومة فؤاد السنيورة والنائبين سعد الحريري ووليد جنبلاط وقوى عدة في 14 آذار، أخذت النقاشات فيها أبعاداً كثيرة لكل منها محضر خاص لتاريخ آخر. ولكن الهاجس عندنا بقي كيفية المحافظة على مشهد الوحدة الوطنية ومنعه من الاختلال، وأن لا نسمح لعدونا أن يحول هزيمته بإرادتنا كلبنانيين إلى نصر.

لهذا سنرى الرئيس نبيه بري في محطات كثيرة يصر على التواصل والمشاركة وتخفيف الهواجس والتركيز على العوامل المشتركة، فالمعركة مع العدو الاسرائيلي ما زالت مفتوحة، وهو عدو كاف لكي نتوحد من أجله كما يردد دوماً.

كان لقاء الرئيس بري مع قائد الجيش العماد ميشال سليمان الذي عبّر عن حماسة واندفاع في إتمام مهمة الانتشار جنوباً، وبرؤية مطمئنة جعلت الرئيس بري يتعاهد معه على التعاون إلى أقصى حد، وكان حاسماً في الرد على من يحاولون استغلال الانتشار العسكري لحسابات داخلية.

جرى تواصل بين الرئيس بري والرئيس السنيورة، بهدف تشجيع الثاني تحت عنوان المصلحة العامة لكي يزور الضاحية الجنوبية برفقته وهو يعرف تماماً مشاعر الناس هناك، لكن المصلحة الوطنية دفعت لأمر أشبه ما يكون بمغامرة لم تخلُ من بعض المناكفات التي واجهها الرئيس بري بحزم لاقى تجاوباً حتى من الذين يعتبرون أنفسهم مصابين بسياسة السنيورة في تلك الأيام.

وبعدها كانت الزيارة الخاصة لأمير قطر التي رتبت على أساس أن يلتقي الرؤساء الثلاثة كلا على حدة، ولكن الرئيس بري أصر على أن يكون هناك لقاء موحد يبدأ بالاستقبال في المطار مروراً باللقاء في القصر الجمهوري ثم زيارة الضاحية وهذا ما حصل، وخلالها نقل الأمير دعوة إلى الرئيس السنيورة لزيارة سوريا فوعد بتلبيتها، علماً أن الرئيس بري نقل إليه الدعوة نفسها في وقت سابق ولم يبادلها بإيجابية لأن الزمن كان يومها زمن القرار 1680.

في السيارة التي أقلت أمير قطر والرؤساء الثلاثة، وكان برفقتهم أيضاً وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم، حصل نقاش حول فرصة فتح ملف أزمة الشرق الأوسط وإمكان إجراء تسوية شاملة، فقال الشيخ حمد بن خليفة إنه يمكن البحث مع إسرائيل في الأمر وأضاف إن اللبناني الذي يبحث هذا الأمر يكون خائناً، والتفت إلى حمد بن جاسم وقال: يعرفون أنك المؤهل «لأنك تتعاطى براحة مع إسرائيل».. وأنك الوسيط الأفضل.

نقل حمد بن جاسم جانباً للرئيس بري أن هناك حاجة جدية لكي يبقى موقف الحكومة اللبنانية موحداً لأن هناك محاولة لاستصدار قرار جديد يتعلق بنزع سلاح «حزب الله»، كما فتح موضوع مشاركة قطر بمئتي جندي في قوات «اليونيفيل».

توالت الأيام ومعها عشرات اللقاءات والاتصالات ومنها أول لقاء مطول بين الرئيس بري والنائب سعد الحريري بحضور مستشاره هاني حمود وبحضوري وحصل فيه نقاش حول المرحلة الماضية وآفاق المستقبل وإمكانيات التعاون، وقد حاول الرئيس بري أن يؤسس لصيغة نتجاوز فيها ما حصل خلال الحرب لكن الأمور بقيت في حدود التمنيات ولم تترجم في الأيام المقبلة إلى مشاريع عمل وتعاون.

كوفي أنان في بيروت

«والسيد» مستعد للاجتماع به.. ولكن

في هذا الوقت اتضحت صورة الموقف الأوروبي وحماسته للمشاركة في قوات «اليونيفيل»، وقد أكد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان الذي يستعد للمجيء إلى المنطقة أنها غير معنية بموضوع نزع سلاح «حزب الله» ولا بالانتشار على الحدود اللبنانية ـ السورية إلا إذا طلبت الحكومة اللبنانية ذلك.

كانت إسرائيل تشدد حصارها على المرافئ اللبنانية لتصبح هذه القضية محور التحركات والمواقف الداخلية والخارجية.

وقبل وصول أنان إلى بيروت، تحدث السيد حسن نصر الله في 27 آب إلى تلفزيون «الجديد» وقال لسنا متوجهين إلى جولة ثانية في الحرب برغم التهويل الإسرائيلي وإننا اتخذنا قراراً بضبط النفس وعدم السماح للإسرائيلي باستدراجنا وسنساند الجيش اللبناني ونساعده على القيام بمهامه ولن نقوم بأي شيء يؤدي إلى إحراجه ولا إشكال لنا مع «اليونيفيل» ومهمتها، وأكد أن لا مشكلة لديه في لقاء كوفي أنان سوى الترتيبات الأمنية، وأشار إلى أن التفاوض حول الأسيرين ما زال عند الرئيس نبيه بري وهو الجهة المخولة المناقشة والمفاوضة والوصول إلى النتيجة المطلوبة.

في 28/8 استقبل الرئيس بري الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان وفريق عمله، وقد أكد أنان الكلام المكرر على لسان ممثليه حول ضرورة تنفيذ القرار 1701 واحترام «الخط الأزرق» وعدم وجود أي سلاح في منطقة انتشار قوات الطوارئ وأنه سيساعد على فك الحصار عن المرافئ اللبنانية وحل موضوع الأسرى وسيقوم بجولة في المنطقة ليرى ما يمكن فعله في موضوع مزارع شبعا.

أكد له الرئيس بري، في المقابل، أن لبنان مع تحفظاته، التزم بتطبيق الـقرار 1701 بعدما وافق بإجماع الحكومة وأرسل الجيش اللبناني، لكن إسرائيل هل التي تعرقل بهجماتها التي تشكل خرقاً فاضحاً خصوصاً في البقاع ومن خلال الحصار الذي لم يعد يحتمل، وقال «سأقوم شخصياً بتحرك موسع من أجل فك الحصار وعليك أن تدلني يا سيادة الأمين العام على البند الوارد في الـ1701 والذي يتحدث عن حصار من أي شكل، وأعلم أنه من حقنا وفق تفاهم نيسان 1996 أن نقوم بعمليات ضد قوات الاحتلال ما دامت في أرضنا ومع ذلك، نحن لا نفعل ذلك تسهيلاً منا لتنفيذ القرار لكن هذا لن يبقى إلى ما لا نهاية. أما في موضوع مزارع شبعا، فمن كلف إسرائيل أن تحل مكاننا ومكان سوريا وتحتل الأرض، لنفترض أن سوريا تدعي الملكية فما علاقة إسرائيل بالأمر، نحن طالبنا بأن تكون الأمم المتحدة موجودة ريثما يتم الترسيم والتحديد ويكون أهل المنطقة فيها وهذا أسهل الحلول.

طلب أنان خلوة خاصة بينه وبين الرئيس بري، سأل فيها: هل تعتقد أن «حزب الله» يقبل بتسليم الأسرى الإسرائيليين إلينا وبعد ذلك بشهر يتم تسليم اللبنانيين على ضمانتنا.

رد الرئيس بري: لا أعتقد أبداً أن هذا ممكن، المطلوب مفاوضات حول الصفقة ومن خلالها تحدد الآليات.

سأل أنان: هل تعتقد أن سوريا يمكن أن توافق على التبادل الدبلوماسي مع لبنان؟

رد بري: السوري ومنذ وقت طويل وعلى لسان الرئيس بشار الأسد قال إنه مع علاقات دبلوماسية.

والتقى أنان بعدها الوزير محمد فنيش واستمع إلى وجهة نظر «حزب الله» حول الموقف من القرار 1701.

بري يعتصم في مجلس النواب ضد الحصار

كانت مواقف إسرائيل قد أعلنت رسمياً استمرار الحصار وهذا ما نقله مندوبو الأمين العام للأمم المتحدة، وكان واضحاً التبني الأميركي لهذا الموقف في محاولة استثمار سياسي له للدفع باتجاه مفاوضات مباشرة بين إسرائيل ولبنان، وشكل وضوح الموقف هذا رداً على بعض الداخل الذين سوّقوا للإسراع في تقديم التزامات على اعتبار أن فك الحصار هو تحصيل حاصل وهذا ما بقي يعتبره الرئيس السنيورة «مسألة أيام».

كانت مناسبة ذكرى إخفاء الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه في 31 آب 2006 استثنائية في الزمان والمكان حيث تم التأكيد من خلال مئات الآلاف الذين شاركوا على إرادة الحياة والانتصار على الرغم من الدمار والدم والإصرار على أن الوجهة هي الجنوب.

في خطابه بالمناسبة، دعا الرئيس بري إلى اعتصام نيابي مفتوح في المجلس النيابي حتى فك الحصار الجوي والبحري الاسرائيلي، كما دعا الحكومة إلى تسيير رحلات جوية إلى المطار والدول الصديقة والشقيقة إلى تسيير رحلات جوية وبحرية إلى الموانئ اللبنانية، كما أكد الوقوف إلى جانب الحكومة في تنفيذ القرار 1701 وتمكين الجيش من القيام بمهامه، وعلى حقنا الثابت في المقاومة حتى تحرير كامل أرضنا. وقال: باسمي وباسم أخي المجاهد سماحة السيد حسن نصر الله وباسم القوى التي تؤمن بمشروع المقاومة سنقوم من خلال الحوار بإنجاز استراتيجية دفاعية للبنان.

صباح السبت في 2/9 / 2006 كان الرئيس بري قد جمع أغراضه الخاصة في حقيبة ونزل باكراً إلى مبنى مجلس النواب في ساحة النجمة حيث تواجد نواب من مختلف الكتل النيابية توزعوا في غرف ومكاتب جناح الرئاسة واستقروا هناك يتناوبون الدوام في الليل والنهار، والثابت في البقاء الرئيس بري الذي حجز مكان نومه في إحدى زوايا الصالون الكبير الملحق بمكتبه.

بدأت حركة اتصالات واسعة من خلال لجان توزعت على سفارات الدول الخمس الكبرى والدول العربية التي ترتبط بعلاقات مختلفة مع إسرائيل ومع اللجنة العربية الثلاثية ووزير خارجية قطر، وكانت ردود الفعل مختلفة مشجعة بمعظمها للخطوة، لكن الأميركي نصح بعدم اللجوء إلى مجلس الأمن بعكس الفرنسي الذي أيد الأمر كما البريطاني، أما الصين فاعتبرت الحصار ضد القرار 1701 والروسي عبّر عن تضامنه ولكنه لم يعط موقفاً من اللجوء إلى مجلس الأمن، الأمر الذي عارضه أيضاً ممثل الأمين العام للأمم المتحدة غير بيدرسون.

في اللقاءات اليومية مع الرئيس فؤاد السنيورة تبين أن هناك من يدفع، وتحت عنوان المساعدة على فك الحصار، نحو توجيه رسالة إلى الأمم المتحدة يطلب فيها لبنان من مجلس الأمن أن تقوم «اليونيفيل» بالمراقبة البحرية وهذا ما تطلب وقتاً طويلاً، ولقد حاول الرئيس السنيورة كثيراً إقناع الرئيس بري وأرسل مستشاره د. محمد شطح مرتين لنقاش المسألة ولم يتم الاتفاق. وتقرر في جلسة نيابية موسعة أن تقدم الحكومة شكوى إلى مجلس الأمن من دون أن تطلب انعقاده.

بعدها حصل نقاش في المجلس ولاحقاً داخل الحكومة حول كيفية التعاطي مع مجلس الأمن والطلب منه واتخذ قرار بهذا الشأن لم يكن موضع إجماع.

وجد اعتصام المجلس النيابي صدى واسعاً وترك تأثيراً كبيراً على الرأي العام الخارجي وحصلت مشاركات واسعة من شخصيات عربية ودولية ألقت خطباً ورسائل تضامن وحصلت تحركات مؤيدة، عمالية وشعبية وعلى مستوى الفاعليات المختلفة، واستقبل الرئيس بري في المجلس وفوداً عدة حتى يوم الأربعاء في السادس من أيلول حيث تبلغنا أن الحصار الجوي سيُرفع ابتداءً من يوم غد الخميس (7 ايلول).

في هذا اليوم، التقى الرئيس بري وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وكان تركيز على الاستفادة من الأجواء الحاصلة لمتابعة موضوع مزارع شبعا وحل قضيتها.

وعند الساعة السادسة مساء وفي أجواء احتفالية داخل المجلس النيابي وخارجه حيث حلقت طائرة الميدل إيست دائرياً فوقه معلنة فك الحصار، كنا نطوي صفحة أخرى من صفحات المواجهة الطويلة والقاسية مع العدو الذي حاول أن يميز في البحر من خلال تأخير عملية فك الحصار البحري يومين آخرين.

لقاء بري ـ نصر الله : لقاء لا يشبه أكبر القمم

جمع الرئيس بري أغراضه بعدما استطاع أن يكمل ما بدأه خلال الحرب في ممارسة كل أنواع الضغوط السياسية والإعلامية على العدو لإفشال مخططاته، وعاد إلى حيث تنتظره ومعه كل اللبنانيين جولات كثيرة فيها مع الداخل ما ســيكون ربما أصعب بكثير مما كان مع عدو الخارج

أيام ما بعد وقف إطلاق النار، اختصرت أسطرها لكن محاضرها محفوظة، وروايتها لن تبدل في السياق الذي عشناه حروباً من أنواع مختلفة خلال 33 يوماً كان فيها ظلم ذوي القربى أشد مضاضة.

خاتمة أيامنا في بداية الايام العشرة الأواخر من هذا الشهر، يوم ركبنا سيارة واحدة، الرئيس بري والحاج حسين الخليل وأنا باتجاه الضاحية، التي كنت يومياً في فترة ما بعد الحرب أتواجد فيها، بين ناسها وشوارعها، لكنني كنت أراها بشكل مختلف في تلك اللحظات حيث تحضر مع مشهد كل بناية مدمرة محطة كانت ترويها عيوننا الست الباحثة عن الحياة الجديدة التي رُسمت مع الانتصار.

بانتظام دقيق وبلا إشعار مميز فُتح باب ملجأ إحدى البنايات المرتفعة بين شقيقاتها الرابضات على الأرض، شعرنا أننا نجول في معرض تشكيلي قبل أن يأخذنا أحد المصاعد إلى الطبقة الخامسة، يفتح الباب، نخرج على باب شقة متواضعة، وإذا بالسيد حسن واقفاً منتظرا، تسمرت مكاني، تقدم الرئيس والسيد معاً.. تعانقا، غمرا بعضهما، أنا الذي حضرت ربما كل اللقاءات منذ أصبح السيد نصر الله أميناً عاماً للحزب حتى ذاك الاجتماع، شعرت أنني أمام مشهد آخر لا يشبه أية لقاءات أو قمم.

بقيت والحاج حسين الخليل مكاننا ننظر إلى شخصين يتعانقان. اليد باليد والكتف على الكتف والعيون تحكي قصة الحرب والصمود في لحظات خاطفة.. سلام فيه الكثير من الخصوصية والقليل من الكلام.. فيه السؤال تحول الى نظرة والجواب الى إيماءة تختصر كل أجوبة العالم.

يطول الحديث على عشاء لم يكسر فيه السيد لائحة الطعام الذي تعودناه في اللقاءات المتعددة بما فيه تلك «الفراكة» التي «عزت أيام الحرب.. وأكواز من الرمان الجنوبي» كما قال.

لقاء فيه حلاوة ومرارة، تاريخ وقراءة حاضر واستقراء مستقبل وكثير من العض على الجرح الذي كاد ينفر كلاما من السيد يوم غد يضع فيه نصاب موقف ربما لم يحن زمانه كما قال الرئيس بري، وتمنى ان يبقيه لوقته الذي استحــق بعد شهور وللقاء محضر خاص مع محاضر علاقة تجذرت بين حركة وحزب ورئيس وسيد حتى وصلت إلى ما نحن عليه وأعطــت قـوة للوطن ووحدته ومناعته.

ما يقال عن اللقاء إن الرئيس بري نصح السيد نصر الله يومها أن ينتبه من الظهور في احتفال النصر. كان خائفاً من غدر إسرائيل، لكنه عندما رأى إصرار السيد قال له: أمام حق الناس علينا.. لن أقول لك يا سماحة السيد إلا أن الله هو الحامي.

قال.. في السياسة نعم نحن انتصرنا يا سيد، والعالم لن يستطيع أن ينكر هذا وربما يحتفل به، ولكن في لبنان هناك من يصر على التنظير لمنطق الهزيمة ولا يريدك أن تكون في مظهر المنتصر.

هو ما قاله الرئيس بري في الحلقة الأولى نفسه من صفحات مجهولة من يوميات حرب تموز، أن لا نفرح بالانتصار لأنه أكبر من أن يهضمه بعض اللبنانيين الذين تعودوا الهزيمة.

محمّد أحمد الزّين
About محمّد أحمد الزّين 177 Articles
محمّد أحمد الزّين لبناني الجذور الهوية والإنتماء، ناشط إجتماعي وسياسي، كاتب ومحلل سياسي، يؤمن بعروبة لبنان وبأنّه وطن نهائي لجميع أبنائه، الطوائف فيه نعمة والطائفية خطر عليه، وبثلاثية الجيش والشعب والمقاومة لحماية لبنان، يؤمن بعدالة الإنسان التي من أجله كانت الأديان.

1 Comment

  1. إذا أردت أن تعلم ماذا جرى من أسرار في حرب العدوان الصهيوني على لبنان عام 2006 ، ما عليك إلاّ أن تقرأ صفحات مجهولة من حرب تموز والتي كشفها دولة الرئيس نبيه برّي وقد طلب من معالي الوزير علي حسن خليل أن ينشرها في وسائل الإعلام على حلقات، وقد نشرت في جريدة السفير اللبنانية، وهذه هي الصفحات التي تكشف زيف المتآمرين على لبنان.

قسم التعليقات مغلق.