لاءات الإمام الصدر الرؤيوية

Hits: 18

بقلم الدكتور خليل حمدان عضو هيئة الرئاسة في حركة أمل

تأتي الذكرى السنوية الواحدة والأربعون والإمام القائد السيّد موسى الصدر يتألق حضوراً رغم قيد سجّانيه من الطاغية المجرم القذافي الى كلِّ الأيادي التي تماطل إهمالاً، رغم أن العديد من المسؤولين الليبيين الحاليين لاقوا أنواع ظلم النظام البائد، وبين هذا وذاك يبقى الامام الصدر محط آمال المتطلعين لغد واعد على المستوى الوطني والعربي ولجميع الأحرار في العالم سواء كان في طروحاته لحل كل المعضلات التي تجمد الدماء في عروق عملية النهوض الوطني ومنها أزمة النظام أو  أزمة الحكم  وكأن قدر  لبنان أن يكون نظامه قيد الانجاز من مراحل تأسيسه ومن الجنرال غورو حتى اليوم.

لقد قيل الكثير عن الدستور والميثاق وثالث الأثافي الصيغة فيما يعترف فقهاء القانون الدستوري وأهل الخبرة السياسية بعمق الأزمة، فجاء التوصيف على وقع الممارسة والتطبيق لحكم الوطن والمواطن فيصطدم المواطن بأن طبيعة النظام لا تخوله أن يكون مواطناً بكامل الحقوق انما عليه الواجبات فلبنان تشكل من فيسفساء مذهبية سبع عشرة طائفة إضافة الى الأثنيات، وصفه الدكتور محمد المجذوب بأنه غريب عجيب ووحيد فريد مدهش مذهل يستعصي على كل تصنيف ويتمرد على كل تحليل    لينبري المفكر جورج نقاش بأن سلبيتان لا تبنيان وطن في ظل نظام اقتصادي وصفته بعثة ارفد برئاسة الأب لوبريه I.R.F.E.D. في أوائل الستينان بأنه فريد ويبتعد عن كل القواعد والنظريات الاقتصادية كأن بعض الناس تعيش في زمن النبي ابراهيم وآخرون بمستوى أكثر المجتمعات رخاء. 

في هذه الأجواء وفي خضم تلك الظروف وصل الامام السيد موسى الصدر الى لبنان، قاد المحرومين من جميع الطوائف نحو الاصلاح مطالباً بإزالة الحرمان في الأطراف وأحزمة البؤس ومواجهة العدوان الصهيوني على لبنان، على قواعد حاكمة على مستقبل لبنان، إذ ما تم تطبيقها، من أن الطوائف في لبنان نعمة تجعل من هذا البلد المختبر الحضاري ليس على المستوى الداخلي انما على مستوى العالم، وكذلك انهاء المعركة الداخلية في لبنان أفضل وجوه الحرب مع اسرائيل، لا سيما وأن الأحداث أثبتت أن الحروب الداخلية كانت أداة الحرب الناعمة التي من شأنها انهاء البلاد والعباد في عملية التآكل الداخلي الذي هو أكبر فتكاً في تحطيم الآلة العسكرية، لأن الحروب الغبية أخطر بكثير من القنابل الذكية فقد تستفيض والوطن يلفظ آخر انفاس الحياة.

ان رؤية الامام السيد موسى الصدر جاءت منذ وصوله الى لبنان خلفاً للامام السيد عبد الحسين شرف الدين شاهراً سلاح العيش الواحد بردم الهوة مع الآخر الذي هو قدر لبنان بل رسالة العاملين في سبيل الله ومن أجل الانسان.  أ

*ورقة عمل المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى 11 أيار1977مثالاً يقتدى

من نافلة القول أن هذه الورقة شكلت مرتكزاً اصلاحياً ومطلبياً يكمن فيهما الحل الثابت لأزمة لبنان وكانتمن مرتكزات اتفاق الطائف فيها الايمان بلبنان الواحد كوطن نهائي بحدوده الحاضرة سيداً حراً، واللافت أن التركيز على ابعاد شبح عناصر واساس التوترات التاريخية التي وضعت لبنان أمام اختلالات مستمرة طالما أدت الى صراعات ونزاعات داخلية حتى الاقتتال، وجاء في الفصل الثاني من الورقة ما لا يمكن القبول به إذا جرت العادة في ادراج البنود المطلبية ولكن الامام أكد على مسألة قد لا تكون مألوفة عند البعض  فيما لا يمكن القبول به، يمكن ايجازه بخمسة موضوعات : 

رفض التقسيم رفضاً باتاً ولو تحت ستار اللامركزية السياسية مرحباً بأية صيغة للامركزية الادارية.

رفض توطين الفلسطينيين مع التأكيد على الالتزام بالعمل لاستعادة الشعب الفلسطيني حقه في وطنه واليوم نشهد أن التوطين أحد آليات صفقة القرن التي تسوق لها الإدارة الامريكية لانهاء وتصفية القضية الفلسطينية.

لا يمكن القبول بتشويه وجه لبنان الحضاري بتحطيم دوره العربي والدولي تفادياً لفقدان دور لبنان المميز كرسالة حضارية.

رفض تحجير الصيغة اللبنانية كي لا يبقى عامل الخوف والقلق على المصير عند البعض ذريعة للمحافظة على امتيازات فئوية بينما يبقى عامل الغبن عند البعض الآخر باباً للنزاع والسلبيتان لا تبينان وطن باعتراف الجميع.

رفض أية تسوية بين الفرقاء على حساب الوطن ولو مؤقتة لأن التحديث ينبغي أن يكون جذرياً بتخطيط شامل لتحديث الدولة في جميع مرافقها تحديثاً جذرياً لأن استئثار البعض بوضع اليد على مرافق محددة في الدولة ولو مؤقتاً يعني حراسة الأزمة وإعادة عجلة الاستقرار الى الخلف.

وخلاصة القول أن الامام السيد موسى الصدر كان في رؤيته الاصلاحية المبكرة يحرص على الاستقرار وتحصين لبنان في أصعب المراحل والتي لم تعد احتمالاً بل نحن، فيها من هنا كان تأكيد رئيس المجلس النيابي رئيس حركة أمل الأخ نبيـــه بــــري على أن يكون الحوار شاملاً فالتجارب خير معلم لنا، ان جميع الحوارات الثنائية والتحالفات الثنائية لم تشكل شبكة أمان لخلاص لبنان من أزماته بل كانت معبراً تؤسس لأزمات فإن أي حوار لا يأخذ بعين الاعتبار مكونات البلد بمثابة الحل العابر الذي يؤجل الأزمة.

وإن إظهار الخصوصية على حساب الآخر هو أم الأزمات التي تضعف منعة لبنان بتهديد الوطن والمواطن ولا يشكل رافعة لعملية النهوض الوطني بل هو تجاوز للدستور لتحل المحسوبيات على حساب الكفاءات كما شهدنا  في شل يد مجلس الخدمة المدنية دون أي مبرر قانوني أو دستوري.

إن الامام الصدر شاء لنا أن نكون مواطنين ولكن مع الأسف فإن ممارسات اليوم تقول للمواطن العادي أنك لا تستطيع أن تكون مواطناً تحت حماية الدستور والقانون لذا فإن الامام الصدر يحضرنا في عز أزماتنا في ابعاده الرؤيوية ، فهل يعود البعض اليه ويصح ما يردد البعض ” ليتني عشت في فترة كان فيها الامام في لبنان، ليس من السهل التنبؤ ولكن من الممكن أن نعود جميعاً الى حوار شامل على قواعد أرساها الامام الصدر.

الإمام الثائر “إمام الوطن والمقاومة”

أن تكتب مقالة عن الإمام السيد موسى الصدر في صحيفة يومية أو مجلة أسبوعية تكون قد تـنكّبت عبء البحث نظراً الى غزارة المواقف ونوعيتها، والى اهمية نصوص الخطب والمحاضرات والندوات والمهرجانات، التي باتت مكتنزة في مجموعات من المؤلفات ترسم بحبر الحقيقة عشرات آلاف الأميال التي قطعها ليبث في الناس من مختلف الطوائف والمذاهب كلاماً بإسم الله، حيث يصدح بنبرات صوته الذي يجوب عنان السماء من مآذن المساجد وردهات وقاعات الكنائس.

الإمام الصدر الذي أمّ الناس في المساجد فثاروا، وخطب بهم في الشوارع فصلّوا، قيل فيه “إمام العزة على تواضع، وإمام التواضع على عزة” بحسب رفيق الإمام في التغييب الشيخ محمد يعقوب، و”أمل المعذبين والحالمين بغد واعد” بحسب رفيق الإمام في غربته الصحافي السيد عباس بدر الدين.

أجل هو الإمام الصدر كسنديانة تعشقها القمم لا يزال يضج حياة وصلابة وتألقاً، يبذل ظله الوارف على درب الأنبياء والصالحين.

حمل راية القدس مشيراً ببنانه ناطقاً بلغة الواثق: ان شرف القدس يأبى أن تتحرّر إلاّ على أيدي المؤمنين الشرفاء.

فمسيرة الإمام الصدر عصية على الإختزال، ولكن لا بد أن نأخذ من درره نثرات ومن عذب مائه الثرّ قطرات.

والده الإمام السيد صدر الدين الصدر رفض الظلم والفقر، وانحاز للفقراء والمعذبين، وسط تلك العائلة تفتحت عينا الإمام الذي شهد كيف تضمد جراح المجتمع نماء وعطاء بمشاريع تخفف عن الناس تكاليف الحياة، على عين السيد صدر الدين الصدر حمل الإمام موسى الصدر إرث الجهاد وقد اغترف من دوحة علمه. وعلى الرغم من أن عمر الإمام لم يتجاوز سن الرابعة عشرة، تصدى مبكراً لمن تجاهل حقوق الناس والمحرومين في زمن الشاه حيث كانت له مقالة مبكرة في جريدة “إستوار” الإيرانية نشرت بتاريخ 10 شباط 1942 بحسب تحقيق السيد حسين شرف الدين، تحت عنوان: “إلى متى العذاب…؟”، يتحدث فيها الإمام عن تجاهل سلطة الشاه صرخات المعذبين والفقراء ومطالبهم التي تنقلها الصحف في ذلك الزمن، ليصرخ الإمام في مقالته إلى متى العذاب… إلى متى يستمر هذا الإهمال والتهرّب من المسؤولية؟ لينهي بكل جرأة: أن كل ما يأتي به العام الجديد يدعو إلى حسرة على ما مضى.

منذ ريعان شباب الإمام الصدر عمل على بث الوعي في نفوس الناس لإنعاش ذاكرتهم، وجاء الى لبنان مسكوناً بإرث جهادي حسيني في لحظة حاسمة رفع فيها راية واعدة عنونها: “أمل إرثها في ثورتك يا وارث الإنبياء”. كل ذلك كان من أجل الإنسان، لأن إنتقال الإرث المعنوي لا يحتاج للحظة موت، بل قد تتناقله الأيدي والألسن من حي إلى حي. ذلك الإرث الوجداني والمعنوي يبقى حتى يبلغ العدل تمامه ويندحر الباطل وأهله إلى غير رجعة.

الإمام الثائر :

في مقابلة مع مجلة “اليقظة” الكويتية 13 كانون الثاني 1975، سأله أحد الصحافيين هل أنت ثائر، قال الإمام: “ليتني أستطيع إنقاذ جميع المحرومين في العالم”. أجل، إن هذا ما يفسّر إهتمام الإمام الصدر بحركات التحرر العالمية واللقاء بهم، ودعوتهم إلى لبنان في أربعينية الدكتور علي شريعتي، ويعتبر الإمام الصدر أن قيادته للتحرك من أجل مطالب المحرومين فعل إيمان إنطلاقاً من واجبه الديني والسياسي حيث أقسم أن لا نهدأ ما دام في لبنان محروم واحد أو منطقة محرومة أو طائفة محرومة، فبات محط أنظار شرائح المجتمع، واكتسب تأييدهم في توقيع أصحاب أقلام الرأي الحر من شعراء وأدباء ومثقفين وفنانين وصحافيين وسياسيين وعاملين في قطاع المهن الحرة وعالمي دين من مختلف الطوائف.

أجل هو لبنان الرسالة الذي أراده الإمام الصدر، لبنان هيئة نصرة الجنوب، لبنان المتمسك بحقه بالدفاع عن أرضه، لبنان المقاومة، لبنان العيش الواحد، الذي كان هماً من همومه.

نورد ما قاله الصحافي الكبير الراحل غسّان تويني بعد سماعه عظة الصوم التي ألقاها الإمام الصدر بعنوان: “القوى التي تَسحق والقوى التي تفرّق”، في كاتدرائية مار لويس اللاتينية للآباء الكبوشيين عام 1975، حيث قال غسان تويني: “لو كنا نؤرخ لسمّرنا عظة الإمام الصدر في كنيسة الكبوشيين على أبواب منازلنا”.

ولا ننسى ما قاله الرئيس الراحل شارل الحلو بعد سماعه المحاضرة أيضاً: “هذا حدث يحصل للمرة الأولى في تاريخ الكثلكة، يجتمع في الكنيسة مؤمنون لسماع كلمة الله من مرجع ديني غير كاثوليكي، ويقابل ذلك لا بالإعجاب فحسب، بل بالتأمل الطويل ومن الطبيعي أن يكون موطن الحدث لبنان، بلد اللقاء والأخوة والتوحيد”.

هذه الثوابت وتلك المنطلقات يختزنها أحبّة الإمام الصدر وعشاقه الذين سيتوافدون لحضور مهرجان ذكرى تغييب الإمام الصدر وأخويه سماحة الشيخ محمد يعقوب والصحافي السيد عباس بدر الدين، الذي ستقيمه حركة “أمل” في مدينة الإمام الحسين (ع) مدينة النبطية، التي سيؤمّها الناس من المناطق اللبنانية كافة في 31 آب الجاري، وحيث سيلقي دولة رئيس مجلس النواب رئيس حركة أمل الأخ نبيه بري كلمة تعبّر عن هذه الثوابت وتطلعات الجماهير المحتشدة من متابعة قضية الإمام الصدر وأخويه على قاعدة راسخة أن الإمام وأخويه أحياء، وأن جريمة العصر التي ارتكبها المقبور معمر القذافي هي جريمة متمادية في الزمن، وهذا لا يعفي القيادة الليبية الحالية من مسؤولية العمل السريع لتحرير الإمام الصدر وأخويه لعودتهم إلى ساح جهادهم، كذلك ان التحديات الكبيرة والمتعددة التي تواجه لبنان والمنطقة وما يخطط له لا بد إلا أن تحضر في مواقف دولته، ويبقى الرهان على الوحدة الوطنية المبنية على قواعد الوفاق والتمسك بالعيش المشترك واحترام الدستور، وأن الخطة الوحيدة الضامنة للسلم الأهلي مبنية على هذا.

حيث يشهد اللبنانيون للرئيس بري على الجهود التي بذلها طوال ساعات وأيام وأسابيع متحملاً عبء المعالجة، واستطاع أن يذلل عقبات ويحل عقداً كادت أن تؤدي إلى نتائج غير محمودة لولا إستجابة العديد من المخلصين. ولكن هذا لا يعني أن الغيمة السوداء قد انداحت، لأن هناك أسئلة كثيرة حول إثارة بعض الغبار باستهداف البعض للطائف، والسؤال للأيام المقبلة عن أي مستقبل زاهر نتحدث وفي لبنان بعض المسؤولين يعتقدون أن تطبيق الطائف لم يبدأ بعد.

نتمنى أن تكون قراءتنا لنيات البعض خاطئة، وأن يبدي الجميع رغبتهم بتطبيق الطائف الذي يعيش لبنان في ظله منذ عام 1989.

وأمل بنصر الله وعودة الإمام الصدر.

بقلم الدكتور خليل حمدان عضو هيئة الرئاسة في حركة “أمل”

محمّد أحمد الزّين
About محمّد أحمد الزّين 177 Articles
محمّد أحمد الزّين لبناني الجذور الهوية والإنتماء، ناشط إجتماعي وسياسي، كاتب ومحلل سياسي، يؤمن بعروبة لبنان وبأنّه وطن نهائي لجميع أبنائه، الطوائف فيه نعمة والطائفية خطر عليه، وبثلاثية الجيش والشعب والمقاومة لحماية لبنان، يؤمن بعدالة الإنسان التي من أجله كانت الأديان.