إلغاء الطائفية السياسية وإمكان العيش المشترك

Hits: 145

بقلم محمّد أحمد الزّين .

المعضلة الطائفية في لبنان :

نتيجة مرور أحداث لا يمكن القفز فوقها أو تجاهلها والتي تداخلت فيها  القوى الأجنبية التي أثرت في إتجاه الفرقاء والطوائف اللبنانية، بدءاً من إنتهاء الحكم المصري من بلاد الشام عام 1831 – 1840 وتقسيم جبل لبنان إلى قائمقاميتين” درزية ومارونية” عام 1842 ثم في المجازر الطائفية في الجبل، ومحاولات توحيده في إصدار بروتوكول عام 1861 وقد إستمرت التيارات الطائفية والسياسية المتناحرة ردحاً من الزمن. وفي العام 1912 بدأت بعض القوى اللبنانية المختلقة كل على طريقته تطالب بالإستقلال، وبسبب نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914– 1918 خفّت المطالبة بالإستقلال نتيجة تداعيات تلك الحرب، إلى أن أعلن الجنرال غورو عام 1920 دولة لبنان الكبير والتي أدت إلى الإنقسامات بين اللبنانيين وأحدث القرار تغييراً أساسياً في علاقة المسلم بالدولة المحتلّة من كافة النواحي، تلاها مناقشات صيغة الدستور عام 1926 وحتى تاريخ نيل الإستقلال عام 1943  فإنّ مشروع بناء الدولة اللبنانية الحديثة بعد الإستقلال، لم يكن على قدر الآمال والطموح التي إستند إليها الشعب اللبناني طوال عقود طويلة من نّضالهم وكفاحهم، ودخول اللبنانيين مرحلة جديدة من عُمر وطنهم.

هذا وقد فرض النظام السّياسي الجديد عليهم دخولاً طائفياً، إذ لم تعترف الدولة اللبنانية بالمواطن كونهُ جزءاً منها بذاته، بل، فرضت عليهم الإنتماء الطائفي أولاً لتعترف بهم، على اعتبار علاقة الفرد بالدولة من خلال إنتمائه الطائفي والمذهبي، وليس من خلال إنتمائه الوطني اللبناني، واعتبار علاقة المواطن بالدولة ومؤسساتها، علاقة غير مباشرة، أي مروراً بالوسيط هو الطائفة* ( [1] ) فمشروع بناء دولة الإستقلال الوطني الحقيقي، لم يلحظ مُشاركة كُل الفئات اللبنانية، إذ إستمرّت فئة من اللبنانيين المنتمين إلى طائفة جديدة مُعيّنة ” المارونية السياسية ” في احتكار مُقدرات الدولة، والإمساك بدائرة القرار السياسي لها، مع مشاركة ضعيفة وخجولة من الآخرين، هذا ما أبقى البلاد تشهد إرتدادات وهزّات سياسية وحتى أمنية متتالية، أمام الإستحقاقات الإنتخابية وغيرها في لبنان، وهو ما كان يصطدم بسياسة النظام السّياسي اللبناني القائم آنذاك، الذي فضّل المحافظة على رموز العائلات السّياسية التقليدية، ولاحقاً تمّ تسميتُهم بالإقطاع السّياسي العائلي، إنّ الدولة اللبنانية ومن كان يمسك بقرارها السّياسي، فرّقت الشعب عامودياً وأفقياً بإعتمادها الطائفية السّياسية، وبالتالي منعت وأعاقت بناء الوحدة

الوطنية المرتكزة على الثوابت الوطنية والعيش المُشترك بين مكوناته ونسيجه الإجتماعي، ففشلت الصيغة الطائفية فشلاً ذريعاً في بناء مواطنية لبنانية، وبالتالي في بناء الوحدة الوطنية كدولة لها مؤسساتها بالكامل، إذ، لا وطن بدون مواطن، ولا مواطن بدون مواطنية حقّة، تشدّهُ أو تأسرهُ إلى مواطنيه بالتضامن والتكافل والولاء والتضحية معاً في سبيل وحدة لبنان بالكامل*  ( [1] )

لذلك يمثل مطلب إلغاء الطائفية السياسية في المادة 95  واتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق الإلغاء وفق خطّة مرحلية، وفي مقدمة الدستور المقرّة في الطائف، بوصفه هدفاً وطنياً أساسياً يقتضي العمل على تحقيقه، إلا ّ أن هذا المثول يضل ملتبساً، فالمطلوب أولاً تحقيق نيّة الإلغاء لا فوراً،  بل وفق هذه الخطّة، والمطلوب ثانياً تحقيقه بإجماع وطني، مع الحرص على  جميع مكوناته الطائفية والمذهبية، وضمان حرّية إقامة الشعار الدينية، واحترام” نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية.

حرية الإعتقاد المطلقة والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى، تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعار الدينية تحت حمايتها على أن لا يكون في ذلك إخلال في النظام العام، وهي تضمن أيضاً للأهلين على إختلاف مللهم إحترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية*( [2] )

والإقرار بأنّ للطوائف حقوقاً لا تمسّ، من جهة إنشاء مدارسها الخاصة واعتمادها اللغة العربية والتي تعتبر هي اللغة الوطنية الرسمية في جميع دوائر الدولة، وإنشاء مجلس للشيوخ تنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية وتتمثل فيه جميع العائلات الروحية .

مع إنتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي، يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية* ( [3] )والمطلوب ثالثاً وأخيراً، تحقيق الهدف الوطني من دون مناقضة “ميثاق العيش المشترك” وفق ما نصّت عليه مقدمة الدستور نفسه، وينبغي أن لا يُخيفنا نحن اللبنانيين هذا الأمر، فمطلب إلغاء الطائفية السياسية مقطوعاً عن سيرة نشأته ما هو إلاّ تسوية وطنية شاملة، أن ينفصل هذا المطلب عن سياق ظهوره للمرّة الأولى، ففي الأدبيات السياسية اللبنانية، وفي البرنامج المرحلي للحراك الوطني اللبناني الذي يقود تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، حيث عدّ خطوة ضرورية ولازمة في الطريق إلى تطبيق نوعاً من العدالة والتمثيل الصحيح في جميع الإدارات العامّة، وحيث تجتمع الإرادة الوطنية تؤكد مرحليته الإنتقالية، بمطلب سابق وهو إقرار قانون عصري للأحوال الشخصية، حيث يجب أن تقضي التسوية الوطنية نفسها أيضاً أن تشطب من الدستور عبارة هي ” شطب ذكر الطائفة والمذهب عن بطاقة الهوية، وينبغي بالأحرى أن ننظر إلى هذا الإلتباس الحيوي في النصّ التأسيسي إيجاباً، وهو نصّ عليه بالضرورة، شأنه شأن كل النصوص التأسيسية، أن يكون حصيلة تسوية وطنية شاملة، وقد ظهرت حيوية هذا الإلتباس على أكمل وجه في المواقف المعلنة سابقاً بعد إتفاق الطائف مباشرةً، في التحركات بمناسبة الإعراب عن الرغبة في تشكيل الهيئة الوطنية المولجة دراسة السبل الأيلة إلى تحقيق الهدف الوطني الأساسي، باعتبار التشكيل إستحقاقاً دستورياً، وفي المواقف التي سبقت أعلنت أواسط التسعينيات المنصرمة وما بعدها بمناسبة الحديث عن تشكيل الهيئة الوطنية .

– إجماع اللبنانيين على الإلغاء وانقسامهم إيجاباً :

لم يبق طرف سياسي  في لبنان، إلاّ وتحدث في المناسبة، فإنّ المواقف على كثرتها، لا تتعدى الأطراف السياسية البارزة في الطوائف الكبرى، تراها تراوح بين مؤيد مطالب بالإسراع بالتنفيذ، ومستنكر وملوّح بالخطر المتربص بلبنان من نفسه من جراء ذلك، وترى بين الطرفين المتشددين وكما هو متوقع تماماً، مؤيداً للإلغاء لا يرى داعياً للتسرّع، بل تراه يود أن يطمئن الأخر ويمهله، ولكن الإنقسام الحاد أفقي وعامودي قد يبلغ ذروته ولكن هم مجمعون على عبارات ثلاثة وهي :

نبذ الطائفية وخطابها – نبذ العنف بين الطوائف – الإصرار على الحفاظ على العيش المشترك والتعدّد في إطار الوحدة الوطنية، ما يعني أنّ إلغاء الطائفية السياسية، لا يعني إلغاء الطوائف .لذلك سيبقى النظام السياسي الطائفي قائم حتى تتغيّر النفوس تدريجياً من الحالة الطائفية المستشرية في الإدارات العامّة والخاصّة، إلى الحالة الوطنية العامّة الكبرى، وهذا يعتمد أولاً على إقرار قانون إنتخابي عصري ووطني يعتمد لبنان دائرة إنتخابية واحدة على أساس النسبية، ينتج من خلاله نواب الأمّة على أساس البرامج الإصلاحية الوطنية العامّة وليس على أساس طائفي مناطقي، ومن ثم نأتي ونتحدث عن إلغاء الطائفية السياسية من النصوص  والنفوس والأعراف المتبعة في لبنان.       


[1] – كتابات جوزيف مغيزل. ج أول- دار النهار للنشر 1997 ص 325


[1] – حركة أمل السيرة والمسيرة الجزء الأول – دار بلال للنشر ص 73

[2] – المادة التاسعة من الدستور اللبناني. وثيقة الوفاق الوطني ” الطائف”

[3] – المادة  الثانية والعشرون من الدستور اللبناني. وثيقة الوفاق الوطني . ” الطائف”

محمّد أحمد الزّين
About محمّد أحمد الزّين 177 Articles
محمّد أحمد الزّين لبناني الجذور الهوية والإنتماء، ناشط إجتماعي وسياسي، كاتب ومحلل سياسي، يؤمن بعروبة لبنان وبأنّه وطن نهائي لجميع أبنائه، الطوائف فيه نعمة والطائفية خطر عليه، وبثلاثية الجيش والشعب والمقاومة لحماية لبنان، يؤمن بعدالة الإنسان التي من أجله كانت الأديان.

2 Comments

  1. هل نحتاج إلى طائف ثاني ؟ أم يجرى الإتفاق بين كافة القوى السياسية والحزبية في لبنان دون إستثناء أحد، على إقرار قانون إنتخاب عصري ” لبنان دائرة إنتخابية واحدة على القاعدة النسبية” على أن مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، وإلى جانبه إقرار قانون تنظيم الأحزاب في لبنان، عندها نتمكن من وضع الأسس الأولى لإلغاء الطائفية السياسية في لبنان.

  2. إلغاء الطائفية السياسية في لبنان يتطلب تأليف الهيئة الوطنية لدراسة إلغاء الطائفية السياسية وفق ما نصّت عليه وثيقة الوفاق الوطني.

    أمّا إقرار قانون إنتخاب لبنان دائرة إنتخابية واحدة على القاعدة النسبية.
    هذا الأمر هو أحد المخارج القانونية والدستورية لإلغاء الطائفية السياسية.
    ولكن يلزم هذا الأمر إجماع وطني من كافة الأطراف الحزبية والسياسية، وربما نحتاج إلى طائف ثانِ، وهذا مرتبط بالوضع الإقليمي والدولي في لبنان.

قسم التعليقات مغلق.