بلدتي قبريخا عنوان فرحي، بقلم إبن بلدة قبريخا محمّد أحمد الزّين

Hits: 146

هي شوق الحبيب ولهف الأنين، عندما تنظر إليها من بعيد وتكحّل جفونك بأطرافها وموقعها الخلاّب تسرح بها بعيداً،
تُدهِشك سلاسة رونقها وجمالها الخلاّق في انبساطها وهضابها ومداخلها التي توصلك إلى حضنها الدافىء، هي بساط أخضر ربيعي متعددة الألوان قد خلقها ووهبها الله سرَّ تلك الجمال الذي يبهر الناظر إليها، كيف لا وقد سقاها اللهُ نبع الحجير من عذوبة ماء جداوله، يتلاعب بأهدابها نسيم المرج وجلّ القطن والرحراح وعريشة ووادي الميس وخلّة الرصيف.

هي بلدتي التي خرجتُ إلى الحياة من تُرابها ومائِها وهوائِها، فيأخذك نسيمها حيث هي وادعة هادئة، هي بلدتي مرسومة بشقائق النعمان وعمامة الراعي وزهر القندول وشجر الحور والصفصاف والسنديان الذي يتراقص بأهداب العيون، يعبرُ كتفها الشرقي والشمالي ومن قلبها النابض جداول السلوقي ونبع الحجير الذي يلفّها ويداعبها بخرير ماءه العذب عند صلاة الفجر، بلدتي هي الصابرة المحتسبة التي قاومت الغزاة حينما وطأ أرضها الطاهرة وقتل أبناؤها ودمر بيوتها وحرق زهر حقولها وأشجارها، بلدتي التي يممت وجهها لخالقها مستعينة بالمنجل والمعول ومحاريثها في الحقول، ولم تبخل إن قدّمت أبناؤها على مذبح الوجود، والتحف تُرابها أجساد الشُّهداء الميامين.

بلدتي هي المقاومة وتاريخها المدوُن بحبر الحقيقة، يحدثك عنها أهلها قبل رحيلهم، ينسجون حكايات الصمود والبطولة لأبنائها قرب موقدة كانون، وهم الذين زرعت أقدامهم في أرضها وفلاحوها وهم يجرُّون محاريثهم في حقولهم جيئةً وذهاباً، يزرعون مرَّ التبغ عنواناً لبقائهم وصمودهم وتحديّاً قبالة عدوهم، وبقوا مع صخورها وترابها صامدون ثابتون بالعزم والشكيمة، مسمّرين أقدامهم في أرضها كالجبال الشامخة.

 هي نسيج الأشواق والحنان الذي يلفُ جدرانها المتعدّدة مع إشراقة شمس كلِّ صباح وعند بزوغ القمر في ليلة البدر، تنام وادعةً على صوت السكون الخافت وقنديل الليل، تقرأ عنوان عزّتها على ملامح وجوه وجباه رجالها الماثلة لسمرتها التي تشبهُ الأرض نقاوة وطهارةً، هي بلدتي المعلّقة بحبل الله المتين وبجنان السماء، تستقبل أبنائها الذين هاجروا منها ليعودوا إلى أحضانها زائرين أو محمولون على نعوش الحزن مُكللين بوشاح أسود ليعودوا ويلتحفوا ثراها الطاهر فتأنس بهم بعد مسيرة الهجرة الطويلة.

بلدتي هي السـرّ الكوني في الجمال الذي أودع في داخلها وثراها، فيجيبك سـرّ وجودها على هضاب ومنحدرات الرحراح، ووادي السلوقي، وخلّة الرصيف، ووادي الميس والحجير، ونغمات بلبلها الشادي وحسّونها المغرّد فرحاً يرقص طرباً تراهُ يتمايل مع كل غصن يرتاح هدياً مع نسيم الفجر الآتي من خلف التلال، إسمها صبيةٌ مدللة تحمل بين جنباتها وحقولها الأقحوان وزهر البلان دون شوكه الدامي، فتقدمهُ لك وعلى مداخلها عربون محبّة وتواضع، فيحملك الحلم إلى البيت العتيق، الذي بقيّ شامخاً وصامداً كصمود جباه أبنائها وهضابها وجبالها التي ما انحنت كما رجالها وشيبها وشبابها، تعرجُ بك إلى نسيمات الفجر الذي يشقُ مقلتيها فرحاً بقدومك، تستقبلك بلهفة الأمُ لوليدها بتحنان وحنان وشغف اللقاء، وتتمنى أن يطول بك المشوار حيث تشاء بين منازلها وأحيائها وشوارعها وبيادرها.

كيف لا … وقد كانت وما تزال المثل والمثال في إحتضان ضيفها الآتي مع نسيم شمالِ وادي الحجير ومن أطراف جيرانها وأخواتها في القرى من حولها، إذ أنك تتمنى أن تبقى في أحضانها طويلاً تنعمُ بدفئها، هي صبية جميلة وادعة، وقد وهبها الله ســرّ هذا الجمال الكوني، بأبنائها وكهولها وشيوخها وصباها وشهدائِها، حين تصل إلى مداخلها ينتابك شعور الإطمئنان والمشاعر المرهفة وكأنك بين جنائن الله المعلّقة بين السماء والأرض، تستقبل وافدها بإبتسامة
كصبيّة عبرت وعلى رأسها جرار العين الملأى بألذّ ما ذرفته عيون عاملة، تلك هي بلدتي قبريخــا فأهلاً وسهلاً ومرحباً بكم بين أبنائكم وإخوتكم وأخواتكم .

 

محمّد أحمد الزّين
About محمّد أحمد الزّين 177 Articles
محمّد أحمد الزّين لبناني الجذور الهوية والإنتماء، ناشط إجتماعي وسياسي، كاتب ومحلل سياسي، يؤمن بعروبة لبنان وبأنّه وطن نهائي لجميع أبنائه، الطوائف فيه نعمة والطائفية خطر عليه، وبثلاثية الجيش والشعب والمقاومة لحماية لبنان، يؤمن بعدالة الإنسان التي من أجله كانت الأديان.

قم بكتابة اول تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في العلن.


*